ثقافة وفن

كنيسة قلب لوزة.. تحفة العمارة البيزنطية في الشمال السوري

تتربع كنيسة قلب لوزة على أحد سفوح جبل باريشا شمال غربي إدلب، شاهدةً على مرحلة مزدهرة من تاريخ العمارة البيزنطية في سوريا، ومجسدةً أحد أرقى النماذج المعمارية التي خلفتها الحضارات المتعاقبة في منطقة المدن المنسية.

ووفق الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، تُعد الكنيسة من أبرز المعالم الأثرية المدرجة ضمن موقع “القرى الأثرية في شمال سوريا” المسجل على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2011،

لما تمثله هذه المواقع من قيمة استثنائية في توثيق الحياة الريفية والعمارة الدينية خلال أواخر العصرين الروماني والبيزنطي.

من أجمل الكنائس البيزنطية في سوريا

تقع الكنيسة ضمن قرية قلب لوزة الأثرية على بعد نحو 35 كيلومتراً شمال غربي إدلب، ويُرجح الباحثون أن تاريخ تشييدها يعود إلى النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي وبدايات القرن السادس، لتغدو واحدة من أهم الشواهد المعمارية والدينية في شمال سوريا.

ويختلف الباحثون حول التاريخ الدقيق لبنائها، إلا أن الباحث الأمريكي هوارد كروسبي بتلر أرجع تشييدها إلى نحو عام 480م، فيما رجح الباحث الفرنسي جورج تشالنكو أنها تعود إلى أواخر القرن الخامس الميلادي، وهو ما يتوافق مع معظم الدراسات الأثرية المتخصصة.

مركز للحج والعبادة

يشير عالم الآثار الفرنسي جورج تشالينكو في دراساته حول القرى الأثرية في شمال سوريا، إلى أن قلب لوزة لم تكن مجرد قرية صغيرة، بل مركز ديني مهم استقطب الحجاج والمؤمنين من المناطق المجاورة،

وقد فسّر الباحثون ضخامة الكنيسة واتساع فضائها الداخلي ومكانتها العمرانية كونها مركزاً للحج والعبادة خلال العصر البيزنطي، كما تضم القرية عدداً من المعاصر الصخرية والفنادق القديمة التي كانت مخصصة لاستقبال الزوار.

وتذكر الدراسات أن القرية بقيت مأهولة بالسكان خلال القرن العاشر الميلادي، واستمرت فيها الشعائر الدينية، كما تحولت من الطقس السرياني إلى الطقس البيزنطي خلال تلك المرحلة.

روعة معمارية سبقت عصرها

2 3 كنيسة قلب لوزة.. تحفة العمارة البيزنطية في الشمال السوري ومصدر إلهام عالمي

الكنيسة وفق دراسات تشالينكو بنيت على المخطط البازيليكي المؤلف من ثلاثة أجنحة، ويبلغ طولها نحو 25 متراً وعرضها 15 متراً، وتمثل مرحلة متقدمة في تطور العمارة السورية القديمة، ومن أبرز ما يميزها استبدال الأعمدة التقليدية بدعائم حجرية ضخمة تحمل أقواساً واسعة، وهو حل إنشائي منح المبنى قوةً ومتانةً ووحدةً بصرية مميزة.

كما تضم أربعة أبواب، ثلاثة في الواجهة الجنوبية وواحد في الواجهة الغربية، ويتقدم مدخلها الرئيسي رواق فخم يحيط به برجان بثلاثة طوابق، في تصميم يعكس قدرتها على استيعاب أعداد كبيرة من المصلين.

وتبرز الواجهة الجنوبية بوصفها الأجمل بين واجهات الكنيسة، إذ تحتوي على تسع نوافذ وثلاثة أبواب تتوسطها بوابة رئيسية غنية بالزخارف والنقوش، نُقش فوقها اسما الملاكين ميخائيل وجبرائيل.

مصدر إلهام للعمارة الأوروبية

حظيت كنيسة قلب لوزة باهتمام كبير من الباحثين في تاريخ العمارة، إذ ترى الكاتبة البريطانية ديانا ديريكان في كتابها كيف “شكّلت العمارة الإسلامية أوروبا” أن عدداً من العناصر المعمارية التي اشتهرت بها الكنائس الأوروبية في العصور الوسطى،

ومنها كاتدرائية نوتردام في باريس، يمكن تتبع جذورها إلى نماذج سورية أقدم، وتحديداً كنيسة قلب لوزة التي تمثل أحد أبرز نماذج تطور الواجهات البرجية والتكوينات المعمارية التي انتقلت لاحقاً إلى أوروبا.

جوهر الكنائس السورية

في تصريح لـ سانا، أكد مدير متحف إدلب حسان الإسماعيل أن كنيسة قلب لوزة “تُعد جوهر الكنائس في سوريا، ويتميز بناؤها عن سائر الكنائس بالأقواس الكبيرة القائمة على الدعائم الحجرية بدلاً من الأعمدة، إضافة إلى الزخارف النباتية المستوحاة من طبيعة المنطقة، ولا سيما زخارف الكرمة”.

وأضاف الإسماعيل: “إن الحريق الذي تعرضت له كاتدرائية نوتردام في فرنسا عام 2019 أعاد تسليط الضوء على أهمية كنيسة قلب لوزة،

نظراً إلى ما يراه عدد من الباحثين من تشابهات معمارية بينهما تشمل المساقط والتصاميم والأقواس والأبراج والنوافذ والسقف، علماً أن كاتدرائية نوتردام شُيدت بعد نحو ستة قرون من بناء قلب لوزة”.

أصل التسمية

في كتابه “قلب لوزة.. درة الكنائس السورية”، رأى المؤرخ والباحث الراحل فايز قوصرة، أن اسم “قلب لوزة” يرتبط بالدلالة اللغوية للفعل “لاذ”، أي لجأ واحتمى، مشيراً إلى أن الموقع كان ملاذاً للسكان خلال فترات الاضطراب، وكان يعرف قديماً باسم “قصر لوزة”، قبل أن يتطور الاسم مع اتساع التجمع السكاني واستقرار الأهالي فيه.

تحفة سورية خالدة بما تختزنه من قيمة تاريخية ومعمارية وروحية، تبقى كنيسة قلب لوزة أحد أهم الكنوز الأثرية السورية، ونموذجاً فريداً لعبقرية المعماري السوري في العصر البيزنطي، وشاهداً على الدور الحضاري الذي لعبته سوريا في تشكيل ملامح العمارة الدينية في العالم.

سانا

Related Articles

Back to top button