
لسنوات طويلة، بقيت عراقة المنتجات النحاسية الشرقية السورية، بما تحمله من روح الأصالة والتراث، حبيسة زوايا ضيقة خاضعة لنفوذ شبكات احتكارية مرتبطة بالنظام المخلوع.
وعانى هذا القطاع طويلاً من تبعات الحرب التي شنها النظام المخلوع على السوريين، والتي أدت إلى جفاف التدفق السياحي، إلى جانب التضييق المالي الذي دفع العديد من أصحاب الورش والمحال العريقة إلى إغلاق أبوابهم أو تغيير نشاطهم التجاري قسراً خلال تلك المرحلة.
اليوم، يروي المشهد في أسواق “النحاسين” حكاية مختلفة، عنوانها انبعاث جديد للحرف التراثية التي شكّلت يوماً هوية اقتصادية وثقافية للبلاد، مدفوعة بانفتاح اقتصادي شمل تنشيط الاستيراد والتصدير، وتخفيف الأعباء الضريبية والجمركية، وتأمين المستلزمات الأولية.
وقال عدنان الفيومي، رئيس جمعية الشرقيات بدمشق وريف دمشق والقنيطرة، لصحيفة “الثورة السورية”: “الاتحاد العام للحرفيين يعمل بجدية لتحسين أوضاع الحرفيين، والارتقاء بواقعهم في مختلف المجالات، بما يعزز مكانتهم ويطور إنتاجهم”،
مشيراً إلى أن “كوادر الاتحاد تبذل جهوداً متواصلة لرفع جاهزية الحرف وتحقيق استقرارها”، مؤكداً أن “الفترة المقبلة ستشهد تحسناً ملموساً مقارنة بما كان عليه الوضع سابقاً”.
وأوضح الفيومي أن “مذكرة تفاهم وُقّعت مؤخراً بين الاتحاد ووزارة الثقافة، بهدف دعم الحرفيين وتمكينهم من المشاركة في المعارض الخارجية، وتوسيع حضور منتجاتهم في الأسواق الدولية”،
لافتاً إلى أن هذا التطور يأتي بعد انقطاع طويل عن المشاركات الخارجية، اقتصر على مشاركة واحدة في الهند عام 2015.
تفكيك “دولة الجباية” وتحرر المادة الخام
أدى سقوط نظام الأسد ومنظومته الأمنية إلى تفكيك الشبكات التي كانت تسيطر على المواد الخام وطرق التوريد، ما أتاح للحرفيين التعامل مباشرة مع الأسواق المحلية والخارجية، ورفع هامش الربح، وشجع على استئناف الإنتاج بعيداً عن ضغوط المتنفذين.
وخلال تلك السنوات، واجه الحرفي السوري تحديات كبيرة، كان أبرزها احتكار المواد الأولية، حيث خضعت مواد مثل النحاس والخشب والصدف لسيطرة شركات مرتبطة بضباط في “الفرقة الرابعة”.
وقال الحرفي أنور شبلي: “النحاس المُعاد تدويره، ولا سيما النحاس الأحمر، والذي كان من المفترض إعادة صهره وتصنيعه محلياً، تعرّض للاحتكار لسنوات طويلة، ما أدى إلى عجز في الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد”.
وأضاف: “تحوّل سوق النحاسين في تلك الفترة إلى سوق للألمنيوم، نتيجة ارتفاع أسعار النحاس ومنع إعادة تدويره”.
وأشار شبلي إلى أن الظروف السابقة فرضت على التجار شراء المواد الأولية بالعملة الأجنبية رغم القيود المفروضة حينها، موضحاً أن “الوضع اليوم يشهد مرونة أكبر وانفراجاً نسبياً، بعد أن كانت مادة النحاس خاضعة لاحتكار مشدد وقيود جمركية مبالغ فيها”.
ومع زوال تلك القيود، تحرر تدفق المواد الخام، وتراجعت الإتاوات التي كانت تُفرض على نقل البضائع، ما ساهم في خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للمنتج السوري.
وقال شبلي: “أصبح بإمكان الحرفي تطوير عمله وتوسيع نشاطه، دون مخاوف من المصادرة أو الابتزاز”، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن “تذبذب الأسعار حالياً ما يزال يؤثر في استقرار الأرباح”.
من جانبه، استعاد الحرفي عماد الكمشة تجربته مع واقع المهنة في السابق، مشيراً إلى أن “ضباط الفرقة الرابعة كانوا يتحكمون في تفاصيل العمل، من استيراد النحاس إلى تسعيره، إضافة إلى فرض الإتاوات على حركة النقل”.
وأردف: “كانت كل الطرق تمر عبر هؤلاء المتنفذين، ما اضطرنا لشراء المواد بأسعار مضاعفة أو انتظار مخصصات محدودة لا تلبي الحاجة”.
اختفت اليوم تلك المظاهر تماماً، وبحسب الكمشة “لا إتاوات ولا حواجز”، كما أصبحت التكاليف الجمركية ضمن الحدود المقبولة، ما أسهم في تحرير تدفق المواد الخام وخفض تكاليف الإنتاج.
وأشار إلى أنه قبل سقوط النظام بنحو ستة أشهر “تم إلقاء القبض على ثلاثة من كبار تجار النحاس، بعد ضبط كميات كبيرة في مستودعاتهم، رغم امتلاك أحدهم فواتير نظامية”، لافتاً إلى أن غرامة أحدهم بلغت 400 ألف دولار أميركي، “لمحاولته العمل خارج منظومة ضباط الفرقة الرابعة”.
وتُعد السياحة والتصدير ركيزتين أساسيتين لانتعاش هذه الحرفة التراثية ذات الطابع الدمشقي، حيث يقصد السياح سوق الحميدية وسوق النحاسين لاقتناء التحف والصمديات والصواني
أما على صعيد التصدير، فتتركز المنتجات في مصبات القهوة وصواني المناسف، وتتصدر دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية تليها الإمارات، قائمة المستوردين للمنتجات النحاسية السورية.
وفي السياق ذاته، قال شبلي: “تعتمد المهنة بشكل رئيسي على السوق المحلي، إلا أن التضخم وضعف القوة الشرائية دفعا نحو التوسع في التصدير، ولا سيما إلى دول الخليج، مستفيدين من انخفاض تكلفة اليد العاملة محلياً، ما يمنح المنتج قدرة تنافسية مرتفعة”.
الكهرباء والعملات الأجنبية.. ركيزتا الاستقرار
شكّل تحسن واقع التيار الكهربائي نقطة تحول مهمة للمشاريع الصغيرة، فبعد سنوات من الاعتماد على المولدات المكلفة وسوق المازوت السوداء، التي استنزفت الأرباح، أتاح الاستقرار النسبي للتيار عودة الورش إلى العمل بانتظام.
وأوضح شبلي أن تأمين الكهرباء أسهم في “تخفيف التكاليف على الصانع والتاجر”، إذ إن الاعتماد السابق على مصادر الطاقة البديلة كان يتطلب محروقات غير مستقرة الكميات والأسعار، مضيفاً أن “استقرار الكهرباء في المناطق الصناعية ساعد في خفض التكاليف التشغيلية، وانعكس إيجاباً على العمال”.
من جانبه، أكد الكمشة أن “تحسن الكهرباء كان العامل الأبرز في إنعاش المهنة”، مشيراً إلى أن التكاليف سابقاً كانت مرتفعة جداً نتيجة الاعتماد على المولدات، حيث تجاوز سعر ليتر المازوت دولاراً واحداً، في ظل عدم كفاية مخصصات “البطاقة الذكية”، ما دفع أصحاب الورش إلى اللجوء للسوق السوداء.
وأردف أن العمل في السابق كان مرهوناً بساعات التغذية الكهربائية، حتى لو كانت في أوقات متأخرة من الليل، الأمر الذي أثّر سلباً على العمال، وخاصة القادمين من مناطق بعيدة، مشيراً إلى أن “ارتفاع أسعار الكهرباء حالياً لا يزال أقل كلفة مقارنة بالمرحلة السابقة”.
ولفت شبلي إلى وجود “انفراج ملموس، وإن كان محدوداً”، في مجالات تخفيف القيود الجمركية وتأمين الكهرباء الصناعية وتوفير المحروقات، مقارنة بحالة الشح التي سادت قبل سقوط النظام.
وفي موازاة ذلك، برز التحول في التعامل بالعملات الأجنبية كعامل مهم في تحقيق الاستقرار، إذ سمحت المرونة الحالية بتسعير المنتجات بصورة واقعية وحماية الأجور من تقلبات سعر الصرف.
وقال الكمشة: “إمكانية تسعير المنتجات أو تقاضي الأجور بالدولار ساهمت في حماية العامل قبل صاحب العمل، وحافظت على القيمة الشرائية للرواتب، بعد أن كان مجرد التعامل بالدولار يُعد مخالفة”، مضيفاً أن هذا التحول حدّ من الخسائر التي كان يتكبدها العمال نتيجة تذبذب سعر الليرة.
كذلك تُعد عودة الأيدي العاملة الماهرة من أبرز ملامح الانتعاش الحالي، فبعد استقرار العديد من الورش السورية في دول الجوار، بدأت موجة عودة تدريجية للحرفيين، مدفوعة بتحسن البيئة الاقتصادية وتوفر فرص العمل.
وأشار الكمشة إلى أن قلة انتشار هذه الحرفة خارج البلاد دفعته سابقاً إلى العمل في مجالات أخرى، مثل المطاعم والبقالة، قبل أن يتمكن من العودة إلى مهنته الأساسية،
مضيفاً أنه يعمل حالياً بنظام “القطعة”، متفقاً مع أصحاب العمل على التسعير بالدولار، بعد أن خسر ورشته الصغيرة في حي جوبر نتيجة القصف الذي طال المنطقة.
الثورة السورية – إياد تنبكجي













