
تشهد مدينة حلب في المرحلة الراهنة محاولات متسارعة لإعادة تأهيل القطاع الصحي، بعد سنوات طويلة من التراجع الحاد الذي طال البنية التحتية والخدمات الطبية نتيجة حرب النظام المخلوع والإهمال المزمن.
وعلى مدى سنوات، عانت المستشفيات الحكومية في حلب من نقص في المعدات الطبية، وغياب خطط التطوير، وتراجع مستوى الخدمات، ما انعكس بشكل مباشر على جودة الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين، لا سيما الفئات ذات الدخل المحدود التي تعتمد بشكل شبه كامل على هذه المؤسسات.
وبعد تحرير البلاد، أُطلقت عدة مبادرات محلية وخارجية لتحسين هذا الواقع، كان من أبرزها مساهمات أطباء سوريين مغتربين في دول أوروبية، قدموا دعماً طبياً من خلال إجراء عمليات نوعية مجانية داخل مستشفيات رئيسية في المدينة، بينها مستشفى الرازي ومستشفى حلب الجامعي.
وفي ظل هذه التحركات، لا يزال المواطن يترقب الوصول إلى خدمات متطورة ومجانية في آن واحد، تحفظ كرامته وتضمن حقه في العلاج دون أعباء مالية، غير أن هذا الترقب ترافق مؤخراً مع انتشار إشاعات حول نية وزارة الصحة خصخصة المستشفيات العامة، وهو ما أثار قلقاً واسعاً بين السكان.
وفي هذا الإطار، نفى وزير الصحة مصعب العلي وجود أي توجه نحو خصخصة القطاع الصحي الحكومي، مؤكداً عبر لقاء تلفزيوني أنه لا توجد أي نية أو خطة لدى الوزارة لطرح المستشفيات العامة للاستثمار أو الخصخصة، وشدد على أن هذه المؤسسات مستمرة بتقديم خدماتها للمواطنين بشكل اعتيادي بدون أي تغيير.
كذلك أشار العلي إلى أن الوزارة تعمل على خطط تطويرية لتحسين الأداء، في ظل ما وصفه بـ”هشاشة النظام الصحي وانهياره شبه التام”، مؤكداً أن العام الماضي شهد جهوداً ملحوظة في إطار إعادة تأهيل هذا القطاع.
ورغم هذه التصريحات، لا تزال التحديات كبيرة، وهو ما تعكسه الأرقام الرسمية، فبحسب تقرير صادر عن وزارة الإدارة المحلية والبيئة أواخر شهر آذار الماضي، تعرضت تسع مستشفيات في محافظة حلب لأضرار نتيجة العمليات العسكرية وقصف النظام المخلوع، وهو ما يمثل نحو 17.6 بالمئة من إجمالي المستشفيات، إضافة إلى تضرر 98 مركزاً صحياً ومستوصفاً.
هذه الأضرار لم يقتصر أثرها على البنية التحتية فحسب، إنما أثرت على قدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة لاحتياجات السكان،
وفي تعليق على هذه المعطيات، أوضح مدير العلاقات العامة في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، علي حمد، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية” أن “هذه الأرقام تشير إلى التحديات التي واجهها العاملون في القطاع الصحي، في ظل نقص الكوادر والمعدات، واضطرار بعضهم إلى تقديم الخدمات في ظروف استثنائية”.
ضغط متزايد ومعاناة مستمرة
يشير واقع المواطنين إلى حجم الضغط الذي تعانيه هذه المؤسسات، حيث يشير عاطف الحسين، وهو مدرس لغة عربية، إلى أن المستشفيات الحكومية “تمثل الملاذ الأول والأخير للطبقة الفقيرة وما تبقى من الطبقة الوسطى”، مرجعاً ذلك إلى الارتفاع الكبير في تكاليف العلاج داخل المستشفيات الخاصة، والتي باتت خارج قدرة معظم السكان.
كما لفت الحسين إلى مشكلة الاكتظاظ الشديد وطول فترات الانتظار، خاصة فيما يتعلق بالعمليات الجراحية، حيث قد يضطر المريض إلى الانتظار لأسابيع أو حتى أشهر قبل تحديد موعد لعمليته،
مؤكداً أن التحسينات التي جرت خلال الفترة الماضية “جيدة ولكنها غير كافية”، داعياً إلى تسريع وتيرة التطوير وزيادة عدد المنشآت الصحية لتخفيف الضغط.
أما فيما يتعلق بالأدوية، فأوضح الحسين أن العديد من المستشفيات تعاني من نقص حاد، ما يجبر المرضى على شراء أدويتهم من خارج المستشفى وعلى نفقتهم الخاصة، مطالباً الجهات المعنية بضمان توفير الأدوية ضمن إطار العلاج المجاني.
جهود لسد الفجوة
في مقابل هذه التحديات، يشهد مستشفى الرازي حالياً مشروع توسعة وتحديث يُعد من أبرز المشاريع الصحية في المدينة، ووفق ما أوضحه مدير المستشفى عبد القادر فرح، فإن التوسعة تتضمن إنشاء كتلة بنائية جديدة من شأنها زيادة السعة الاستيعابية للمستشفى بنسبة تصل إلى 35 بالمئة، مع الحفاظ على الاختصاصات الطبية الحالية.
وبيّن فرح أن المشروع يشمل إضافة أقسام إسعافية جديدة، وجناحاً متكاملاً للعمليات، إلى جانب قسم إقامة مخصص للمرضى، فضلاً عن أعمال ترميم داخلية لعدد من الأقسام، من بينها قسم العمليات،
مضيفاً: “حالياً هناك 4 غرف عمليات ومن المخطط أن يرتفع هذا الرقم إلى 7 غرف عمليات مجهزة بكل التجهيزات النوعية في كافة الاختصاصات”، كما أشار إلى تخصيص غرفة عمليات لكل قسم بشكل مستقل، مع تزويدها بالأجهزة الطبية الحديثة.
كما تتضمن خطة التطوير إنشاء قسم عناية مشددة مستقل، حيث سترتفع الطاقة الاستيعابية من 8 أسرّة إلى 13 سريراً، مع إدخال نظام مراقبة مركزية حديث، في خطوة تهدف إلى تحسين جودة الرعاية المقدمة للحالات الحرجة، وبحسب فرح فإنه من المتوقع الانتهاء من المشروع خلال الأشهر الأربعة القادمة.
وأشار إلى أن مشروع الكتلة الجديدة يتم بالتعاون مع منظمة “مرسي ماليزيا”، بينما يجري تأهيل قسم العمليات والعناية المشددة بالشراكة مع “مؤسسة الرواد”.
ورغم هذه التطورات، لم يُخفِ فرح التحديات التي لا تزال تواجه المستشفى، وعلى رأسها النقص في الكوادر الطبية، نتيجة هجرة عدد كبير من الأطباء وأصحاب الكفاءات إلى خارج البلاد خلال السنوات الماضية بحثاً عن فرص أفضل.
وفي المحصلة، يظهر واقع القطاع الصحي في حلب مزيجاً من التحديات والفرص، فبينما تكشف الأرقام عن حجم الدمار والتراجع، تشير مشاريع التحديث الجارية، وعلى رأسها توسعة مستشفى الرازي، إلى وجود مسار فعلي نحو التعافي،
غير أن استعادة كفاءة هذا القطاع الحيوي بشكل كامل لا تزال مرهونة باستمرار الدعم، ومعالجة النقص في الموارد البشرية، وضمان استدامة الخدمات المجانية، بما يكفل حق المواطنين في الحصول على رعاية صحية كريمة.
الثورة السورية – راما نسريني













