
“الأرصفة للسيارات والشوارع للمشاة”، عبارة تبدو مقلوبة في ظاهرها، لكنها تعكس واقعاً متزايد الحضور في مدينة حلب،
حيث انتشرت في الفترة الأخيرة ظاهرة ركن السيارات على الأرصفة، ما حرم المارة من استخدامها، واضطرهم إلى السير في الشوارع، الأمر الذي يعرّضهم لمخاطر متزايدة، خاصة الأطفال وطلاب المدارس.
وباتت هذه الظاهرة منتشرة في معظم أحياء المدينة، ولا سيما الأحياء الشعبية ذات الشوارع الضيقة، ما دفع المشاة إلى استخدام الطريق المخصص للمركبات بديلاً عن الأرصفة.
كما تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة تُظهر سيارات مركونة على أرصفة ملاصقة لمدارس، ما يجبر الطلاب على السير بين السيارات وفي الشارع، وسط مخاطر يومية.
عوامل فاقمت المشكلة
تحوّل الركن العشوائي للسيارات في عدد من أحياء حلب إلى مصدر يومي للتوتر والاحتكاك بين السكان، بعدما تجاوز كونه مخالفة مرورية، ليصبح سلوكاً يهدد السلامة العامة ويعطل حركة الناس.
ويقول رائد مرجانة، من سكان حي الشعار في حلب، إن الشارع في منطقته ضيق جداً، ولا يتيح ركن السيارة ضمنه، ما يضطره إلى وضعها على الرصيف كحل اضطراري.
ويضيف مرجانة (42 عاماً) لـ”الثورة السورية” أن سيارته تعرضت أكثر من مرة للخدش عند ركنها على حافة الطريق، ما دفعه إلى ركنها على الرصيف حفاظاً عليها، مشيراً إلى أنه تكبّد في إحدى المرات نحو مليون ليرة سورية لإصلاح أضرار كبيرة نتيجة اصطدام سيارة أخرى بها ليلاً، دون معرفة الفاعل.
من جهته، يعزو عبد القادر رحال، وهو سائق تكسي يقيم في حي الفردوس، تفاقم الظاهرة إلى الازدياد الكبير في أعداد السيارات، خاصة في الأشهر الأولى بعد فتح باب الاستيراد وانخفاض الأسعار، ما دفع كثيراً من السائقين إلى ركن مركباتهم على الأرصفة لعدم توفر مواقف كافية.
ويضيف رحال (55 عاماً) أن قلة مواقف السيارات، إلى جانب الازدحام وضيق الشوارع في عدد كبير من الأحياء، تدفع السائقين للبحث عن أي مساحة متاحة، حتى وإن كانت على حساب المشاة.
وفي السياق ذاته، أوضح مدير هندسة المرور في مجلس مدينة حلب، سائد البدوي، أن السبب الرئيسي يعود إلى الزيادة الكبيرة في عدد السيارات مقارنة بالقدرة الاستيعابية للشوارع، والتي لم تشهد توسعاً يواكب هذا الارتفاع، نتيجة غياب تخطيط سابق يأخذ بعين الاعتبار النمو المستقبلي في أعداد المركبات.
وأضاف البدوي لـ”الثورة السورية” أن تضاعف أعداد السيارات جعل الشوارع، التي أُنشئت سابقاً، غير قادرة على استيعاب هذا الكم، لافتاً إلى أن النظام العمراني في الماضي لم يفرض اشتراطات صارمة على المقاولين لتأمين مواقف سيارات ضمن الأبنية، ما فاقم المشكلة ودفع أصحاب المركبات إلى ركنها على الأرصفة.
سيارات مهجورة على الأرصفة
تفاقمت مشكلة إشغال الأرصفة مع قيام بعض السائقين بركن سياراتهم لفترات طويلة دون تحريكها، إذ تغطي الغبار وأوراق الشجر عدداً منها بسبب تعطلها وعدم صيانتها، فيما تُركت أخرى مغطاة بأقمشة نتيجة سفر أصحابها خارج البلاد.
وتقول المحامية ماريا طحان، من سكان حي الهلك في حلب، إن هناك سيارات مهجورة منذ فترات طويلة دون أي تحريك من قبل أصحابها، أو اتخاذ إجراءات من الجهات المعنية بحقها، مشيرة إلى أن هذه السيارات لا تعيق حركة المشاة فحسب، إنما تشكل أيضاً مصدر إزعاج لسكان الأبنية المجاورة نتيجة تراكم الأوساخ والأتربة حولها، وما يرافق ذلك من روائح كريهة.
وتضيف طحان (33 عاماً) أن أمام بناء شقيقتها في حي الأعظمية سيارة مركونة على الرصيف منذ أكثر من عام ونصف، تعيق دخول وخروج السكان، مؤكدة أن الأمر بات مزعجاً ويتطلب اتخاذ إجراءات رادعة بحق أصحاب هذه المركبات.
وأصبح وجود السيارات المهجورة على الأرصفة مصدر قلق للأهالي، خاصة خلال الليل، حيث تبدو هذه المركبات كمواقع مهملة أو بؤر محتملة لتجمع الحشرات والقوارض، ما قد ينعكس سلباً على الصحة العامة.
وترى طحان أن القوانين تتيح للمحافظة وشرطة المرور سحب السيارات غير المستخدمة في حال عدم استجابة أصحابها للإنذارات، إلا أن التطبيق الفعلي لهذه الإجراءات يكاد يكون غائباً، مضيفة: “لم نشاهد أي إنذارات على السيارات المتروكة منذ زمن، ما يشجع البعض على ترك مركباتهم مهجورة على الأرصفة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تعيق إصلاحها”.
بدوره، أوضح مدير هندسة المرور في مجلس مدينة حلب، سائد البدوي، أن بعض الأشخاص اشتروا سيارات جديدة وتركوا القديمة مركونة على الأرصفة، مشيراً إلى أنه يجري العمل على معالجة هذه الظاهرة بالتنسيق مع فرع المرور، بحيث يتم حجز أي سيارة مركونة لفترة طويلة وتتراكم حولها الأوساخ.
من جهته، تحدث فارس دسوقي، طالب آثار في جامعة حلب، عن الآثار السلبية لظاهرة ركن السيارات على الأرصفة، مشيراً إلى أنها تسهم في تشويه المظهر الحضاري للمدينة، وتلحق أضراراً بالأرصفة والبنية التحتية، وتعيق حركة الأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، فضلاً عن تعريض حياتهم للخطر.
ويضيف دسوقي (22 عاماً) أن ركن السيارات على الأرصفة يزيد من احتمالات وقوع الحوادث المرورية، مستشهداً بحادثة وقعت الأسبوع الماضي حين قام أحد السائقين بإنزال سيارته بشكل مفاجئ من الرصيف إلى الشارع، ما أدى إلى اصطدامه بسيارة مسرعة.
حلول ملحة
دفعت الآثار السلبية المتزايدة لهذه الظاهرة الأهالي إلى المطالبة بإيجاد حلول عاجلة تحدّ من انتشارها.
ويؤكد سائد البدوي، أن العمل جارٍ على إعداد دراسات مرورية على مستويين؛ الأول استراتيجي طويل الأمد يتطلب عدة سنوات، ويشمل إنشاء مواقف طابقية ضمن الأحياء باستخدام روافع ميكانيكية تتسع لنحو عشر سيارات، إلى جانب إعداد دراسات تخطيطية لمناطق التوسع، بحيث لا يقتصر الاعتماد على الشوارع لركن السيارات، وإنما يتم تخصيص ساحات قرب الأبنية لاصطفافها.
أما المستوى الثاني، فيُنفذ على المدى القريب، ويتضمن إنشاء بروزات حجرية على الأرصفة لمنع ركن السيارات عليها، مشيراً إلى أن هذه الخطوة طُبقت سابقاً في المدينة القديمة بحلب، ويجري العمل على تعميمها في بقية الأحياء.
وأشار البدوي إلى أن من بين الحلول المقترحة أيضاً زيادة ارتفاع الأرصفة إلى أكثر من 25 سم، إلا أن هذا الإجراء قد يعيق حركة الأطفال وكبار السن، كما أن بعض المركبات المرتفعة قد تتمكن من تجاوز هذا العائق، ما يجعله حلاً محدود الجدوى.
وشدد في ختام حديثه على أهمية رفع قيمة المخالفات المالية المرتبطة بقانون السير، مؤكداً أن الغرامات الحالية لا تشكل رادعاً كافياً، داعياً إلى تفعيل حملات توعوية مرافقة تحث السائقين على الالتزام بالركن في الأماكن المخصصة.
وفي السياق ذاته، قال محمد طريفي عبارة، موظف في دائرة هندسة المرور بمدينة حلب، إن من أولويات المرصد الحضري في وزارة الإدارة المحلية العمل على تحسين المشهد الحضري للمدينة، من خلال إطلاق حملات إعلامية توعوية تنبه الجهات العامة والمواطنين إلى خطورة الوقوف على الأرصفة، وتحديد المناطق الأكثر تضرراً، بما يتيح لشرطة المرور التدخل وتنظيم المخالفات عند عدم الالتزام.
وأضاف عبارة لـ”الثورة السورية” أنه يمكن لمحافظة حلب اتخاذ تدابير وقائية إضافية، مثل إنشاء أحواض نباتية صغيرة على أطراف الأرصفة، بحيث يكون عرض الحوض نحو 50 سم كل 2 إلى 3 أمتار، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تسهم في تحسين المظهر الجمالي للمدينة، وتمنع في الوقت نفسه ركن السيارات على الأرصفة.
الثورة السورية – هاني كرزي















