
أخذت الدراما السورية قوتها من قدرتها على تحويل الحكاية المحلية إلى قصةٍ يمكن أن تدخل أي بيتٍ عربي،
وجاءت خصوصيتها من جرأتها على طرح الأسئلة، فالسرد يبني هوية الشخصية، وهوية الحكاية بدورها تصنع تلك الشخصية.
وعلى امتداد عقودٍ مضت، استطاعت الدراما السورية أن تشقّ لنفسها مكانةً خاصة في الوجدان العربي، فتعززت تجربتها وانطلقت عميقاً في خصوصيتها المحلية،
مقدّمةً الإنسان السوري بما يحمله من قيمٍ وأحلامٍ وتناقضات، فكانت حكاياتها محليةً في تفاصيلها، إنسانيةً في أفقها، وعربيةَ التأثير.
ومع اتساع أسواق الإنتاج، وتبدّل أنماط المشاهدة وظهور الأعمال المشتركة، يعود سؤال الهوية السورية ليطرح نفسه من جديد أين تتجلّى هذه الهوية؟ وهل لا تزال حاضرة بالقوة ذاتها التي صنعت مجد الدراما السورية؟
المحلية التي صنعت الانتشار
يرى رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون علي عنيز خلال حديثه لـ “الثورة السورية” أن العلاقة بين الهوية ومتطلبات السوق ليست علاقة تناقض، وإنما علاقة تكامل قادرة على منح العمل الفني قوته وفرادته.
ويوضح: “الهوية الثقافية لأي عمل فني ليست عبئاً تسويقياً عليه، هي العلامة التجارية التي تمنحه مزايا وجواز عبور وتحقق له تنافسية في السوق العربية المكتظة”،
ويضيف: “إن متطلبات التسويق اليوم تفرض علينا تقديم جودة بصرية وإنتاجية عالية لكن هذا التطور التقني يجب أن يكون في خدمة القصة المحلية والعمق الإنساني”.
ويؤكد أن نجاح الدراما السورية لم يكن وليد المصادفة، بل نتاج تمسكها بجذورها الثقافية وقدرتها على تحويل خصوصيتها إلى لغة يفهمها الجميع،
موضحاً: “الإنتاج الذكي هو الذي يستطيع تحويل الخصوصية الثقافية إلى مادة جاذبة للمشاهد العربي فالعالمية والانتشار يبدأان دائماً من الإغراق في المحلية، وهذا ما ميز الدراما السورية المحلية منذ بداية انتشارها وتوسع دائرة ظهورها رغم أن معظم سردياتها محلية بالمطلق ولكن لامست الحس الإنساني ودغدغت عواطف المتلقي”.
في قراءته لذائقة الجمهور العربي، يرى العنيز أن الأعمال المشتركة فرضت حضورها، غير أنها لم تستطع أن تلغي الحاجة إلى العمل السوري الأصيل، عن ذلك يقول: “الجمهور العربي ذواق ومتنوع وهو يتابع الأعمال المشتركة أو العابرة للحدود كنوع من التنوع البصري والقصصي والاطلاع على الثقافات لبلاد مجاورة لبلده،
ولكنه لم ولن يتوقف عن بحث الخصوصية للدراما السورية التي لها نكهة خاصة ترتبط بالواقعية وعمق الأداء والجرأة في الطرح وسقفها المرتفع ضمن حدود المنطق واحترام الأسر والمجتمعات العربية وقربها من وجدان الشارع العربي”.
الإخلاص بوصفه هوية
يعيد الفنان تيسير إدريس تعريف الهوية في الدراما السورية من زاوية مختلفة بعيداً عن الجغرافيا واللهجات والبيئات، ليضعها في جوهر العملية الفنية نفسها، يقول لـ “الثورة السورية: “الملامح هي الإخلاص في العمل”، وهذا الإخلاص الذي وضعه ركيزة لحديثه عن التجربة السورية،
إذ يضيف: “من هنا ترسخت الهوية السورية في الدراما، فكل العاملين في هذا المجال يتفانون بإخلاص في تقديم العمل الفني السوري، من مخرجين وممثلين وفنيي الإضاءة والتصوير، كل المشاركين في العمل الفني بلا استثناء، فإذاً الحب والإخلاص الخصلتان اللتان شكلتا الهوية السورية في الدراما”.
شهدت صورة الإنسان السوري في الأعمال الدرامية تحولات خلال المرحلة الراهنة مقارنة بالماضي، عن ذلك يقول إدريس: ” الخوف في الأعمال السابقة كان مسيطراً، أما الآن فنتكلم كما نريد”، ويؤكد أن وظيفة الفن تسعى إلى تطوير الواقع والارتقاء به، موضحاً: “الفن هو نقل الواقع المعيش، ولكن بشكل تغييري نحو الأفضل”.
ويرفض إدريس النظر إلى انتشار الفنان السوري خارج حدود بلاده وكأنه تنازل عن الهوية، إذ يقول: “من حق الفنان أن ينتشر، وخاصة إذا كان الدور الذي يقدمه مغرياً فنياً، فلا بأس من الانتشار”،
وعن الشخصيات التي قدمها خلال مسيرته الفنية، يرى أن المعيار الحقيقي يكمن في الصدق، قائلاً: “كل الشخصيات التي قدمتها كانت تلامس الناس في سوريا، المهم أن تؤديها بصدق وإخلاص، أن تبحث في أعماقها، في كيفية تفكيرها، فالأصالة والإخلاص والكرم والإخلاص هي أساس الشخصية الصادقة لدى السوريين”.
الانتشار والفرصة
يرى الفنان غسان الدبس أن تنوع الشخصيات التي يقدمها الممثل لا يتعارض مع هويته المحلية، موضحاً لـ “الثورة السورية” أن طبيعة العمل الفني تفرض الانتقال بين بيئات وأزمنة مختلفة من دون التخلي عن الانتماء السوري،
ويقول: “الفنان، سواء أكان سورياً أم عربياً أم عالمياً، يخضع لعملية فنية تفرضها الشخصية والنص والحدث المطروح”، مؤكداً أن تقديم شخصيات عربية أو عالمية لا يعني الخروج من الإطار الفني السوري. ويضيف: “حين أؤدي شخصية تاريخية مرتبطة بزمان ومكان معينين، فإن ذلك لا يعني أنني تخلّيت عن شخصيتي الفنية السورية أو هويتي المحلية”،
كما يشدد على أهمية حضور الفنان السوري خارج الحدود، قائلاً: “يهمني الانتشار العربي والعالمي للممثل السوري، وأرى أن الفنان عندما ينجح خارج حدود بلده فإنه يحمل معه شخصيته السورية وخبرته المحلية”.
يربط الدبس خلال حديثه عن واقع المهنة بين تحديات الإنتاج والحفاظ على الهوية، مشيراً إلى أن الظروف المعيشية تدفع بعض الفنانين للعمل في أسواق أخرى بحثاً عن مردود أفضل، عن ذلك يقول: “أحياناً تدفعنا الظروف المعيشية والمردود المادي إلى العمل في أماكن أخرى”،
ويرفض اختزال الهوية السورية في نموذج واحد، مؤكداً: “لدينا تنوع كبير في البيئات واللهجات والثقافات المحلية، وهذا التنوع يمنح الدراما السورية ثراءً كبيراً”، ويختم بالقول: “كلما أبدعنا في شخصيتنا المحلية ازددنا قدرة على الوصول إلى الجمهور العربي والعالمي”.
الدراما والنقد الذاتي
يكشف الناقد طارق حميد لـ “الثورة السورية” أن الهوية السورية ليست قالباً ثابتاً يمكن اختزاله في لهجة أو بيئة أو شكل إنتاجي محدد، ففي رأيه: “الهوية التي صنعت حضور الدراما السورية عربياً تشكلت من عناصر متعددة، أبرزها الصدق الفني والخصوصية المحلية، إلى جانب القدرة على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى أسئلة إنسانية تتجاوز الحدود”.
ويضيف: “لقد نجحت أعمال سورية كثيرة لأنها لم تتعامل مع المحلية بوصفها قيداً، تعاملت معها بوصفها بوابة نحو العالمية، فكلما اقتربت الحكاية من واقعها الحقيقي، ازدادت قدرتها على الوصول إلى المتلقي أينما كان”.
ويختم حديثه: “يبدو التحدي الحقيقي أمام الدراما السورية اليوم مرتبطاً بالحفاظ على جوهرها الإنساني، لا بالشكل الخارجي وحده، فحين تكون الشخصية صادقة، والحكاية نابعة من نبض المجتمع، تبقى الهوية حاضرة حتى وإن تبدلت الأزمنة وأدوات الإنتاج”.
تظل الهوية السورية في الدراما أشبه بنبع عميق يتجدد باستمرار، قد تتغير الأشكال وتتبدل الأساليب، لكن جوهرها يبقى كامناً في الصدق والإخلاص والقدرة على ملامسة الإنسان.
وبين رؤية ترى أن المحلية هي طريق الانتشار، وأخرى تؤكد أن حب المهنة والإخلاص هما أساس الهوية، وثالثة تدعو إلى منح الفنانين فرصاً أوسع للحضور والإبداع، تتشكل صورة درامية لا تزال قادرة على الدفاع عن خصوصيتها، وعلى مواصلة رحلتها في الوجدان العربي، حاملة معها ذاكرة المكان وروح الإنسان السوري.
الثورة السورية- حسين روماني











