
تختلط رائحة الصوف بالمكان، في زوايا الأسواق القديمة، فصناعة “الفروات” الشتوية لا تزال تحجز لنفسها مكانة في السوق السوري، كإحدى أقدم الحرف التي ارتبطت بسوق الصوف في دمشق، التي عُرفت طويلاً بإتقان هذه المهنة وتوارث أسرارها.
ورغم التحولات الكبيرة التي طالت مختلف القطاعات، بقي “الفرواتي” اسماً حاضراً، يحكي حكاية مهنة صمدت في وجه الزمن، وواكبت تغيراته،
الفروات المصنوعة من صوف الأغنام تعد من الملابس التقليدية، التي تحولت إلى ضرورة في ظل برد قاسٍ وواقع معيشي صعب، خاصة مع تراجع وسائل التدفئة خلال السنوات الأخيرة.
في حديثه لـ”الثورة السورية” يوضح محمد منذر صاحب ورشة لصناعة “الفروات” في باب الجابية بدمشق، أن هذه الحرفة مهنة وإرث يُصنع بالصبر، مشيراً إلى أن الإقبال على الفروات لا يزال قائماً، سواء للرجال أو النساء أو الأطفال، مع تنوعها بين الطبيعي مرتفع الثمن، والصناعي الأقل تكلفة،
ويشرح مراحل التصنيع قائلاً: “يبدأ العمل من المسالخ، حيث تُؤمن الجلود، لتخضع بعدها لعمليات دقيقة تشمل الغسل والتجفيف، ثم المعالجة بالملح والشبة، قبل إدخالها في مرحلة التخمير،
وبعد ذلك تُفصل الجلود وتُخاط بعناية، قطعةً قطعة، حتى تأخذ شكلها النهائي كفروة جاهزة، ورغم ما تتطلبه هذه العملية من جهد ووقت، يؤكد منذر أن من يدخل هذه المهنة لا يتركها بسهولة، لافتاً إلى حرصه على نقلها إلى أبنائه، حفاظاً على استمراريتها.
ولكن الحرب ألقت بثقلها على هذه الصناعة، كما غيرها، حيث تراجع الإنتاج نتيجة ارتفاع التكاليف، وصعوبات النقل والتسويق، إضافة إلى هجرة العديد من الحرفيين، ورغم ذلك، لا تزال الفروات تجد طريقها إلى الأسواق، كما تُصدر بكميات محدودة إلى دول الخليج، حيث تحظى بإقبال لافت.
ويشير المنذر إلى أن الفرو الطبيعي، وخاصة الناعم منه، يبقى الأكثر طلباً، لما يتمتع به من قدرة عالية على العزل الحراري، ومتانة تزداد مع مرور الوقت، ما يجعله مناسباً لظروف الطقس القاسية،
خاصة في مناطق البادية، وبالمقابل يظل الفرو الصناعي خياراً أقل تكلفة، لكنه لا يضاهي الطبيعي من حيث الجودة أو العمر الافتراضي.
ورغم التراجع الذي شهدته هذه الحرفة خلال العقود الماضية، لا تزال مهنة “الفرواتي” التي تحتفظ بحضورها، خصوصاً في الأرياف والبادية، جزءاً من ذاكرة المكان، ومصدراً للرزق، وشاهداً على قدرة السوريين على التمسك بتراثهم، حتى في أقسى الظروف.
الثورة السورية- دينا أيوب















