محليات

الطرقات المتهالكة في حلب.. تهديد متصاعد للسلامة المرورية

لم تترك سنوات الحرب والإهمال التي مرّت بها مدينة حلب أثرها على المباني السكنية والمنشآت الخدمية فقط، إنّما امتدّت لتطول أدق تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمتها شبكة الطرقات داخل المدينة،

فقلّما يجد السائق شارعاً سالماً بالكامل، إذ تنتشر الحفر والتشققات وبقايا القذائف والشظايا في معظم الطرق الرئيسية والفرعية، ما يجعل التنقل اليومي تحدياً حقيقياً للسكان.

ومع ازدياد الكثافة المرورية نتيجة دخول أعداد كبيرة من السيارات التي لا تتناسب مع سعة الشوارع الضيقة، تفاقمت المشكلة بشكل واضح، إذ باتت الحفر المنتشرة على الطرقات أحد أبرز العوامل التي تهدد السلامة المرورية، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية وغياب الصيانة الدورية.

وتزداد خطورة هذه الحفر خلال فصل الشتاء، حيث تمتلئ بمياه الأمطار، ما يجعل من الصعب على السائقين تمييزها، خصوصاً في الشوارع التي تعاني من ضعف أو انعدام الإنارة، ويرفع هذا الواقع من احتمالية وقوع الحوادث، سواء نتيجة الاصطدام المباشر بالحفر أو بسبب محاولات تفاديها بشكل مفاجئ.

وأمام هذا المشهد، تبدو أعمال صيانة الطرقات، بما في ذلك إعادة التزفيت وردم الحفر، ضرورة لا تحتمل التأجيل، كونها ترتبط بشكل مباشر بسلامة المواطنين وممتلكاتهم، فضلاً عن دورها في الحدّ من الخسائر البشرية والمادية التي تسجّل بشكل شبه يومي.

مبادرات فردية تعكس روح المسؤولية

في ظلّ بطء الاستجابة الرسمية أحياناً، ظهرت مبادرات فردية تعكس حسّ المسؤولية المجتمعية لدى السوريين، حيث اختار بعض المواطنين الانتقال من موقع المتفرّج إلى الفاعل في محاولة لتحسين الواقع ولو بجهود بسيطة.

ومن بين هذه المبادرات، تجربة المواطن محمد شعبوق، الذي عانى مراراً من أضرار الحفر في الطرقات، ما دفعه بعد تقديم عدة شكاوى دون استجابة كافية إلى إطلاق مبادرة شخصية بعنوان “مبادرة الـ100 يوم”.

وتهدف هذه المبادرة إلى ردم حفرة واحدة يومياً باستخدام أدوات بسيطة وعلى نفقته الخاصة، في خطوة تؤكّد أهمية العمل التطوعي والمساهمة الفردية في خدمة المجتمع.

وفي السياق ذاته، يؤكّد طارق لحموني، أحد سكان حيّ الأعظمية، على أهمية الدور المحلي في معالجة المشكلة، مشيراً إلى ضرورة قيام المخاتير ومسؤولي الكتل بإحصاء الحفر وتوثيقها، والتنسيق مع الجهات المختصة لتسريع عمليات الصيانة.

ويضيف أنّ سكان الحي اعتادوا على مواقع الحفر الكبيرة، ما يساعدهم نسبياً على تجنبها، إلا أنّ الخطر يبقى قائماً، خاصة بالنسبة للغرباء أو السائقين الجدد الذين لا يملكون معرفة مسبقة بطبيعة الطريق.

خسائر مادية وحوادث متكرّرة

ولا تقتصر آثار الحفر على الإزعاج أو صعوبة القيادة، إنّما تشمل أضراراً مادية كبيرة وحوادث مرورية قد تكون قاتلة في بعض الأحيان.

في هذا الإطار، يوضّح عبد الفتاح باكير، وهو صاحب ورشة صيانة سيارات، أنّ الورشة تستقبل يومياً عدداً كبيراً من المركبات التي تعرّضت لأعطال نتيجة سوء حالة الطرقات، وتشمل هذه الأعطال اختلال توازن العجلات، وتضرّر نظام التعليق، وتمزّق الإطارات، وهي من أكثر المشكلات شيوعاً، خاصة خلال موسم الأمطار.

ويشير باكير إلى أنّ تكاليف الإصلاح مرتفعة، إذ تتراوح كلفة تبديل الإطار الواحد بين 500 ألف ومليون ليرة سورية، وهو مبلغ كبير بالنسبة للعديد من المواطنين، لا سيّما في ظلّ تكرار هذه الأعطال أكثر من مرة خلال الشهر الواحد.

أما على صعيد الحوادث، فيؤكّد أنّ العديد منها يحدث نتيجة محاولة السائق تفادي الحفرة بشكل مفاجئ، ما يدفعه للانحراف دون تنبيه مسبق، الأمر الذي يؤدي إلى تصادم مع مركبات أخرى أو تعريض المشاة للخطر، وفي حين لا تسفر هذه الحوادث دائماً عن خسائر بشرية، فإنّ الأضرار المادية تكون شبه مؤكّدة.

وعود رسمية وخطط للصيانة

من جانبها، أكّدت الجهات المعنية في مجلس مدينة حلب أنّ أعمال صيانة الطرقات ستنطلق في مختلف أحياء المدينة خلال الفترة القريبة، مع التركيز على المناطق الأكثر تضرراً.

وأوضح المجلس في تصريح لصحيفة “الثورة السورية” أنّ الخطّة تشمل تنفيذ مشاريع متكاملة لإعادة تأهيل الطرق، تتضمن استبدال القميص الزفتي بالكامل، إلى جانب تحسين الأرصفة والبنى التحتية المرتبطة بها، كما أشار إلى وجود اتفاقيات وعقود مخصّصة لتنفيذ أعمال الصيانة في عموم المدينة، دون استثناء.

وفي إطار تعزيز التواصل مع المواطنين، بيّن المجلس أنّه تمّ إطلاق منصّة لتلقي الشكاوى ضمن المديريات الخدمية، تتيح للسكان الإبلاغ عن المشكلات الخدمية، بما فيها أوضاع الطرق، بهدف تسريع الاستجابة وتحقيق نوع من الشراكة بين المجتمع المحلي والجهات المعنية.

ورغم هذه الوعود، يبقى الواقع الحالي للطرقات في حلب تحدّياً يومياً للسائقين والمشاة على حدّ سواء، ما يستدعي تسريع وتيرة العمل على الأرض، وتعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والمجتمع المحلي.

فالحفر في الطرقات تحوّلت من مشكلة خدمية عابرة، إلى قضية تمسّ السلامة العامة بشكل مباشر، ما يجعل معالجتها أولوية لا تحتمل التأجيل، في مدينة تسعى تدريجياً لاستعادة عافيتها بعد سنوات طويلة من الأزمات.

الثورة السورية – راما نسريني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى