محليات

انهيارات الأبنية المتضررة تقلق سكان حلب!

شهدت مدينة حلب خلال الفترة الماضية سلسلة من الانهيارات المتكررة في الأبنية السكنية، طالت مناطق عدة كانت قد تعرضت لقصف النظام المخلوع خلال سنوات الثورة.

وأسفرت بعض هذه الحوادث عن وقوع ضحايا، فيما دفعت أخرى الجهات المعنية إلى إخلاء السكان من المباني المتضررة جزئياً، وسط تدخلات لفرق الدفاع المدني التي عملت على إنقاذ العالقين تحت الأنقاض.

وكانت آخر هذه الحوادث مساء الجمعة الماضية، حين أُصيب رجل بجروح نتيجة انهيار شرفة منزل في حي الميسر، وذلك بسبب تصدعات سابقة في البناء مرتبطة بضعف بنيته الإنشائية.

عودة محفوفة بالمخاطر

في منطقة الأشرفية، التي شهدت مطلع شهر آذار الماضي انهيار بناء مؤلف من خمسة طوابق، تحدث عدد من السكان عن واقع الأبنية المتضررة.

وأوضحت راوية نصر، وهي مدرسة، أن المنطقة تعرضت خلال السنوات الماضية لقصف متكرر أدى إلى تضرر معظم الأبنية السكنية، لا سيما في السكن الشبابي وبني زيد وأجزاء واسعة من أحياء الأشرفية المطلة عليها.

وأضافت أن العديد من الأهالي سارعوا، بعد التحرير، إلى تفقد منازلهم والعودة إليها، دون التأكد من سلامتها الإنشائية، مدفوعين بالرغبة في التخلص من أعباء الإيجارات التي أثقلت كاهلهم لسنوات طويلة.

من جهته، أشار المهندس بهاء الدين اللبني إلى أن الأبنية العشوائية في مناطق السكري وكرم القاطرجي والأنصاري الشرقي وهنانو والكلاسة تشهد انهيارات متتالية، كونها أساساً مخالفة لضوابط السلامة الإنشائية.

ولفت إلى أن كثيراً من السكان لا يجدون بديلاً عن السكن في هذه الأبنية، في ظل ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، إضافة إلى غلاء مواد البناء والترميم.

وأكد اللبني ضرورة إجراء تقييم شامل لهذه الأبنية لتحديد الصالح منها للسكن، وما يحتاج إلى تدعيم أو هدم، مشدداً على أهمية توفير تسهيلات، مثل قروض الترميم، والعمل على مشاريع سكنية صغيرة وآمنة لذوي الدخل المحدود، إلى جانب إعادة تفعيل الجمعيات السكنية التعاونية بصيغة جديدة تخدم الفئات الفقيرة فعلياً، بعيداً عن مظاهر الفساد التي كانت سائدة سابقاً.

القصف والزلزال أسباب مركبة

من جانبه، أوضح المهندس فتحي الحايك، عضو المكتب التنفيذي لمجلس مدينة حلب لقطاع السلامة العامة، أن المدينة تُعد من أكثر المدن السورية التي تعرضت لأضرار إنشائية جسيمة نتيجة الأعمال العسكرية، إضافة إلى كارثة الزلزال الذي ضرب المنطقة عام 2023، والذي أثر بشكل كبير على سلامة الأبنية.

وأشار إلى أنه، عقب الزلزال، وبالتنسيق مع المنظمات الدولية وبمشاركة نقابة المهندسين، تم تشكيل فرق هندسية نفذت مسحاً شاملاً للأبنية في حلب، بهدف تقييم سلامتها الإنشائية،

وأسفر هذا المسح الذي شمل نحو 170 ألف بناء داخل المدينة عن إعداد خارطة تصنيف للأبنية ضمن أربعة أقسام رئيسية: أبنية بحاجة إلى الهدم، أبنية تحتاج إلى تدعيم، أبنية بأضرار خفيفة يمكن معالجتها، أبنية سليمة إنشائياً ولا تحتاج إلى تدخل.

ولفت الحايك إلى أن بعض المناطق، مثل الشيخ مقصود وأجزاء من حي الأشرفية، لم تكن مشمولة سابقاً ضمن المسح بسبب وقوعها تحت سيطرة “قسد”، وبعد تحرير هذه المناطق، بدأ مجلس مدينة حلب بالتنسيق مع المنظمات الدولية تجهيز فرق هندسية، بالتعاون مع نقابة المهندسين والاستشاريين، لاستكمال عمليات التقييم.

ومن المتوقع الانتهاء من الإجراءات اللوجستية خلال فترة تتراوح بين أسبوع وعشرة أيام، ليتم بذلك استكمال المسح لكامل مدينة حلب.

وفيما يتعلق بالانهيارات الأخيرة، أوضح الحايك أن معظمها طال أبنية متصدعة أساساً، مشيراً إلى أن بعض السكان يعودون للإقامة فيها رغم صدور قرارات تمنع ذلك، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، ما يعرض حياتهم لخطر مباشر.

وأضاف أن الموسم المطري الجيد هذا العام، رغم أهميته للمخزون المائي والزراعة، كان له أثر سلبي على الأبنية المتضررة، إذ أدى تسرب المياه إلى زيادة أوزانها، خاصة في الأبنية التي تحتوي على أنقاض، ما تسبب في تفاقم الأضرار الإنشائية وزيادة احتمالات الانهيار.

إجراءات إسعافية لتفادي الكارثة

وأكد الحايك أن الجهات الحكومية ركزت، بعد التحرير، على تقييم سلامة الأبنية وتحديد المناطق الأكثر خطورة، مشيراً إلى تدخلات عاجلة في بعض المناطق، مثل “وادي العرايس” في منطقة المغاير، حيث لوحظ هبوط في أرضية الشارع وتهديد للأبنية المجاورة.

وبيّن أن المشكلة كانت ناجمة عن شبكة صرف صحي قديمة ومغلقة، ما استدعى اتخاذ قرار إسعافي باستبدال خط المجاري بالكامل في المنطقة والشوارع المتأثرة، لمنع حدوث انهيارات إضافية.

كما أوضح أنه يتم، عند رصد أي خطر، تنبيه السكان بضرورة الإخلاء، مشيراً إلى اعتماد تصنيف “الأبنية الخضراء” للدلالة على الأبنية السليمة إنشائياً، مقابل الأبنية التي تحتاج إلى تدعيم أو إخلاء.

ولفت أيضاً إلى حادثة في منطقة الكلاسة، حيث أدى انهيار أرضي إلى تشكل مغارة تحت أحد المباني قرب جامع حسان بن ثابت، ما استدعى تدخلاً حكومياً بالتنسيق مع وزارة الأوقاف لتدعيم الجامع ومعالجة الموقع.

أرقام تكشف حجم الكارثة

وفي سياق متصل، أصدرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة الشهر الماضي تقريراً لتقييم الأضرار في محافظة حلب، ضمن خارطة طريق للتعافي وإعادة الإعمار، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية .(UN-Habitat)

وأظهر التقرير أن عدد المساكن المتضررة بلغ 197,133 مسكناً، فيما وصلت نسبة الدمار الكلي إلى 58.7 بالمئة من إجمالي هذه المساكن.

وفي القطاع الصحي، تضررت تسع مستشفيات، أي ما يعادل 17.6 بالمئة من إجمالي مستشفيات المحافظة، إضافة إلى تضرر 98 مركزاً صحياً ومستوصفاً، أما في القطاع التعليمي، فقد تضررت 1,477 مدرسة بدرجات متفاوتة، وهو ما يمثل نحو نصف مدارس المحافظة.

كما أشار التقرير إلى تضرر 91 فرناً بنسبة 30.5 بالمئة، و1,118 مسجداً بنسبة 29.8 بالمئة، إلى جانب تضرر 11 كنيسة بنسبة 14 بالمئة.

وعلى ضوء هذه المعطيات، تستمر الانهيارات كتهديد يومي يلاحق سكان المدينة، بين أبنية متصدعة، وظروف معيشية قاسية، وخيارات محدودة، فيما تظلّ الضرورة قائمة لاتخاذ معالجات جذرية تكفل سلامة السكان وتضع حداً لهذا الخطر المتصاعد.

الثورة السورية – لينا إسماعيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى