
تتراكم النفايات في عدد من شوارع وأراضي مدينة حلب، حتى باتت جزءاً من المشهد اليومي للسكان، فيما تختلط داخل أكوامها مواد قابلة للفرز وإعادة الاستخدام، كالبلاستيك والورق والكرتون والمعادن،
ومع استمرار التعامل معها عبر الجمع والترحيل والحرق في بعض المواقع، تبقى كميات كبيرة من هذه المواد خارج دورة الاستفادة، رغم إمكانية إعادة تدويرها وتحويلها إلى مواد أولية ومنتجات جديدة.
فهل يمكن أن تتحول نفايات حلب من عبء يومي إلى مورد اقتصادي؟
من الجمع إلى المطمر.. 2500 طن يومياً
تبدأ إدارة النفايات بتوفير أماكن مناسبة للتخلص منها، وهي خطوة ما تزال تواجه نقصاً في كثير من شوارع حلب، مع عدم كفاية الحاويات واضطرار السكان إلى وضع النفايات في نقاط عشوائية أو على أطراف الطرقات والأراضي،
وفي ظل هذا الواقع، يبدو الانتقال إلى تخصيص حاويات منفصلة للبلاستيك والورق والمعادن خطوة تحتاج أولاً إلى استكمال البنية الأساسية، بدءاً من توفير الحاويات العادية وتوزيعها بما يتناسب مع احتياجات الأحياء.
وينعكس نقص الحاويات مباشرة على طريقة تعامل السكان مع النفايات، ويزيد انتشارها في الأماكن العامة، كما يصعّب مهمة عمال النظافة في جمعها. ويتطلب تحسين الواقع توفير عدد كافٍ من الحاويات، وتحديد نقاط واضحة للجمع، وتنظيم مواعيد الترحيل، ومتابعة المواقع التي تتكرر فيها التراكمات،
وبعد استكمال هذه الاحتياجات، يمكن إدخال الفرز وإعادة التدوير تدريجياً ضمن منظومة أكثر تنظيماً، بالتعاون مع المعامل والورشات والمبادرات القادرة على الاستفادة من المواد المجموعة.
ويعمل مجلس مدينة حلب على تنظيم عمليات الجمع والترحيل وتوزيع الآليات والكوادر وفق احتياجات كل منطقة، إلى جانب البحث في حلول لمعالجة النفايات والاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام.
وفي حديثه لـ«الثورة السورية»، قدّر مجلس مدينة حلب كمية النفايات التي تنتجها المدينة بنحو 2500 طن يومياً، موضحاً أن توزيع عمال وآليات النظافة يجري وفق خطط ميدانية تراعي الكثافة السكانية وحجم النفايات في كل منطقة.
وتتمثل أبرز التحديات، وفق المجلس، في تزايد كميات النفايات والحاجة إلى تعزيز أعداد الآليات والحاويات والكوادر، إضافة إلى حالات الرمي العشوائي، فيما يستمر العمل على معالجة نقاط التراكم وتحسين مستوى الخدمة في مختلف الأحياء.
وبعد جمع النفايات من الأحياء، تُنقل إلى مواقع التجميع، ومنها إلى المطمر المخصص في تل الضمان جنوب حلب، ضمن آلية تهدف إلى استمرار عمليات الجمع والترحيل والحد من التراكمات.
وبالتوازي مع ذلك، يعمل المجلس على تطوير البنية التحتية لإدارة النفايات، بما يشمل مشاريع لمعالجة الأنقاض وإعادة تدويرها والاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام.
ويتجه المجلس، وفق ما أوضحه للصحيفة، نحو تطوير منظومة متكاملة لإدارة النفايات، يشكل الفرز من المصدر وإعادة التدوير والاستفادة الاقتصادية من المواد القابلة للتدوير أحد محاورها الأساسية. ويتطلب تطبيقها توفير الحاويات والمراكز وخطوط المعالجة، إلى جانب برامج توعية وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص والجهات المعنية.
ويرى المجلس أن تحسين إدارة النفايات يحتاج إلى رفع كفاءة الجمع والترحيل، وزيادة أعداد الآليات والحاويات، ومعالجة نقاط التراكم، بالتوازي مع تطوير حلول للفرز وإعادة التدوير، أما الوصول إلى منظومة متكاملة فيتطلب تعزيز الإمكانات والبنية التحتية، والحد من الرمي العشوائي، ورفع مستوى المشاركة المجتمعية.
آثار النفايات على المدينة
تنعكس أزمة النفايات على جوانب متعددة من حياة المدينة، إذ يغيّر انتشار الأكوام في الشوارع والأراضي المشهد العام، ويشوّه واجهات الأحياء والطرقات والمناطق التي يقصدها السياح، خاصة مع الروائح الكريهة والحرق العشوائي في بعض المواقع. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تصبح أماكن التراكم بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والقوارض، وسط مخاوف صحية مما قد يرافق انتشارها من أمراض.
ويمتد الأثر إلى القطاع السياحي، فحلب تضم أحياء وأسواقاً ومعالم يقصدها الزوار، ويؤثر مستوى النظافة في الصورة التي تقدمها المدينة وفي تجربة التجول فيها. كما تتراجع جودة الحياة اليومية للسكان مع انتشار الروائح والحشرات، إلى جانب احتمالات تلوث التربة والمياه في مواقع تجمع النفايات أو حرقها، وتزداد المخاطر عند اختلاط أنواع مختلفة من المخلفات في مكان واحد، خاصة إذا تضمنت مخلفات طبية أو مواد قابلة للاشتعال.
ومع بقاء النفايات في الشوارع لفترات أطول، تتسع تداعياتها لتتجاوز مستوى النظافة العامة إلى الصحة والبيئة والمظهر الحضري وحركة المدينة، ما يجعل انتظام عمليات الجمع والمعالجة عاملاً مؤثراً في أكثر من قطاع.
وفي الجانب الصحي، يوضح الدكتور سامي بوادقجي، في حديثه لـ«الثورة السورية»، أن تراكم النفايات، وخاصة العضوية منها، يوفر بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات والقوارض، ما يزيد مخاطر انتشار عدد من الأمراض، ويمكن للذباب، بحسب بوادقجي، نقل أمراض معوية مثل الكوليرا والتيفوئيد والزحار، فيما يرتبط انتشار ذبابة الرمل بمرض الليشمانيا الجلدية، المعروف محلياً بـ«حبة حلب»، وهو من الأمراض المنتشرة في المدينة.
ويحذر بوادقجي من أن تراكم النفايات قد يؤدي إلى زيادة أعداد الفئران والجرذان، التي يمكن أن تنقل الأمراض إلى الإنسان عبر تلوث الطعام والمياه أو من خلال العض، كما قد تسبب الروائح والغازات الناتجة عن تحلل النفايات الصداع والغثيان وتهيج العينين والجهاز التنفسي، وتزيد نوبات الربو لدى الأطفال ومرضى الجهاز التنفسي.
ويشكل حرق النفايات، وخاصة البلاستيك، خطراً إضافياً بسبب المواد السامة الناتجة عن احتراقه، ما يجعل الفرز وإعادة التدوير، وفق بوادقجي، جزءاً أساسياً من الوقاية الصحية، كما يسهم فصل النفايات العضوية ومعالجتها وتحويلها إلى سماد عضوي في تقليل مصادر الغذاء والرطوبة التي تعتمد عليها الحشرات والقوارض في التكاثر، والحد من انتشار الأمراض المرتبطة بها.
وتضم النفايات اليومية مواد متعددة يمكن فرزها وإعادتها إلى دورة الإنتاج؛ فالبلاستيك قابل للمعالجة والتحويل إلى منتجات جديدة، والورق والكرتون يمكن إعادة استخدامهما في صناعة المواد الورقية، فيما تدخل المعادن، ومنها الحديد والألمنيوم، مجدداً في التصنيع، ويمكن صهر الزجاج لإنتاج عبوات ومنتجات جديدة، أما النفايات العضوية، كفضلات الطعام والمخلفات النباتية، فيمكن استخدامها لإنتاج السماد العضوي.
غير أن الاستفادة من هذه المواد تحتاج إلى منظومة فعالة للفرز والجمع، وهي ما تزال محدودة، إذ تختلط المواد القابلة للتدوير ببقية النفايات وتتعرض للتلوث، ما يخفض قيمتها ويرفع كلفة معالجتها. ويضاف إلى ذلك نقص مراكز الفرز والمعامل المتخصصة وارتفاع تكاليف النقل والطاقة والتجهيزات.
وفي هذا الواقع، تعمل فئة تُعرف بـ«النبّاشين» يومياً على جمع المواد القابلة للبيع وفرزها من الحاويات والشوارع، ثم نقلها إلى تجار وورشات متخصصة تتولى تجهيزها قبل إعادة استخدامها أو إرسالها إلى معامل التدوير، وتشكل هذه العملية مصدر دخل للعاملين فيها، إلا أنها تجري غالباً بصورة فردية وغير منظمة، ما يحد من قدرتها على استيعاب الكميات الكبيرة الموجودة في المدينة.
ومن شأن تنظيم هذا النشاط وربطه بمنظومة رسمية لجمع النفايات وفرزها أن يزيد كميات المواد الداخلة في إعادة التدوير، ويحسن ظروف العاملين فيه، ويوفر فرص عمل جديدة، ويخفض حجم النفايات التي تصل إلى المطامر.
وفي حديثه لـ«الثورة السورية»، يستعيد الباحث الاقتصادي فراس شعبو تجربة حلب القديمة في جمع النفايات وترحيلها والاستفادة من بعض المواد القابلة لإعادة التدوير، إذ كانت تُجمع بطرق بدائية وتباع لشركات تستخدمها في تصنيع منتجات، منها الكراسي والأحذية البلاستيكية، وبحسب شعبو، كانت هذه المهنة خلال فترة النظام المخلوع محصورة بأشخاص محددين يسيطرون على تجارة النفايات والمواد القابلة للبيع، ومنها الحديد والبلاستيك.
ويدخل ضمن هذا الملف أيضاً ركام الأبنية والمخلفات الإنشائية الناتجة عن الدمار، والتي تحتوي على كميات من الحديد والإسمنت ومواد أخرى يمكن الاستفادة منها اقتصادياً عوضاً عن دفنها والتخلص منها. ويرى شعبو أن إعادة تدوير هذه المخلفات يمكن أن تخدم عملية إعادة الإعمار من خلال إنتاج مواد تستخدم في مشاريع البناء، فيما يحتاج تنفيذ هذه المشاريع إلى تمويل وخبرات فنية متخصصة.
أما المواد التي يمكن أن تحقق عائداً اقتصادياً في سوريا، فيضع شعبو في مقدمتها النفايات العضوية والبلاستيك والورق والكرتون والمعادن والزجاج والحديد، مع انخفاض كميات بعض المواد نتيجة جمعها من قبل النبّاشين. وقد تشكل النفايات العضوية الجزء الأكبر من نفايات حلب، ما يتيح الاستفادة منها في إنتاج السماد العضوي بالتعاون مع المختصين في القطاع الزراعي.
ويمثل البلاستيك، وفق شعبو، فرصة استثمارية مهمة لإمكانية إعادة تدويره وتحويله إلى منتجات جديدة عوضاً عن الاكتفاء ببيعه كخردة، فيما تحمل المعادن قيمة اقتصادية رغم ارتفاع كلفة إعادة تدويرها. ويشكل الورق والكرتون فرصة أخرى في مدينة لديها تجربة سابقة في جمع هذه المواد وإعادة استخدامها في إنتاج مواد جديدة.
وتخضع جدوى مشاريع إعادة التدوير لعدة عوامل، منها تكاليف العمالة والنقل وأسعار الكهرباء والمواد البديلة، إضافة إلى توافر مصانع قادرة على معالجة المواد وإعادة إنتاجها. ومع ذلك، يرى شعبو أن الاستثمار في القطاع يمكن أن يسهم في معالجة مشكلة مجتمعية، ويوفر مورداً مالياً للدولة، ويخفض تكاليف جمع النفايات ونقلها وطمرها.
ويفتح القطاع كذلك سلسلة واسعة من فرص العمل، تبدأ من جمع النفايات وسائقي الشاحنات وعمال النقل والمشرفين، ثم تنتقل إلى الفرز والتشغيل والصيانة وخبراء الآلات، وصولاً إلى تجارة المواد وتخزينها والعمل في المعامل المتخصصة بإنتاج الكرتون والبلاستيك والزجاج والحديد. ويمكن أن تنشأ حول هذه الصناعة وظائف في المحاسبة والتسويق والتجارة الخارجية، إلى جانب مساهمتها في تقليل استيراد بعض المواد الأولية وتخفيف تكاليف النقل والطمر.
ويضاف إلى العائد الاقتصادي أثر بيئي مباشر، إذ يقلل تدوير النفايات الحاجة إلى حرقها، ويخفف الانبعاثات الناتجة عن الحرق وتأثيراتها في الهواء والبيئة، وبهذا يجمع الاستثمار في إعادة التدوير، وفق شعبو، بين الجدوى الاقتصادية وتقليل الأضرار البيئية.
من أطنان مجهولة القيمة إلى سوق منظّمة
تكشف أرقام النفايات اليومية في حلب أن الخطوة التالية تحتاج، قبل التوسع في إنشاء معامل المعالجة، إلى معرفة دقيقة بمكونات الكميات التي تنتجها المدينة، فرقم 2500 طن يومياً يوضح حجم العبء، لكنه لا يكشف وحده حجم الفرصة الاقتصادية من دون معرفة وزن كل مكوّن ونسبته وقابليته للاسترداد،
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مسح دوري لتركيب النفايات في أحياء مختلفة، يحدد نسب المواد العضوية والبلاستيك والمعادن والورق والزجاج وغيرها، ويمكن لهذه البيانات أن تنقل ملف النفايات من التقديرات العامة لإمكانات التدوير إلى حسابات تحدد المواد المجدية للاستثمار، وما يحتاج منها إلى معالجة، والكميات التي ستواصل طريقها إلى المطمر.
وتتيح هذه المعرفة إعادة النظر في طريقة التخطيط للخدمة داخل المدينة، إذ تختلف كميات النفايات وتركيبتها من منطقة إلى أخرى، فالأحياء السكنية والأسواق والمطاعم والمنشآت التجارية والصناعية تنتج أنواعاً وكميات متفاوتة، ما يسمح بتصميم عمليات الجمع والفرز وفق طبيعة كل منطقة عوضاً عن تطبيق نموذج واحد على المدينة كاملة،
ويمكن البدء بمناطق محددة لاختبار آليات الفرز والجمع المنفصل وقياس الكميات والتكاليف والنتائج، قبل توسيع نطاق التجربة، وبهذه الطريقة، يصبح الانتقال إلى التدوير مساراً تدريجياً يستند إلى نتائج ميدانية قابلة للقياس والتقييم والتطوير.
ويطرح تحويل النفايات إلى مورد سؤالاً آخر حول مصير المواد بعد فرزها، إذ لا يحقق جمع البلاستيك أو الورق أو الزجاج قيمة اقتصادية تلقائياً من دون وجود مصانع وورشات تشتريها بصورة منتظمة ووفق مواصفات محددة، لذلك يحتاج تنظيم القطاع إلى وصل الجهات التي تتولى الجمع والفرز بالمنشآت القادرة على استخدام المواد المستردة،
كما تساعد معرفة حجم الطلب والأسعار وتكاليف النقل والمعالجة في تحديد الجدوى الفعلية لكل مادة، وتحويل التدوير من نشاط متفرق تحكمه تجارة الخردة إلى سلسلة إنتاج واضحة تضم موردين ومشترين ومنشآت معالجة ومسارات تسويق محددة.
ووفق ذلك يتغير أيضاً معيار قياس نجاح إدارة النفايات، فعدد الشاحنات التي ترحّل النفايات أو حجم ما يُجمع من الشوارع يوضح جانباً من مستوى الخدمة، فيما يمكن قياس نتائج المعالجة بمؤشرات تشمل كمية المواد المستردة، ونسبة ما يدخل منها في إعادة التدوير، وحجم الانخفاض في الكميات الواصلة إلى المطمر، والعائد الناتج عن بيع المواد القابلة للاستفادة،
وتتيح هذه المؤشرات مقارنة كلفة الطمر بكلفة الاسترداد والتدوير، وقياس النتائج الاقتصادية والخدمية للمنظومة، لتتحول إدارة النفايات تدريجياً من معالجة يومية للتراكمات إلى قطاع يمكن تتبع موارده وتكاليفه وعوائده.
الثورة السورية – سيما مشنطط












