
تتحول كلفة السكن في المدن السورية إلى عبء متزايد على الأسر مع ارتفاع بدلات الإيجار وتراجع القدرة الشرائية للدخل في وقت لا تزال فيه أضرار الحرب وارتفاع تكاليف البناء والترميم تحد من توافر المساكن.
وبين من يقتطع جزءا كبيرا من راتبه لتأمين منزل، ومن يضطر إلى الانتقال نحو أطراف المدن، وعائدين يواجهون صعوبة في العثور على مسكن مناسب، تتسع الفجوة بين كلفة الإيجار والإمكانات المالية للمستأجرين، لتصبح أزمة السكن عاملا مؤثرا في الاستقرار المعيشي والاجتماعي.
في دمشق، يدفع الموظف محمد الخليل نحو 400 دولار شهريا بدل إيجار من راتب يبلغ قرابة 700 دولار، فلا يتبقى له سوى 300 دولار لتغطية بقية نفقاته.
وفي حلب، اضطر أحمد الباشا إلى مغادرة حي الميدان، وسط المدينة، والانتقال إلى ضواحيها بسبب ارتفاع كلفة استئجار منزله، لكنه واجه أعباء إضافية نتيجة بعد المسكن عن عمله وارتفاع نفقات المواصلات.
أما في اللاذقية، فاستمر بحث عبد الله شماط، العائد من تركيا، عن منزل لأكثر من شهرين، قبل أن يستأجر مسكنا في ضواحي المدينة مقابل 250 دولارا شهريا.
وتكشف هذه التجارب اختلاف وجوه أزمة السكن بين المدن السورية، لكنها تتقاطع عند صعوبة تأمين مسكن مناسب من دون استنزاف الدخل، في سوق تتأثر بمحدودية المعروض السكني وارتفاع تكاليف البناء والترميم، إلى جانب اعتماد الدولار في تحديد بدلات الإيجار في عدد من المناطق.
وتأتي الضغوط على المستأجرين في ظل فجوة واسعة بين الحاجة إلى المساكن والمعروض المتاح.
ووفق أرقام أعلنتها وزارة الأشغال العامة والإسكان السورية، بلغت الفجوة السكنية نحو 1.9 مليون وحدة عام 2025، في حين قدّر المخزون السكني بنحو 4.25 ملايين وحدة، وعدد المساكن المتضررة بنحو 1.32 مليون وحدة بدرجات متفاوتة.
وحذرت الوزارة من احتمال ارتفاع الفجوة إلى 2.5 مليون وحدة بحلول عام 2030 إذا لم تتسارع وتيرة زيادة المعروض السكني. كما أعلنت استهداف إنتاج ومعالجة نحو مليوني وحدة حتى عام 2035، من خلال استكمال المشاريع القائمة والمتعثرة وتأهيل المساكن القابلة للإصلاح، وإعادة بناء المساكن المتضررة، وتوفير وحدات جديدة وفق احتياجات المحافظات.
ولا يعني وجود مساكن متضررة أنها جميعا غير صالحة للسكن، لكن إصلاحها يحتاج إلى تمويل ومواد بناء وعمالة، فيما يتطلب بناء وحدات جديدة وقتا واستثمارات كبيرة.
وبينما تبقى بعض العقارات خارج الاستخدام، تتزايد الحاجة إلى مساكن في المدن التي تستقطب السكان بحثا عن فرص العمل والخدمات، ما يضغط على الوحدات المتاحة ويرفع المنافسة عليها. وتتفاوت بدلات الإيجار بين المدن السورية وأحيائها تبعا لموقع العقار ومساحته وحالته ومستوى الخدمات المتوافرة فيه.
وبحسب رصد ميداني لأسعار معروضة في السوق، تبدأ الإيجارات في بعض الأحياء الشعبية بدمشق مما بين 150 و200 دولار شهريا، فيما تصل في أحياء أخرى إلى 800 دولار وأكثر. وفي اللاذقية، تراوح الأسعار المرصودة بين 200 و500 دولار شهريا.
ويقول الباحث والأكاديمي الاقتصادي ياسر الحسين، في حديث إلى “العربي الجديد”، إن ارتفاع الإيجارات لا يعود إلى عامل واحد، بل يرتبط أساسا باختلال التوازن بين العرض والطلب.
ويوضح أن الأضرار التي لحقت بالمساكن خلال سنوات الحرب، إلى جانب عودة السكان والنازحين وانتقال الأسر إلى المدن بحثا عن فرص العمل والخدمات، تزيد الطلب على وحدات سكنية لا يتوسع المعروض منها بالوتيرة نفسها.
ويشير الحسين إلى أن ارتفاع تكاليف البناء والمواد والعمالة والطاقة والنقل والصيانة يحدّ من قدرة السوق على توفير مساكن جديدة، كما يؤثر في كلفة إصلاح الأبنية القائمة.
وفي ظل هذه الظروف يصبح توسيع المعروض السكني مرتبطا بقدرة المالكين والمستثمرين على تمويل البناء والترميم، وبمدى توافر بنية تحتية وخدمات تسمح بتحويل الوحدات السكنية إلى مساكن قابلة للاستخدام، وفق الحسين.
ومع ارتفاع الإيجارات في بعض الأحياء، تصبح الضواحي خيارا أمام المستأجرين الباحثين عن مساكن أقل كلفة. لكن هذا الانتقال قد ينقل جزءا من العبء إلى نفقات أخرى، ولا سيما المواصلات والوقت اللازم للوصول إلى أماكن العمل والخدمات.
ويشير الحسين إلى أن تفاوت الأسعار بين الأحياء لا يرتبط بالمساحة أو جودة البناء وحدهما، بل يتأثر أيضا بمستوى الأمان والخدمات، والقرب من المرافق الصحية والتعليمية والأسواق، وتوافر وسائل النقل.
ولهذا قد يكون المنزل الأقل كلفة أبعد عن مصادر الدخل والخدمات، ما يفرض على الأسرة حساب النفقات الإجمالية قبل اتخاذ قرار الانتقال.
ولا تنحصر صعوبات السكن بالمقيمين داخل المدن بل تمتد إلى العائدين من الخارج الذين يحتاجون إلى تأمين مساكن تسمح لهم بإعادة بناء حياتهم والاستقرار. وقد يتطلب العثور على منزل مناسب وقتا طويلا، خصوصا عندما تكون الخيارات محدودة أو تتجاوز الأسعار الإمكانات المالية المتاحة.
وتوضح تجربة عبد الله شماط العائد من تركيا إلى اللاذقية وبحثه لأكثر من شهرين قبل أن يستأجر منزلاً في ضواحي المدينة مقابل 250 دولارا شهريا، وفق ما يروي لـ”العربي الجديد”، أن العودة لا تنهي التحديات المعيشية، إذ يبقى السكن أحد أبرز شروط الاستقرار إلى جانب تأمين الدخل والعمل والخدمات.
ويربط الحسين ارتفاع الطلب على المساكن بعودة السكان والنازحين، وبانتقال أسر من مناطق تفتقر إلى فرص العمل والخدمات إلى المدن التي تتركز فيها الأنشطة الاقتصادية. ويتزامن هذا الطلب مع محدودية المعروض، نتيجة الأضرار التي لحقت بالأبنية وعدم كفاية البناء الجديد لتعويض النقص.
ومن جهته، يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم، في حديث إلى “العربي الجديد”، أن عودة النازحين واللاجئين من المخيمات وتركيا ودول أخرى تضيف طلبا إلى سوق السكن، لكن أثرها يختلف باختلاف أوضاع العائدين وقدرتهم المالية.
فبعض الأسر تعود بمدخرات تساعدها على الاستئجار أو شراء مسكن، بينما تواجه أسر أخرى صعوبة في تأمين الإيجار، خصوصا إذا لم يتوافر لها عمل مستقر.
ويشير الكريم إلى أن أزمة الإيجارات ترتبط أيضا بارتفاع تكاليف البناء والتحول في تكاليف الإنتاج إلى جانب الأضرار التي لحقت بالمساكن وغياب التمويل الكافي لإعادة تأهيلها. فمالك العقار المتضرر قد لا يملك الموارد اللازمة لإصلاحه، فيما قد تتجاوز كلفة الترميم ما يستطيع توفيره من دخل أو مدخرات.
ويؤدي تأخر الإصلاحات إلى بقاء وحدات سكنية خارج الاستخدام، ما يحد من الخيارات المتاحة أمام المستأجرين. كما أن انتقال ملكية عقار من شخص إلى آخر لا يعني زيادة عدد المساكن المتوافرة للإيجار، إذ إن زيادة المعروض الفعلي تتطلب إعادة الأبنية المتضررة إلى الخدمة وإنشاء وحدات جديدة.
ويلفت الكريم إلى أن دخول شركات التطوير العقاري وتوقعات إقامة مشاريع استثمارية قد يؤثران في أسعار الأراضي والعقارات في مناطق معينة، خصوصا عندما يتوقع المالكون زيادة الطلب مستقبلا،
لكنه يشير إلى أن الأسعار تتأثر أيضا بتوزع الخدمات وفرص العمل وطبيعة المنطقة، وأن فهم حركة السوق يحتاج إلى بيانات واضحة عن العقارات المعروضة والصفقات الفعلية والطلب على الإيجار.
ومن العوامل المؤثرة كذلك غياب بيانات استرشادية شاملة عن أسعار الإيجارات في المدن والأحياء، ما يجعل تقدير السعر في بعض الحالات خاضعا لتوقعات المالكين وتفاوضهم مع المستأجرين، بدلا من الاستناد إلى مؤشرات سوقية واضحة.
ويصعّب ذلك على الأسر، وفق الكريم، مقارنة الخيارات المتاحة أو تقدير ما إذا كان الإيجار المطلوب يتناسب مع مواصفات العقار وموقعه.
ويمثل اعتماد الدولار في تحديد بدلات الإيجار عبئا إضافيا على المستأجرين الذين يتقاضون دخولهم بالليرة السورية. فبينما يحاول بعض المالكين الحفاظ على القيمة الفعلية لعائداتهم في مواجهة تقلبات سعر الصرف، يجد المستأجر نفسه مضطرا إلى تدبير مبلغ قد تتغير كلفته بالليرة، حتى لو بقي الإيجار بالدولار ثابتا.
ويشير الحسين إلى أن الدولرة لا تخلق نقص المساكن بحد ذاتها، لكنها تنقل جانبا من مخاطر تقلب سعر الصرف إلى المستأجر، خصوصا عندما يكون دخله بالعملة المحلية. وتزداد الضغوط عندما تتزامن كلفة الإيجار مع ارتفاع نفقات الغذاء والنقل والخدمات الأساسية.
ويرى الكريم أن العقار قد يتحول، في ظل الاضطرابات النقدية وضعف البدائل الاستثمارية، من وسيلة لتأمين السكن إلى أداة للادخار وحفظ القيمة. وقد تدفع المخاوف من تراجع قيمة العملة بعض المالكين إلى تسعير الإيجارات بالدولار بينما تؤثر توقعات ارتفاع الأسعار في قراراتهم بشأن قيمة الإيجار وشروط العقد.
ولا يعني ذلك أن الدولرة وحدها تفسر ارتفاع الإيجارات، إذ تبقى محدودية المعروض وارتفاع تكاليف البناء والطلب في مناطق محددة عوامل أساسية. لكنها تزيد صعوبة التخطيط المالي للأسر التي تتقاضى رواتبها بالليرة وتضطر إلى تدبير الإيجار بعملة أخرى.
وتوضح الأرقام الحكومية أن أزمة السكن تتجاوز الحالات الفردية، مع فجوة مقدّرة بملايين الوحدات بين الاحتياجات والمعروض.
لكن تقليص هذه الفجوة لا يرتبط ببناء مساكن جديدة فقط، بل أيضا بإعادة تأهيل الأبنية القابلة للإصلاح، وتوفير التمويل اللازم للترميم، وتحسين الخدمات والبنية التحتية في المناطق التي يمكن أن تستوعب توسعا عمرانيا.
كما أن توفير بيانات دورية عن الإيجارات والدخول والعقارات المتاحة يمكن أن يساعد في تحديد حجم العبء الذي تتحمله الأسر، وفهم الفروق بين المدن والأحياء، بدلا من الاعتماد على أسعار متفرقة لا تمثل السوق بأكمله.
حسام رستم














