
مع بدء الاستعدادات لموسم القمح، تتصاعد المؤشرات الإيجابية المرتبطة بمحصول “الذهب الأصفر”، الذي يشكّل أحد أعمدة الأمن الغذائي في البلاد، وسط جهود حكومية لتعزيز الإنتاج المحلي ورفع كفاءة التخزين وتسهيل تسويق المحصول.
وفي هذا السياق، تبدو التقديرات الرسمية متفائلة بتأمين احتياجات سوريا من القمح حتى منتصف عام 2027، وسط تحسن نسبي في الإنتاج المتوقع وتوفر المخزون، بما يعزز استقرار الإمدادات الغذائية ويحدّ من الحاجة إلى الاستيراد.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه القطاع الزراعي مراجعة للسياسات الإنتاجية والتخزينية، بهدف رفع كفاءة إدارة المحصول وضمان استدامة توفره، بما ينعكس إيجاباً على الأمن الغذائي.
الإنتاج المتوقع والاحتياجات
بين الخطط الحكومية لتسلم المحصول وتخزينه، والتقديرات الفنية المرتبطة بالموسم الزراعي، تتبلور مؤشرات إيجابية مشروطة باستمرار الدعم وتوفر الظروف الملائمة، بما يضمن تأمين احتياجات البلاد من القمح وتعزيز الاستقرار الغذائي.
وشكّل تأمين القمح، بوصفه المادة الأساسية للخبز اليومي للمواطنين، تحدياً ممتداً على مدى سنوات طويلة، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها السياسات العشوائية للنظام المخلوع والفساد وسوء الإدارة، إضافة إلى تراجع معدلات الهطل المطري وما رافقه من جفاف.
ويأتي الموسم الحالي في ظل تراجع عدد من التحديات التي كانت قائمة خلال السنوات الماضية، بما فيها عودة الجزيرة إلى سيطرة الدولة، ما عزز حالة من التفاؤل في الشارع السوري بإمكانية تقليص فاتورة الاستيراد التي شكلت عبئاً، وزادت من الطلب على القطع الأجنبي، الأمر الذي انعكس بدوره على مستويات التضخم والوضع المعيشي.
ويقول مدير عام المؤسسة السورية للحبوب حسن العثمان، لصحيفة “الثورة السورية”، إن احتياجات البلاد من القمح تُقدَّر بنحو 2.5 مليون طن سنوياً،
في حين يبلغ المخزون المتوفر حالياً قرابة مليون طن، مع احتساب الكميات الواردة من المناطق التي عادت مؤخراً إلى سيطرة الدولة، وبذلك تبقى فجوة تُقدَّر بنحو 1.5 مليون طن من المتوقع تغطيتها عبر إنتاج الموسم الحالي.
وأوضح العثمان أن تقديرات وزارة الزراعة تشير إلى إنتاج قد يتجاوز 2.5 مليون طن، وقد تصل الكميات المتوقع تسويقها للمؤسسة في أسوأ الأحوال إلى نحو 1.5 مليون طن، وهو ما يتيح تأمين حاجة البلاد لفترة تمتد حتى منتصف العام المقبل، مع التفاؤل بمواسم زراعية أفضل خلال 2026 و2027.
في تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”، قالت وزارة الزراعة إن من المتوقع، في حال استمرار الظروف المناخية الجيدة، الوصول إلى كمية إنتاج تقارب 2.3 مليون طن من القمح خلال الموسم الحالي.
وكانت وزارة الزراعة تستهدف إنتاج 2.8 مليون طن من القمح في حال زراعة المساحات المخططة بالكامل، لكن نسبة التنفيذ بلغت 86 بالمئة، تعد نسبة مرتفعة.
وبلغت المساحات المخططة لزراعة القمح هذا العام 1.4 مليون هكتار، منها 640 ألف هكتار مروي و830 ألف هكتار بعل، وهي تقارب المساحة المخططة للموسم السابق مع زيادة قدرها 20 ألف هكتار.
أما المساحة المنفذة فقد وصلت إلى 1.2 مليون هكتار بنسبة تنفيذ 86 بالمئة، منها 505 آلاف هكتار مروي بنسبة تنفيذ 79 بالمئة، و763 ألف هكتار بعل بنسبة تنفيذ 92 بالمئة.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن إنتاج الحسكة فقط قد يصل إلى 1.3 مليون طن من القمح، بينها 400 ألف طن من القمح المروي، و900 ألف طن من القمح البعل، وفق ما قال مدير زراعة الحسكة، المهندس هائل أحمد خليف، في تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”.
توفير الاعتمادات لشراء المحصول
أكد مدير عام المؤسسة السورية للحبوب، وجود متابعة من المستويات العليا في البلاد، مؤكداً أن المؤسسة تلقت تطمينات بتوفير الاعتمادات اللازمة لشراء كامل المحصول المعروض من الفلاحين.
وأضاف أن جزءاً من الإنتاج لا يُطرح للتسويق، إذ يحتفظ الفلاح بجزء منه للبذار، فيما يُوجَّه جزء آخر إلى التجارة أو إلى الصناعات الغذائية المختلفة مثل البرغل والسميد، وهي منتجات تُعد أيضاً من مكونات الأمن الغذائي.
كما لفت إلى وجود نسب محدودة من المحصول ذات مواصفات متدنية، كأن تحتوي على بذور أعشاب أو حبوب ضامرة، وهذه لا تشتريها المؤسسة، مؤكداً أن هذه الكميات تبقى ضئيلة جداً ولا تتجاوز عادة 1 إلى 2 بالمئة من إجمالي الإنتاج.
وشهد واقع تخزين القمح في سوريا تحسناً ملحوظاً مقارنة بالعام الماضي، إذ تم تأهيل عدد كبير من الصوامع والصويمعات بالاعتماد على الخبرات والأيدي العاملة المحلية،
مع الإشارة إلى أن هناك عشرات المواقع التي لا تزال بحاجة إلى التأهيل، وتعمل المؤسسة على تجهيزها تباعاً استعداداً للمواسم المقبلة، وفق العثمان.
وتبقى التوقعات للموسم القادم إيجابية في حال استمرار الظروف المناخية الملائمة، بما يسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي، لكن في حال حدوث أي نقص غير متوقع في الكميات المستلمة أو عدم كفايتها لتغطية الحاجة السنوية، فإن خيار الاستيراد يبقى متاحاً كإجراء احترازي لضمان استقرار توفر المادة.
واستوردت المؤسسة منذ التحرير نحو مليون و465 ألف طن من القمح، بهدف تلبية احتياجات المخابز وضمان استمرارية إنتاج الخبز.
المخزون الاستراتيجي
حول مفهوم المخزون الاستراتيجي، أوضح العثمان أنه مصطلح واسع نسبياً، مشيراً إلى أن القمح مادة موسمية قابلة للتلف، ولا تعتمد أي دولة في العالم على تخزينه لسنوات طويلة، إذ يتجدد الإنتاج سنوياً.
وأضاف أن وجود كميات تكفي لتغطية الاستهلاك من بداية موسم الشراء في حزيران 2026 وحتى حزيران 2027 يُعد مؤشراً مطمئناً على استقرار الوضع الغذائي.
وأكد المدير العام لمؤسسة الحبوب أن الأمن الغذائي لا يرتبط فقط بتوفر المادة، إذ يتطلب أيضاً بنية تخزينية مناسبة وإمكانات مالية كافية، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل ضمن الإمكانات المتاحة على تحسين قدرات التخزين ورفع كفاءة المستودعات، بما يضمن الحفاظ على جودة القمح وتأمين استمرارية توفره.
ولفت العثمان إلى أن المؤسسة تواصل تنفيذ خططها لتأهيل وتحديث البنية التخزينية، موضحاً أنها تمتلك حالياً 37 صومعة و98 صويمعة و14 مستودع تخزين، إضافة إلى 27 مركز عراء. وأشار إلى أن جزءاً من هذه المواقع أصبح جاهزاً للعمل، في حين يخضع الجزء الآخر لأعمال التأهيل وفق خطط زمنية مجدولة وبحسب الإمكانات المتاحة.
وبيّن أن نحو 15 موقعاً من الصوامع والصويمعات ما زال قيد العمل، وأن عدداً منها سيكون جاهزاً للاستلام مع بداية الموسم وفق حالته الفنية والعقدية، ومن بينها صوامع الغزلانية والكسوة في ريف دمشق، إلى جانب مواقع أخرى في الرقة والحسكة ودير الزور ودرعا وحلب.
استعدادات لوجستية
فيما يتعلق بعمليات شراء وتسلم القمح، أوضح العثمان أن المؤسسة أنهت تجهيز وتأهيل مراكز الاستلام، حيث تم إعدادها لوجستياً من حيث تأمين الكهرباء وتركيب أنظمة المراقبة بالكاميرات،
إضافة إلى تطبيق برامج إلكترونية حديثة مثل برنامج الحجز المسبق وبرنامج القبان الإلكتروني وبرامج المحاسبة، فضلاً عن توفير كوادر مدربة لإدارة العملية بكفاءة.
وأكد أن هذه الإجراءات، إلى جانب تأهيل عدد من الصوامع والصويمعات لاستخدامها في تخزين المحصول، ستسهم في إنجاح موسم الاستلام وتسهيل عمليات التسليم على الفلاحين.
وإلى جانب الاستعداد للموسم الحالي، يشمل العمل خططاً مستمرة للتأهيل والتطوير، بما في ذلك تنفيذ بعض المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص، ما سيجعل العام المقبل أفضل من الحالي، كما كان هذا العام أفضل من العام السابق، وفق العثمان.
وأضاف أن المؤسسة اتخذت مجموعة من التسهيلات لدعم المزارعين وتعزيز تسويق المحصول، أبرزها إطالة فترة الشراء بما يتيح شراء أكبر كمية ممكنة من الأقماح بشكل مباشر،
ويحقق وفراً كبيراً في استخدام الأكياس، فضلاً عن منح المزارعين مرونة أكبر في حصاد محاصيلهم وتسويقها دون ضغوط زمنية.
كما أشار إلى أن الإجراءات المتخذة تشمل أيضاً وقف الاستيراد خلال فترة الاستلام، والعمل على طحن كميات أكبر من المخزون الحالي لتأمين مساحات تخزينية إضافية.
وشدد العثمان على أن عمل المؤسسة يتجاوز تلبية الاستهلاك الآني، ليشمل خططاً استراتيجية بعيدة المدى، نظراً لأهمية قطاع الحبوب بوصفه قطاعاً استراتيجياً يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، ويهدف إلى خدمة المواطن وتأمين احتياجاته الغذائية في مختلف الظروف.
منعكسات إيجابية
ترى الخبيرة الاقتصادية والتنموية الدكتورة زبيدة القبلان، أن تراجع استيراد القمح من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر وإيجابي على مؤشرات الاقتصاد الوطني، نظراً لما يشكله هذا الملف من ضغط كبير على الموارد المالية والقطع الأجنبي.
وقالت القبلان لصحيفة “الثورة السورية” إن استيراد القمح يُعد من أبرز بنود الإنفاق الخارجي، وبالتالي فإن تقليصه يعني خفض الطلب على العملات الأجنبية، الأمر الذي يسهم في دعم استقرار سعر الصرف والتخفيف من الضغوط على الميزان التجاري.
كما أن الاعتماد بشكل أكبر على الإنتاج المحلي يسهم في إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية الداخلية، من خلال توجيه الإنفاق نحو دعم الفلاحين والقطاع الزراعي بدلاً من خروجه إلى الأسواق الخارجية، ما يرفع مستوى الدخل في الريف، ويعزز القدرة الشرائية، ويخلق حالة من الحراك الاقتصادي المرتبط بسلسلة إنتاج القمح، بدءاً من الزراعة وصولاً إلى التصنيع الغذائي.
إضافة إلى ذلك، فإن تراجع الاستيراد يخفف من الأعباء اللوجستية المرتبطة بعمليات النقل والتخزين والتأمين، والتي غالباً ما تتأثر بتقلبات الأسعار العالمية والأزمات الدولية،
كما يمنح صناع القرار مرونة أكبر في إدارة المخزون وتوجيه الموارد نحو تطوير البنية التحتية الزراعية، بما في ذلك تحسين أنظمة الري وتأهيل الصوامع ودعم مستلزمات الإنتاج، وفق القبلان.
ومع ذلك، أوضحت القبلان أن تحقيق هذه النتائج الإيجابية يبقى مشروطاً بقدرة الإنتاج المحلي على سد الفجوة الفعلية في الاستهلاك، وباستمرار السياسات الداعمة للفلاحين، سواء من حيث التسعير المجزي أو توفير التمويل ومستلزمات الإنتاج.
ففي حال تحقق ذلك، فإن تقليص الاستيراد سيكون خطوة استراتيجية نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي وترسيخ الاستقرار الاقتصادي والغذائي في البلاد.
مخاطر طبيعية
يحمل موسم القمح الحالي مؤشرات إيجابية، وفي حال استمرت الظروف الحالية على ما هي عليه، فمن المتوقع أن تتمكن سوريا من تغطية احتياجاتها من القمح وربما تحقيق فائض نسبي، وفق ما رأى الخبير الزراعي أكرم عفيف.
لكن في الوقت ذاته، أوضح عفيف أن الحكم النهائي على الموسم لا يزال مبكراً، نظراً لوجود مخاطر طبيعية قد تؤثر على الإنتاج، من أبرزها إصابة المحصول بمرض اللفحة خلال مرحلة الإزهار، وهي مرحلة حساسة قد تنعكس بشكل مباشر على كمية الإنتاج وجودته.
وأضاف لصحيفة “الثورة السورية” أنه في حال تجاوز هذه المخاطر، فإن التوقعات تشير إلى موسم جيد ومبشر.
وأعرب عن أمله بأن يحقق الموسم الحالي إنتاجاً جيداً يخفف من الحاجة إلى الاستيراد ويعزز الاعتماد على الإنتاج المحلي.
وشدد عفيف على أهمية تشجيع الفلاحين لضمان تسويق كامل المحصول للمؤسسات الحكومية، مؤكداً أن الفلاح مستعد لتسليم إنتاجه، إلا أن العامل الحاسم يتمثل في السعر المجزي.
واعتبر أن السعر العادل يجب ألا يقل عن 6500 ليرة قديمة للكيلوغرام الواحد، لأنه يحقق هامش ربح مقبولاً للفلاح، ويشجعه على التوسع في زراعة القمح في المواسم القادمة.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن تسرب القمح إلى الأسواق الموازية يبقى مرتبطاً بفارق السعر، فإذا كان السعر في السوق الموازية أعلى من السعر الحكومي فقد يتجه بعض المنتجين للبيع خارج القنوات الرسمية، أما إذا كان السعر الحكومي منافساً أو أعلى، فمن غير المرجح حدوث ذلك، ما يجعل سياسة التسعير عاملاً محورياً في ضبط السوق وضمان استقرار عملية التسويق.
كما لفت عفيف إلى جملة من التحديات التي تواجه الفلاحين خلال الموسم الحالي، أبرزها تمويل العملية الزراعية بشكل متكامل،
موضحاً أن توفير البذار والأسمدة عبر قروض ميسّرة خطوة مهمة، لكنها غير كافية، إذ تبقى هناك تكاليف إضافية يتحملها الفلاح مثل أجور الحصاد، وتكاليف الري في حال الحاجة إليه، إضافة إلى أسعار المحروقات اللازمة لتشغيل الآليات الزراعية.
وأكد أن دعم هذه الجوانب يشكل عنصراً أساسياً في إنجاح الموسم الزراعي.
ويختلف الموسم الحالي عن المواسم السابقة، لا سيما من حيث تحسن معدلات الهطولات المطرية، بعد أن شهد العام الماضي ظروف جفاف أثرت سلبياً على الإنتاج.
وأبدى عفيف تفاؤله بأن يكون هذا الموسم موسم خير، وأن تسهم الظروف المناخية الملائمة في تحقيق إنتاج يلبي احتياجات البلاد من القمح، مع التأكيد على ضرورة استمرار الدعم الحكومي للفلاحين لضمان استدامة هذا القطاع الحيوي.
الثورة السورية – رولا عيسى













