محليات

انقطاع الإنترنت في حلب.. بنية متهالكة وتعديات تفاقم المشكلة!

تحوّل انقطاع الإنترنت في مدينة حلب خلال الفترة الأخيرة من مشكلة مؤقتة إلى أزمة يومية تثقل كاهل السكان، وتعطّل تفاصيل حياتهم المرتبطة بشكل مباشر بالشبكة، في ظل اعتماد متزايد على الإنترنت في العمل والتعليم وحتى التواصل الاجتماعي.

ومع تكرار هذه الانقطاعات، يجد السكان أنفسهم أمام واقع، تتداخل فيه الأسباب التقنية مع ضعف البنية التحتية، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بأعمال التخريب وقطع الكوابل، ما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً وأصعب حلاً في المدى القريب.

ولا يتوقف تأثير انقطاع الإنترنت على الاستخدامات الشخصية، إذ يشمل خدمات أساسية يعتمد عليها المواطنون بشكل يومي، خاصة تلك المرتبطة بالمؤسسات الحكومية.

ففي مراكز البريد، تتوقف العديد من الخدمات، من بينها دفع فواتير الكهرباء والمياه والهاتف، ما يؤدي إلى ازدحام كبير وزيادة أعداد المنتظرين، دون القدرة على إنجاز معاملاتهم.

وفي هذا السياق، قال عدنان خلف لـ “الثورة السورية” إنه موظف اضطر لطلب إذن لساعة، لدفع الفواتير و”لكن مع توقف السيستم عن العمل ذهبت ساعات الانتظار هباءاً بدون فائدة”.

تأثر في عصر يعتمد على الإنترنت

في ظل لجوء العديد من الطلاب إلى التعليم الإلكتروني باعتباره خياراً جيداً لغير القادرين على الحضور فيزيائياً، أصبحت جودة الإنترنت عاملاً رئيسياً في قدرتهم على متابعة الدراسة، ومع الانقطاعات المتكررة، يواجه العديد منهم صعوبات حقيقية في حضور المحاضرات أو تسليم الواجبات في مواعيدها.

ويقول وليد الحصري، وهو طالب يتابع دراسته عن بعد في إحدى الجامعات الافتراضية، إن الأعطال المستمرة دفعته للبحث عن حلول بديلة، رغم التحديات المرتبطة بها.

وأشار إلى أنه اضطر لتركيب إنترنت فضائي في المنزل، في محاولة لتأمين اتصال أكثر استقراراً، على الرغم من الأجور المرتفعة مقارنة بخدمة الـ ADSL، مؤكداً أن هذا الخيار بات ضرورياً لمتابعة دراسته دون انقطاع.

كما أن المشكلة تطال إلى جانب الطلاب، الموظفين والعاملين الذين يعتمدون على الإنترنت في إنجاز مهامهم، سواء في القطاع الخاص أو في الأعمال الحرة، حيث يؤدي ضعف الشبكة أو انقطاعها إلى تعطيل العمل وخسارة الوقت، وربما خسارة فرص مهنية.

وإلى جانب التأثيرات الخدمية والتعليمية، يترك انقطاع الإنترنت أثراً اجتماعياً، خاصة لدى الفئات التي تعتمد عليه كوسيلة أساسية للتواصل مع العالم الخارجي.

وفي هذا الإطار، أوضح خليل مدراتي، وهو متقاعد وأب لثلاثة أبناء، أن الإنترنت يمثل وسيلته الوحيدة للتواصل مع أولاده المغتربين، مضيفاً أن انقطاعه يشعره بالعزلة والانفصال عن العالم.

ويشمل الشعور بالعزلة شريحة واسعة من السكان، في ظل الاعتماد المتزايد على التطبيقات الرقمية في التواصل، ومتابعة الأخبار، وحتى في الحفاظ على الروابط الاجتماعية.

حلول بديلة وتكلفة مرتفعة

أمام هذا الواقع، يحاول بعض السكان البحث عن بدائل تتيح لهم تجاوز مشكلة الانقطاع، مثل الاعتماد على الإنترنت الفضائي أو استخدام باقات الإنترنت عبر الهاتف المحمول.

إلا أن هذه الحلول لا تخلو من التحديات، سواء من حيث التكلفة أو الاستقرار، ما يجعلها غير متاحة لجميع الفئات، ويخلق فجوة واضحة بين من يستطيع تأمين اتصال مستقر ومن يضطر للاعتماد على الشبكة الأرضية رغم مشاكلها.

كما أن هذه البدائل لا تقدم دائماً حلاً كاملاً، إذ قد تتأثر هي الأخرى بعوامل مختلفة، أو لا تكون مناسبة لجميع الاستخدامات، خاصة تلك التي تتطلب اتصالاً ثابتاً ومستقراً لفترات طويلة.

وفي تصريح سابق، أوضح وزير الاتصالات عبد السلام هيكل أن الوزارة تواجه العديد من التحديات، أبرزها إعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية المتهالكة خلال فترة زمنية قصيرة، مشيراً إلى أن أعمال تطوير الشبكات عادةً ما تستغرق سنوات طويلة.

وأضاف أن العمل جارٍ على تقليص هذه المدة إلى نحو عامين أو ثلاثة أعوام عبر تسريع المشاريع الاستثمارية، والتي كان أبرزها توقيع مشروع استثماري مع STC، لتحسين جودة الاتصالات وخاصة الإنترنت.

وأكد أن الوزارة تعمل أيضاً على مشروع إيصال خدمة الإنترنت عبر الألياف الضوئية (الفايبر) إلى المنازل والمكاتب بشكل تدريجي، في خطوة تهدف إلى تحسين جودة الخدمة واستقرارها على المدى الطويل.

كوابل مقطوعة ومسارات محدودة

من الناحية التقنية، تعود مشكلة انقطاع الإنترنت في حلب إلى عدة عوامل منها القطوعات في الكوابل الضوئية التي تغذي المدينة، وهي كوابل رئيسية تنقل البيانات عبر مسارات محددة.

وبحسب ما أوضح مسؤول المتابعة في مديرية الاتصالات في حلب، هشام درويش، فإن المدينة تعتمد على مسارين أساسيين للتغذية، أحدهما عبر سراقب والآخر عبر خناصر، ما يجعل أي خلل في هذه المسارات يؤثر بشكل مباشر على الخدمة.

وأشار إلى أن هذه القطوعات قد تحدث نتيجة أعمال مدنية في بعض الأحيان، لكنها في الغالب تكون ناتجة عن أعمال تخريبية أو سرقة، وهو ما يزيد من صعوبة الحفاظ على استقرار الشبكة.

كما أن عمليات الإصلاح المتكررة، التي تتم عبر وصلات لمعالجة القطوع، تؤدي مع مرور الوقت إلى إضعاف الكوابل، ما ينعكس سلباً على جودة الإنترنت حتى في حال عودة الخدمة.

وشدد درويش على أن المديرية تعمل بكل الإمكانات للحد من الأعطال وضمان استمرار خدمة الإنترنت بشكل أفضل.

أزمة متراكمة

تأتي هذه المشكلة في سياق أوسع من التحديات التي يواجهها قطاع الاتصالات، في ظل تراجع البنية التحتية خلال السنوات الماضية، وغياب عمليات التطوير -في عهد النظام المخلوع- لمواكبة الطلب المتزايد على خدمات الإنترنت.

ويجعل هذا الواقع المتراكم من أي محاولة لتحسين الخدمة عملية معقدة، تتطلب استثمارات كبيرة وخططاً طويلة الأمد، خاصة في ظل الحاجة إلى إعادة تأهيل أجزاء واسعة من الشبكة.

وفي ضوء ما سبق، يبدو أن قضية انقطاع الإنترنت في حلب تتجاوز كونها مشكلة تقنية عابرة، لتصبح تحدياً يومياً يؤثر على مختلف جوانب الحياة، من الخدمات الأساسية إلى التعليم والتواصل الاجتماعي.

ومع خطط التطوير التي تعلن عنها وزارة الاتصالات، يتطلب تحسين هذا القطاع معالجةً فعلية للأسباب الجذرية للمشكلة، بما يضمن توفير خدمة مستقرة تلبي احتياجات السكان وتواكب متطلبات الحياة الحديثة.

الثورة السورية – راما نسريني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى