
وسط جهود كبيرة تبذلها الجهات المعنية لحل النزاعات القائمة حول العقارات التي كانت مُغتصَبة خلال فترة حكم النظام المخلوع،
ما زالت معضلة “العقارات المسلوبة” في مدينة حلب تمثل إحدى أبرز مظاهر التحدي للسلطة القضائية، خاصة في ظل وجود مئات الدعاوى من هذا النوع، والتي تنتظر الفصل من قبل عدلية حلب.
وبحسب إحصائيات، فإن غالبية الدعاوى القضائية أُقيمت بحق أشخاص استولوا على منازل المدنيين، الذين هجّرهم النظام المخلوع من منازلهم خلال سنوات الثورة.
800 دعوى خلال أشهر
وأكدت النيابة العامة في حلب إقامة 804 دعاوى قضائية بهذا الصدد خلال الربع الأول من عام 2026، حيث ذكر مدير المكتب الإعلامي في قصر العدل بحلب، أحمد المحمد، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن عدد الدعاوى المذكور يشمل جميع الضبوط التي جرى تحويلها من المحافظة ومخافر الشرطة، مشيراً إلى أنه تم البت بـ200 دعوى، فيما استُؤنف الحكم في 37 منها، بينما لا تزال 567 دعوى قيد المحاكمات حتى الآن.
وحول الآلية التي تتبعها المحاكم في هذا النوع من الدعاوى، أشار المحمد إلى أن الآلية تتم وفق القرار الصادر عن وزير العدل رقم 2064، المعطوف على قرار مجلس القضاء الأعلى رقم 526 بتاريخ 20/10/2025، القاضي بالنظر في الدعاوى بإجراءات سريعة تشمل تقصير مهل الحضور، وإتاحة الحق للأطراف للإدلاء بأقوالهم ودفوعهم، وإصدار القرار النهائي مشمولاً بالنفاذ المعجل في حال ثبوت حالة الغصب.
ولفت إلى أن المحكمة قامت بحل عدد كبير من الحالات عن طريق الصلح، وتسليم المنزل لصاحبه بالطرق الودية.
كيف تُقام دعاوى الغصب؟
يُعاقب القانون السوري (المادة 723 عقوبات) على غصب العقار بالحبس حتى سنتين والغرامة، ويشمل ذلك استيلاء شخص على عقار أو جزء منه دون سند ملكية، وتتنوّع الإجراءات بين دعوى جزائية (غصب عقار) لإيقاع العقوبة، ودعاوى مدنية (طرد غاصب، استرداد حيازة) لاستعادة العقار، خاصة في حال التهديد أو استخدام القوة.
يشرح المحامي إياد دقلان، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أنواع الدعاوى التي تُرفع من هذا النوع كما يلي:
دعوى غصب عقار (جزائية): تُقدَّم إلى النيابة العامة أو قاضي صلح الجزاء بهدف معاقبة الغاصب واستعادة العقار.
دعوى طرد غاصب (مدنية مستعجلة): تُرفع أمام قاضي الأمور المستعجلة لإخلاء العقار بسرعة.
دعوى استرداد الحيازة: تُرفع أمام محكمة الصلح المدني للمطالبة بالحيازة دون بحث أصل الملكية.
دعوى منع معارضة وتسليم عقار: دعوى مدنية لإنهاء نزاع الملكية.
سلب بالتزوير
خلال فترة حكم النظام المخلوع، اضطر كثيرون إلى الفرار من مناطق سيطرته، وبعد عودتهم فوجئوا بأن ملكية منازلهم انتقلت إلى آخرين، ويروي جهاد المرعي، أحد مهجّري مدينة حلب، ما جرى معه في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، لافتاً إلى أن جاره في حي الصالحين، حيث كان يقطن، تمكّن بمساندة ميليشيا الباقر التي ينتمي إليها، من نقل ملكية منزله إلى اسمه، وعندما جاء التحرير فرّ الأخير إلى لبنان، لكن المشكلة بقيت في الملكية، وما زال غير قادر على استرداد منزله.
وعن طريقة نقل ملكية المنزل، أكد المرعي أن جاره تمكن، ومن خلال نفوذه، وبالتعاون مع العديد من الموظفين الفاسدين في السجل العقاري خلال فترة حكم النظام المخلوع، من نقل ملكية المنزل بعد استصدار حكم قضائي من المحكمة، لينتقل المنزل الذي أفنى نفسه وعمره في بنائه بكل بساطة إلى يد أحد المجرمين.
وفي طريقة أخرى من طرق الاستيلاء على العقار كان الاحتيال، إذ دفعت قرارات الحجز التي أصدرها النظام على أملاك معارضيه كثيرين إلى نقل أملاكهم إلى أسماء أفراد آخرين من عائلاتهم وأقاربهم ومعارفهم، ليتفاجؤوا بغدر من كانوا أهلاً للثقة في نظرهم.
يروي محمود علايا قصة سلب زوجته لمنزله، بل وخلعه، بعد أن اضطر للسفر إلى تركيا بسبب ملاحقته أمنياً، وتفادياً لقرار الحجز قرر نقل ملكية المنزل إلى اسم زوجته، التي استغلت غيابه ورفعت دعوى خلع بحقه، وبعد عودته تفاجأ أن زوجته، وعن طريق سمسار، تمكنت من الاستيلاء على ملكية المنزل بعد استصدار قرار قضائي عام 2022، ليرفع بدوره دعوى إسقاط للحكم، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.
ويرى المستشار القانوني محمد عجنجي، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن جذر المشكلة يتمثل باستمرار اعتماد قوانين النظام المخلوع بهذا الصدد، مشيراً إلى أن سقوطه لم يُنهِ العمل بها حتى اللحظة.
ولفت المستشار إلى أن القوانين الجائرة لم تقتصر فقط على موضوع غصب الملكية، بل امتدت إلى قوانين أخرى مثل قانون الإيجارات والاستملاك، داعياً الحكومة إلى استصدار تشريعات جديدة تصون حقوق المواطنين وتعيد ممتلكاتهم أياً كان شكل الغصب.
القانون رقم 10 وإباحة الاستباحة
يعتبر قانونيون أن استباحة أملاك المدنيين تمت بمباركة من النظام المخلوع، الذي أصدر القانون رقم 10 عام 2018، والذي أتاح بموجبه إنشاء مناطق تنظيمية في أي مكان على أراضي الجمهورية العربية السورية يراه مناسباً.
وبالعودة إلى عجنجي، فيرى أن القانون، ورغم عدم نصه على تصريح واضح باستباحة أملاك المهجّرين، إلا أنه كان في الحقيقة كذلك، فتقييد مدة إثبات ملكية العقارات بثلاثين يوماً كان فترة قصيرة جداً، ولكون معظم المهجّرين كانوا مطلوبين لأجهزة الأمن، ولا يجرؤ أقاربهم أو وكلاؤهم على القيام بمهمة إثبات الملكية، فإن ذلك يؤدي تلقائياً إلى الاستيلاء على أملاكهم ولكن بصورة قانونية، كما عمد من خلال قانونه حينها إلى تحويل الوحدات التنظيمية إلى جهات وصاية، والتي أدت قراراتها إلى تغيير في الملكية.
وأما عن مشكلة الإيجارات القديمة، فتعد هي الأخرى وسيلة لسلب الملكية العقارية تحت غطاء قوانين النظام المخلوع، إذ ما يزال الكثير من المواطنين عاجزين عن استرجاع أملاكهم، سواء كانت منازل أو محلات تجارية، من المستأجرين الذين ما زالوا محميين بموجب قوانين صادرة خلال فترة حكم النظام.
واعتبرت المحامية ميس عاشور، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن مشكلة إخلاء المستأجرين في سوريا تعد من أعقد القضايا، خاصة مع وجود إيجارات قديمة خاضعة لما يُعرف بـ”التمديد الحكمي”، ورغم أنه في هذه الحالة يكون الإخلاء ممكناً قانونياً عند انتهاء العقد الموثق (القانون 20 لعام 2015) عبر دائرة التنفيذ، أو لعلل محددة كعدم دفع الأجرة أو إساءة استخدام العقار، إلا أن الإيجارات القديمة تشهد في غالب الأحيان جدلاً مستمراً حول الحقوق.
وأشارت إلى أن العقود المبرمة قبل عام 2006 تخضع لقوانين تمديد شبه دائمة، مما يصعّب إخلاء المستأجر إلا في حالات ضيقة أو عبر دفع تعويضات (فروغ) يدفعها صاحب العقار للمستأجر مقابل خروجه من العقار.
وعن الفرق بين بدل وتعويض الفروغ، ذكرت المحامية أن بدل الفروغ هو في الواقع عملية سلب للعقار تحقق أقصى فائدة شبه مستدامة للمستأجر وتلحق ضرراً أكبر بالمالك،
وتكون بتنازل مستأجر العقار التجاري (محل، مكتب) القديم عن حقه في الانتفاع طويل الأمد لمستأجر جديد مقابل مبلغ مالي كبير (بدل الفروغ)، مع بقاء الأجرة التي يدفعها المستأجر القديم لمالك العقار رمزية، وهذا كله يتم بموجب قوانين التمديد الحكمي التي لم ينتهِ العمل بها حتى اللحظة، حيث يُعد الفروغ في هذه الحالة “ملكية تجارية” للمستأجر.
وبين الجهود القضائية، والثبوتيات المزورة المقدّمة من قبل الغاصبين، ينتظر أصحاب الحقوق البت في دعاواهم ودفوعهم من أجل استرداد حقوقهم، والتي بدورها تحقق جانباً كبيراً من استقرارهم.
الثورة السورية – لمى الحلو








