
أثار مشروع استثمار حديقة الكواكبي في مدينة حلب نقاشاً بين مؤيدين يرون فيه فرصة لإعادة تأهيل أحد المتنفسات العامة وتحسين خدماته، ومنتقدين يخشون تأثير الأعمال الإنشائية في الأشجار المعمرة والمساحات الخضراء، أو تقليص الدور العام للحديقة لمصلحة الأنشطة التجارية.
وبينما تؤكد الجهات المعنية أن المشروع يستهدف تطوير البنية التحتية والمرافق وزيادة المساحات الخضراء، يطالب مواطنون بالكشف عن تفاصيل المخطط الهندسي ومصير الأشجار، وحجم المساحة التي ستبقى متاحة للتنزه المجاني.
وكان مجلس مدينة حلب أعلن في 24 آب 2026 توقيع عقد تصميم وتأهيل وتنفيذ وإشغال واستثمار حديقة الكواكبي مع شركة خاصة.
ويمتد المشروع، بحسب رئيس مجلس المدينة طلال الجابري، على مساحة تقارب 22,500 متر مربع، باستثمار رأسمالي معلن لا يقل عن 2.5 مليون دولار أميركي، ويتضمن تأهيل البنية التحتية والمساحات الخضراء، وتطوير ألعاب الأطفال والمرافق الرياضية والخدمية، وإنشاء مطاعم وأكشاك ومناطق جلوس ومواقف سيارات، إلى جانب اعتماد أنظمة للطاقة المتجددة.
وتبلغ مدة التنفيذ المعلنة 18 شهراً، تليها مدة استثمار تمتد إلى 15 عاماً.
وأثار المشروع مطالب بالكشف عن شروط العقد والتزامات المستثمر والعائد المالي المتوقع لمجلس المدينة، وطبيعة الخدمات المجانية التي ستبقى متاحة للمواطنين، إضافة إلى أثر المشروع في المساحات الخضراء.
مخاوف من الأعمال الإنشائية
عبّر عدد من المواطنين عن مخاوفهم من تأثير الأعمال الجارية في الأشجار والغطاء النباتي في الحدائق العامة، ومنها حديقتا الخالدية والكواكبي، وطالبوا بتوضيح طبيعة المنشآت ومساحة الحفر ومدى توافق التنفيذ مع المخطط المعلن.
ويرى سامر الباشا، الذي يسكن في بناء مجاور لحديقة الكواكبي ويطل عليها، أن استثمار الحدائق لا يعني قطع أشجار عمرها عشرات السنين واستبدال مساحاتها المجانية بمشاريع ربحية، مطالباً الجهات المعنية بزيارة الحديقة والاطلاع على الحفر التي نفذت لصالح الكتل الإسمنتية.
من جانبه، اعتبر رئيس مجلس إدارة مبادرة أهالي حلب طريف عطورة أن النقاش حول استثمار الحدائق العامة يجب ألا يختزل في تأييد الاستثمار أو رفضه، وإنما ينطلق من كيفية تطوير مرافق المدينة وتحسين خدماتها مع الحفاظ على وظائفها البيئية والاجتماعية وحق المواطنين في الانتفاع بها.
وقال عطورة: «نحن مع الاستثمار المسؤول الذي يضيف قيمة حقيقية للمدينة»، مشيراً إلى أن المخاوف تتركز على تقدم الجدوى التجارية على المصلحة العامة، وتأثر حماية الأشجار والمساحات الخضراء وحق الوصول المجاني.
وأوضح أن الحديقة العامة مرفق عام وجزء من البنية التحتية للمدينة، لما تؤديه من دور في تخفيف آثار الحرارة وتحسين البيئة المحلية وتوفير الظل ومساحات الترفيه والتفاعل الاجتماعي، ولا سيما لمحدودي الدخل.
ولا يعترض كثير من أهالي حلب، بحسب عطورة، على إقامة مرافق خدمية مدروسة داخل الحدائق، مثل المقاهي الصغيرة والمرافق الصحية والخدمات الضرورية، شريطة ألا تطغى المنشآت والمواقف والممرات المعبدة على الأشجار والتربة والمساحات المفتوحة.
ودعا إلى نشر المخططات المعتمدة التي تبين مساحة المباني والمواقف والمناطق المعبدة والمساحات الخضراء، وتحدد الأشجار المعمرة التي ستُحفظ أو تتأثر، مع مقارنة المخطط المعلن بما ينفذ على الأرض، معتبراً أن هذا المبدأ ينطبق على الحدائق العامة التي تدخلها الاستثمارات في المحافظات.
مطالب بكشف مساحي
وأثارت الأعمال الجارية في حديقة الكواكبي، وفق عطورة، تساؤلات حول مدى تطابق المخطط المعلن مع التنفيذ، ولا سيما مع الحفريات وإنشاء الجدران الاستنادية.
ويتضمن المشروع، وفق المخطط المعلن، مطاعم ومقاهي وتوسعات خدمية ومواقف سيارات طابقية، ما يستدعي، بحسب عطورة، تحديد المساحة الإجمالية التي ستشغلها هذه المنشآت أو تتأثر بها، وعدم الاكتفاء بحساب مساحة المباني وحدها، مع إدخال الحفريات والتسوية والتبليط والمواقف والتجهيزات المرتبطة بالمشروع ضمن التقييم.
ودعا إلى إجراء كشف مساحي مستقل ومقارنة المخططات المصدقة بالتنفيذ الفعلي، لمعرفة المساحة الخضراء التي ستبقى ومدى الحفاظ على الأشجار والتربة، وتأثير الحفريات والجدران الاستنادية في البيئة المحلية وتصريف مياه الأمطار.
ويرى عطورة أن النقاش الذي شهدته الأوساط العامة ومواقع التواصل الاجتماعي لا ينطلق من رفض الاستثمار، وإنما من التساؤل عن وجود فجوة محتملة بين النسب المعلنة وحجم التدخلات الفعلية، والأساس القانوني والفني للمشروع، وكيفية الحفاظ على الوظيفة العامة للحديقة.
كما أشار إلى أن الأعمال الجارية في حديقة الخالدية تثير مخاوف مماثلة، معتبراً أن التدخل يمتد فيها إلى كامل المساحة الخضراء.
وأكد ضرورة التحقق ميدانياً من المساحة التي أزيل غطاؤها النباتي أو تغير استخدامها، وما سيبقى من مساحات خضراء قابلة للزراعة، إلى جانب مراعاة احتياجات الأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير الظل والمقاعد والممرات الآمنة والمرافق المناسبة.
أشجار عمرها عقود
ووصف عامر الطحان حديقة الكواكبي بأنها حديقة عريقة أقيمت على أرض شديدة الانحدار، يصل الفرق بين منسوبيها الأدنى والأعلى إلى 15 متراً على الأقل، وزرعت على شكل مصاطب، ما منحها طابعاً مميزاً في المدينة.
وأشار إلى أهمية المساحات الخضراء في جودة الحياة والاستدامة الحضرية وتأثيرها في الصحة العامة والمناخ المحلي والبيئة.
واتهم الطحان المستثمر بقلع أشجار حراجية يزيد عمرها على 50 عاماً، معتبراً أنه كان بالإمكان تأهيل الحديقة من خلال تغيير البلاط المتكسر، وتعديل الأرصفة، وإضافة إنارة تعمل بالطاقة الشمسية، وتخصيص مسارات للدراجات الهوائية، وتطوير أنظمة الري وتركيب تجهيزات رياضية مجانية وألعاب للأطفال، من دون قلع الأشجار.
وتساءل عن موقع حملات التشجير والمشاريع المدعومة دولياً ومحلياً من المشروع الجاري في الحديقة.
مديرية الحدائق ترد
في المقابل، أكد مدير مديرية الحدائق في حلب عبد الرزاق الصالح، في تصريح لـ«الثورة السورية»، أن البقعة المخصصة لإقامة المنشآت الاستثمارية داخل حديقة الكواكبي خالية من الأشجار منذ أكثر من عشر سنوات.
وأوضح أن المديرية لا تسمح بقطع الأشجار الخضراء لمصلحة المشاريع الاستثمارية، وأن الأشجار التي تعترض الأعمال ويتعذر الإبقاء عليها في مواقعها يجري نقلها، فيما يحتاج التعامل مع الأشجار اليابسة أو المتضررة إلى موافقات رسمية وتعويضها بزراعة أشجار جديدة.
وبحسب الصالح، تستهدف أعمال التأهيل زيادة المساحات الخضراء وزراعة آلاف النباتات وإنشاء مروج ونوافير واعتماد أنظمة ري حديثة، مشيراً إلى وجود لجنة تتابع أعمال المستثمرين ومدى التزامهم بالشروط المحددة.
وأكد إجراء إحصاء للأشجار المعمرة في الحديقة، ووجود فريق إشراف ميداني يتابع الأعمال بصورة دائمة.
وأشار إلى أن الحديقة عانت الإهمال طوال 15 عاماً، ما أدى إلى يباس عدد كبير من الأشجار نتيجة غياب الري والمتابعة، مؤكداً أن الأشجار اليابسة وحدها هي التي اقتُلعت.
10 بالمئة للاستثمار
وعن المساحة المحددة للاستثمار وإمكانية التوسع فيها على حساب المساحات الخضراء، أكد الصالح أن المستثمر ملتزم بالمساحة المخصصة، والبالغة 10 بالمئة فقط، وأنه لا يوجد تجاوز لهذه النسبة.
وأوضح أن المتعهد ينشئ جدراناً استنادية للأسوار الترابية خشية سقوطها وتدهور الطريقين المجاورين للحديقة، كما يتضمن المشروع إنشاء موقف سيارات تحت الأرض للتخفيف من الازدحام، إلى جانب نوافير وزيادة المساحات الخضراء.
ولم يقتصر النقاش حول المشروع على مصير الأشجار والتصميم، إذ امتد إلى أولوية استثمار الحدائق مقارنة باحتياجات خدمية أخرى في المدينة.
ويرى جمال سماقية أن إصلاح الطرق المتضررة وتحسين النظافة وترميم الأحياء ومعالجة المشكلات الخدمية اليومية ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر.
في المقابل، اعتبرت شيرين عابو أن استثمار المرافق العامة المهملة خطوة إيجابية يمكن أن تولد إيرادات تساعد مجلس المدينة على توفير الآليات والمعدات اللازمة لعمله.
وترى أن إعادة تأهيل الحديقة وتطوير مرافقها وتحسين المساحات الخضراء والخدمات الترفيهية يمكن أن تحقق منفعة عامة، شريطة ألا يتحول المتنفس العام إلى مساحة محدودة الانتفاع.
ويضع الجدل حول حديقة الكواكبي المشروع أمام مسألتين ستحددان أثره بعد اكتمال التنفيذ: مدى الالتزام بنسبة الـ10 بالمئة المخصصة للاستثمار والحفاظ على الأشجار والمساحات الخضراء، وحجم المساحة والخدمات التي ستبقى متاحة للمواطنين داخل الحديقة.
الثورة السورية – لينا إسماعيل













