
ضمن أسواق دمشق القديمة، حيث تتشابك الحجارة العتيقة مع ظلال التاريخ، يقدم سوق الخياطين نفسه كرمز حي لذاكرة المدينة، كمكان للتجارة، وموروث ثقافي واجتماعي يربط بين الأجيال.
وفيه تتداخل رائحة الأقمشة مع صوت المقصات، لتصبح زيارة السوق رحلة في روح دمشق، حيث التفاصيل الصغيرة تحكي ما تعجز عنه كتب التاريخ.
منذ الخطوة الأولى داخل السوق، يلاحظ الزائر عالماً تقاس فيه قيمة الزمن بالخبرة والمعرفة المتراكمة، لا بالدقائق.
بكرات الخيوط الملونة مصطفة كلوحات فنية، وأقمشة البروكار والأغباني تتدلى على جدران المحلات، فيما ينشغل الخياطون في أعمال دقيقة تحول القماش إلى قطع تحمل بصمتهم الخاصة.
تاريخ متجذر
يعود تاريخ سوق الخياطين، وفق الباحث التراثي عبد الرزاق الحمصي في حديثه لـ “الثورة السورية”، إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ما يجعله أحد أقدم أسواق دمشق القديمة، بعمر يقارب ثمانية قرون. ويؤكد أن السوق حافظ على مخططه العمراني وتوزيع محلاته، رغم التحولات الكبيرة التي شهدتها المدينة على مر العصور، ما يمنحه استمرارية نادرة.
ويضيف الحمصي أن خصوصية السوق تكمن في استمرارية وظيفته، إذ لا يزال يقدم الخدمات نفسها تقريباً منذ نشأته، بدءاً من خياطة الأقمشة وبيع مستلزماتها، وصولاً إلى الأعمال اليدوية التي شكلت جزءاً من الهوية الدمشقية.
تاريخياً، اشتهر السوق بالبروكار الدمشقي الذي دخل قصور الملوك، إلى جانب الأقمشة الفاخرة الأخرى كالجوخ والأغباني،
وهذه الحرف تعتبر امتداداً لذوق اجتماعي وثقافي انعكس في الأزياء التقليدية، من العباءات إلى الملابس الكلاسيكية، ورغم دخول الألبسة الجاهزة وتغير أنماط الاستهلاك، لا يزال السوق محافظاً على توازنه، مدمجاً بين المنتجات الحديثة والهوية التقليدية التي تشكل جوهره، بحسب الحمصي.
الحرفة والتوارث العائلي
داخل أحد المحال القديمة، يقف صادق الطير، الذي أمضى أكثر من خمسين عاماً في السوق، مستعرضاً ماكينة خياطة قديمة يمتلكها، مؤكداً لـ “الثورة السورية” أن جوهر المهنة لم يتغير، بينما تطورت الأدوات.
وهنا يوضح الحمصي أن المهنة مستمرة عبر الأجيال، ويشير إلى عائلة النقطة كمثال، التي يمثل الجيل الرابع منها أبرز المالكين في السوق، محافظين على صناعات تقليدية مثل الأغباني والبروكار.
وكذلك، العديد من محال السوق لا تزال مملوكة لعائلات دمشقية منذ أكثر من مئة عام، تنتقل ملكيتها ومهارتها من جيل إلى آخر، ما يمنح السوق طابعاً فريداً لا يمكن تكراره، وفي هذا السياق يوضح محمد كمال النقطة لـ “الثورة السورية” أن السوق لم يعد مقتصراً على الخياطة التقليدية، لكنه حافظ على روحه، خصوصاً مع عودة الاهتمام بالأزياء التراثية في المناسبات، ما أعاد بعض الحيوية للمهنة.
ولا ينفصل واقع السوق عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في دمشق. مع انتشار الملابس الجاهزة وتسارع الحياة اليومية، تراجع الطلب على التفصيل اليدوي، لكنه لم يختفِ.
ويشير الحمصي إلى أن السوق شهد إدخال مستلزمات حديثة للخياطة لتلبية احتياجات الزبائن، دون أن يمس جوهره التاريخي. المواد الأساسية مثل الخيوط، الحرير، والصوف لا تزال حاضرة، إلى جانب الإكسسوارات الحديثة.
ومن أبرز خصائص السوق أيضاً ارتباطه بتجهيز العرائس، حيث لا تزال العائلات من مختلف المحافظات تتوجه إليه لهذا الغرض، في تقليد مستمر يعكس قيماً اجتماعية مترسخة عبر الأجيال.
فضاء اجتماعي وإنساني
يتجاوز دور سوق الخياطين التجارة إلى كونه فضاء اجتماعياً حيوياً، يمنح شعوراً بالانتماء. كريمة حمزة، خياطة تعمل في السوق منذ سنوات، تصفه خلال حديثها لـ”الثورة السورية” بأنه مكان يتيح التواصل والمشاركة، وهو شعور مفقود في الأسواق الحديثة.
في قصص الزبائن الذين تحدثوا لـ “الثورة السورية”، تتجلى تجارب حية تحافظ على الحرفة. وردة طالب، تعمل في مجال الأزياء، تتردد على السوق لشراء مستلزمات خياطة لابنتها، محاولة نقل مهارة تعلمتها من والدتها، معتبرة السوق “مدرسة مفتوحة تحفظ الحرفة من الاندثار”.
من جانبها، تقول الخياطة سلوى محمد إن زيارتها للسوق تمنحها فرصة للاطلاع على جانب فني لمهنة انتقلت عبر الأجيال.
حتى المتقاعدون من المهنة لا ينقطعون عن السوق. الحاج راتب الخالدي، خياط متقاعد، يزور السوق باستمرار لاستعادة جزء من ذاكرة مرتبطة بالحرفة، وليس لشراء شيء محدد، ما يعكس الروابط العاطفية والثقافية العميقة التي تربط السوق بسكان دمشق.
يحفظ الذاكرة
يقع السوق في نقطة حيوية تربط بين سوق مدحت باشا وسوق الحرير، ما يمنحه أهمية تجارية وعمرانية مضاعفة وشهد تعديلات في بنيته، أبرزها تركيب سقف معدني يحميه ويهيئ بيئة عمل مناسبة، دون أن يغير من طابعه التقليدي.
وكان السوق يضم خانات لإقامة التجار القادمين من خارج دمشق، حيث كانت تتم الصفقات وتبادل البضائع، ما يعكس دوره كمركز تجاري إقليمي. ولا تزال هذه الحركة التجارية حاضرة جزئياً، مع وجود تجار وزوار من دول مجاورة.
ويقف سوق الخياطين اليوم عند مفترق طرق بين الحرفة اليدوية الأصيلة وعالم حديث سريع الإيقاع. رغم الضغوط الاقتصادية والتغيرات في أنماط الاستهلاك، ينجح السوق في الحفاظ على توازنه، مستنداً إلى ذاكرة جماعية حيّة تظهر في تفاصيله اليومية.
في هذا المكان، تروي الخياطة حكاية مستمرة لمدينة تعرف كيف تتغير دون أن تفقد خيوطها الأولى، وتبقى دمشق عبر أسواقها العريقة شاهدة على قدرة الإنسان على المحافظة على تراثه وهويته وسط التغيرات المتسارعة.
الثورة السورية- نيفين أحمد













