
في وقت تتصاعد فيه شكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار اللحوم وصعوبة تأمينها، كشفت الجولات التموينية الأخيرة على المذابح وأسواق مدينة حلب عن مخالفات صحية جسيمة،
تمثلت في ضبط كميات كبيرة من اللحوم غير الصالحة للاستهلاك البشري في مناطق متفرقة من المدينة، ما أعاد ملف سلامة الغذاء إلى الواجهة بقلق متجدد.
وتعيد هذه الوقائع تسلط الضوء على ظاهرة متكررة تفاقمت في ظل ضعف الرقابة الفعالة وغياب المحاسبة الرادعة، إلى جانب غياب منظومة صحية مستدامة قادرة على المتابعة المستمرة والحد من انتشار الفساد الغذائي.
وجاءت أصداء هذه الحملات واسعة بين الأهالي، الذين عبّروا عن قلقهم المتزايد بعد توالي تنظيم الضبوط التموينية ومصادرة كميات كبيرة من المواد الغذائية منتهية الصلاحية، بحسب ما أعلنت مديرية الشؤون الصحية في مجلس مدينة حلب ومديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك.
وفي هذا السياق، أوضحت المواطنة حسناء بصبوص أن الفترة الماضية شهدت انتشار عروض مغرية لوجبات الشاورما و”الكريسبي” واللحوم المشوية، والتي لاقت إقبالاً كبيراً في ظل ارتفاع أسعار لحم الغنم الذي وصل إلى نحو 200 ألف ليرة سورية للكيلوغرام، إضافة إلى الفروج الذي تجاوز 100 ألف ليرة في بعض الأحيان.
وأضافت أنها تخشى على أطفالها وكبار السن بشكل خاص من مخاطر انتشار الأغذية الفاسدة، مؤكدة أن ما تم كشفه خلال الحملات التموينية يثير تساؤلات مقلقة حول حجم المواد غير الصالحة التي قد تكون ما تزال تصل إلى موائد المواطنين، ومدى استمرارية هذه الحملات الرقابية.
من جهته، أشار طه النشاوي إلى أن المشكلة لا تقتصر على تجاوزات أصحاب المسالخ والعاملين فيها فقط، إنما كامل سلسلة الإمداد، بدءاً من المداجن التي تقوم ببيع الطيور النافقة، مروراً بعمليات النقل ونقاط التفتيش، وصولاً إلى المسالخ ومن ثم المطاعم والمحلات.
وأوضح أن هذه السلسلة تكشف خللاً بنيوياً قائماً على ممارسات فساد متعددة، ما يستدعي تدخلاً شاملاً من الجهات المعنية، وتشديداً للرقابة الصحية على مختلف المراحل، إلى جانب فرض عقوبات رادعة للحد من التلاعب بقوت المواطنين وسلامة الغذاء.
أرقام رسمية تكشف حجم المخالفات
وفي متابعة لصحيفة “الثورة السورية” مع مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حلب، أوضح مدير المكتب الإعلامي بلال الأخرس أن عدد الضبوط المنظمة منذ بداية عام 2026 وحتى تاريخه بلغ 4725 ضبطاً، منها 545 ضبطاً عينياً، و21 ضبطاً يتعلق بحيازة لحوم فاسدة غير صالحة للاستهلاك البشري.
كما تم تنفيذ 71 قرار إغلاق بحق منشآت مخالفة، بينها 21 حالة إغلاق مرتبطة مباشرة بحيازة وتداول اللحوم الفاسدة، وهو ما يعكس خطورة الانتهاكات المسجلة في قطاع الغذاء.
وعن أسباب تكرار المخالفات، أشار الأخرس إلى أن العامل الأساسي يعود إلى بعض المخالفين الذين وصفهم بـ “ضعاف النفوس”، إضافة إلى أن الغرامات المفروضة لا تزال متواضعة وغير كافية لردع هذه التجاوزات بشكل فعلي.
وفيما يتعلق بآلية العمل، أوضح أن دوريات الرقابة التموينية تنفذ بشكل يومي على الأفران والفعاليات التجارية في المدينة وريفها، إلى جانب متابعة الشكاوى الواردة عبر القنوات الإلكترونية والهاتفية والخطية، فضلاً عن دوريات سلامة الغذاء التي تستهدف المصانع والمنتجين بشكل مباشر.
ولم يخف الأخرس وجود حاجة لرفد الكوادر التموينية بعدد أكبر من المراقبين، مع استمرار العمل على تطوير المنظومة الرقابية من خلال إدخال نظام QR لتغطية الفعاليات، والتحول نحو التوثيق الإلكتروني، إضافة إلى استخدام الكاميرات المحمولة في العمل الميداني.
جهود رقابية وتحديات قائمة
بدوره، أكد رئيس دائرة الشؤون الصحية في مجلس مدينة حلب الدكتور عزت الجندي أن الجهود مستمرة لضمان سلامة الغذاء، من خلال تكثيف الحملات الرقابية على المطاعم والأفران ومحلات بيع اللحوم والمواد الغذائية في مختلف أحياء المدينة.
وأوضح أن هذه الحملات تركز على الكشف عن المواد منتهية الصلاحية وضبط المخالفات الصحية، بما يضمن تقديم منتجات آمنة للمستهلكين، مشيراً إلى أن العمل الرقابي يجري وفق ثلاثة محاور رئيسية تشمل الرقابة على المنشآت الغذائية، وأعمال رش المبيدات، إضافة إلى المهام الخدمية لمجلس المدينة.
وبيّن أنه تم تنظيم عشرين ضبطاً صحياً في عدة مناطق، منها باب جنين، صلاح الدين، الفردوس، الراموسة (مذابح الفروج)، والسكري، إضافة إلى المنطقة الواقعة بين السكري والأنصاري، حيث تمت مصادرة كميات كبيرة من المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك.
وشملت المواد المصادرة لحوم الفروج، وشحم البقر، و64 كيلوغراماً من لحم الغنم، و337 كيلوغراماً من بيض الغنم، ثبت جميعها عدم صلاحيتها للاستهلاك البشري.
كما تم ضبط مواد غذائية منتهية الصلاحية في منطقتي السكري والأنصاري، تضمنت رقائق البطاطس (شيبس)، عصائر، أندومي، كيك، بسكويت، وقهوة.
وأشار الجندي إلى أن المراقبين الصحيين يعملون ضمن فئتين؛ الأولى ميدانية مختصة بالشكاوى والمصادرات واللحوم، وتتميز بكثافة نشاطها، والثانية مناطقية، حيث يتولى كل مراقب الإشراف على أربع إلى خمس مناطق من خلال جولات دورية.
وأكدت دائرة الشؤون الصحية استمرار هذه الحملات، مع التشديد على ضرورة التزام أصحاب المنشآت الغذائية بالاشتراطات الصحية، حفاظًا على صحة المواطنين.
نقص الكوادر ثغرة رئيسية
ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات كبيرة، إذ لا يتجاوز عدد المراقبين الصحيين في مديرية الشؤون الصحية 14 مراقباً فقط لتغطية مدينة حلب بالكامل، إلى جانب أربع مراقبات مكلفات بمتابعة صالونات الحلاقة النسائية.
كما كشف التواصل مع مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن نقص واضح في الكوادر الرقابية أيضاً، وهو ما يشكل أحد أبرز أسباب ضعف التغطية الشاملة لمنظومة سلامة الغذاء.
ويؤكد هذا الواقع ضرورة دعم الجهاز الرقابي بكوادر مؤهلة مهنياً، تتمتع بالكفاءة والنزاهة، وقادرة على مواجهة الضغوط ومغريات التغاضي عن المخالفات، إلى جانب تعزيز التنسيق بين مختلف الجهات المعنية لضبط جميع حلقات سلسلة الغذاء.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الجهات المعنية أمام اختبار حقيقي في إدارة ملف سلامة الغذاء، بين جهود ميدانية متزايدة لضبط المخالفات، وتحديات بنيوية تتطلب حلولاً أكثر عمقاً،
فالمعالجة الآنية، رغم أهميتها، لا تكفي ما لم تترافق مع بناء منظومة رقابية مستدامة، قادرة على إغلاق منافذ الفساد الغذائي من جذوره، واستعادة ثقة المواطنين بسلامة ما يصل إلى موائدهم.
الثورة السورية – لينا إسماعيل















