
حققت الدراما التلفزيونية السورية على مدى عقود حضوراً عربياً لافتاً، واستطاعت في مراحل مختلفة الاقتراب من قضايا المجتمع المحلي، عبر عرض تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية واكبت تبدل ملامح الحياة اليومية في البلاد،
ورغم هذا النتاج الفني الواسع، يظل تمثيل البيئات السورية المختلفة موضوعاً مفتوحاً للنقاش، خاصة عند تقييم المساحة الممنوحة للمناطق البعيدة عن العاصمة، وطريقة تقديم لهجات سكانها، وخصوصياتهم الثقافية والاجتماعية في المشهد التلفزيوني المعاصر.
وهذا التقييم يرتبط بظاهرة مركزية جغرافيا الحكاية التي طغت على الشاشة لسنوات طويلة، حيث استأثرت العاصمة دمشق بالنسبة الأكبر من القصص، وبرزت صورتها في الأعمال المعاصرة والبيئة الشامية كمركز للتطور والوعي والحراك السياسي والثقافي،
وتعود هذه المركزية لعوامل بنيوية واقتصادية واضحة، أبرزها تمركز شركات الإنتاج والمؤسسات الإعلامية في العاصمة، تلبية لشروط السوق التجاري الذي اعتاد نمطاً بصرياً محدداً واستمر في إعادة إنتاجه، ما أدى إلى ظهور مدن ومحافظات أخرى بوتيرة أقل.
وعلى نحو متقطع، عندما قررت الكاميرا التوسع في التغطية نحو مناطق الجنوب أو الشرق، واجهت تلك المناطق تحدي الاختزال والنمذجة في قوالب ضيقة عبر بعض الأعمال، التي تجاهلت حواضرها المدنية ونخبها الفكرية، ما يفتح الباب واسعاً أمام التحقق من ميزان العدالة التمثيلية في هذه الصناعة.
الذهنية الرقابية
تنطلق أزمة التمثيل الدرامي للمحافظات السورية من أبعاد أعمق، ترتبط بطبيعة الخطاب الذي ساد قطاع الإنتاج الثقافي لعقود طويلة، وهو ما يطرحه المخرج محمد عبد العزيز في حديثه لـ “الثورة السورية”،
فأغلبية الأعمال منذ التسعينيات إلى ما قبل 2011، كانت بعيدة عن المعنى الحقيقي للهوية الوطنية المشتركة، وإن كانت بالظاهر تتبنى هذا السبيل وتدّعي العمل لأجله، ويعود ذلك للقيود الصارمة المفروضة من الذهنية الرقابية والسلطوية ذات الاتجاه الواحد، فالمشهد التلفزيوني عانى من انحياز واضح غيب ملامح جغرافيا البلاد الواسعة.
ويؤكد أن الدراما السورية لم تكن يوماً عادلة تجاه المناطق والمدن السورية البعيدة عن المركز، مشيراً إلى أن غياب اللهجات المحلية والمكونات القومية عن الشاشة يعود إلى وجود حالة من الرهاب المستمر من ظهور شكل سوريا الحقيقي بتنوعها القومي والديني والإثني،
إذ شكل هذا التنوع الغني مصدر قلق للمشروع الشمولي ذي الخطاب الخشبي، ما نتج عنه غياب صوت الناس والمكان، وظهور فضاء تلفزيوني يعاني من صمم واضح تجاه التعددية الحية المعيشة في الواقع اليومي.
يتلاقى هذا الطرح مع ما يقدمه الناقد الفني إبراهيم سلوم حول طبيعة التناول الدرامي لمختلف المكونات، إذ يرى خلال حديثه لـ “الثورة السورية” أن هذا التناول عابته عقلية إنتاجية ورقابية مركزية تعمدت تقديم أهالي بعض المناطق في قوالب ساخرة واستهزائية، وصورت الإنسان هناك كشخص بسيط يسكن الخيمة ويدير حياته بمنطق بدائي.
ويشير سلوم إلى أن نصوصاً كثيرة وقعت في هذه النمطية، وغيبت الصورة الواقعية والمدنية المعاصرة للريف والمدينة في تلك المحافظات، متجاهلة وجود المدارس، والجامعات، والنخب الفكرية، والمساهمة الاقتصادية الكبرى لهذه المناطق في الإنتاج الوطني، مستغرباً إغفال قامات فكرية وعلمية خرجت من هذه البيئات مثل الإمام النووي وابن محافظة درعا الشاعر أبو تمام،
والشاعر محمد الفراتي والدكتور عبد السلام العجيلي الذي جمع بين الطب والسياسة والأدب، وكان من أبرز رواد القصة والرواية في العالم العربي، ما يظهر حجم الفجوة بين واقع هذه المدن والتخيل البدائي المستمر المعروض على الشاشات الفضائية.
وتتعمق الأزمة الجغرافية للحكاية عندما تتدخل الحسابات الرقابية لفرض فضاءات مكانية محددة تتناسب مع رغبة المؤسسات في ضبط الخطاب الفني وتوجيهه، حيث يرى عبد العزيز أن حظر تقديم الخصوصيات الثقافية للمحافظات جعل المشهد الفني يعاني من فقر بيئي واضح،
وساهم في بناء وعي مشوه لدى المتلقي الذي بات يرى جغرافية بلاده من خلال منظور المركز فقط، وهو ما يفرغ العمل الدرامي من وظيفته الاجتماعية والتنويرية المفترضة كأداة لتعزيز الروابط المشتركة بين المواطنين على اختلاف بيئاتهم.
وأوضح أن هذا التوجه الرقابي تسبب في عزل المبدعين عن محيطهم الحقيقي، ودفعهم نحو تبني خيارات حكائية آمنة تدور أحداثها داخل غرف ومكاتب العاصمة، متجنبين مشقة السفر والبحث في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات المحلية في المحافظات الشرقية والشمالية والجنوبية، وهو الأمر الذي جعل الأعمال التلفزيونية تتشابه في مضامينها وتعيد إنتاج الصيغ ذاتها من دون تجديد أو ابتكار.
شروط السوق
أمام هذه المآخذ الرقابية والفكرية، تبرز شروط العملية الإنتاجية لتفرض منطقاً مختلفاً يتحكم في خيارات صناع العمل، وفي هذا السياق يوضح الكاتب قاسم الويس لـ “الثورة السورية” أن النص التلفزيوني يتأثر مباشرة بمتطلبات التسويق والطلب التجاري من المحطات الفضائية العربية، فالشركات والمؤسسات الإنتاجية تفكر بعقلية الربح والخسارة،
وتتجه نحو صناعة المنتج الذي يضمن البيع السريع، ما جعل التنوع البيئي يتراجع لسنوات طويلة لصالح اللهجة والبيئة الشامية التي تحولت إلى نكهة خاصة بالدراما السورية ومطلب أساسي للمحطات،
مؤكداً أن تركيز السرديات المدنية والثقافية في مناطق معينة يعود لكون الدراما أصبحت منتجاً تجارياً يُصنع بحسب الطلب، ومن دون وجود دافع تعمد فيه القائمون على صناعة الدراما تهميش مناطق أخرى أو التقليل من قيمتها التاريخية.
ويذهب الويس إلى توصيف الصعوبات المهنية التي واجهت الكتاب، مبيناً أن مساحة الحرية في العقود الماضية كانت محدودة بوجود خطوط حمراء رقابية واضحة تمنع الخوض في تفاصيل معينة، الأمر الذي دفع كثير من المؤلفين ليتحركوا في مساحات آمنة تضمن إجازة نصوصهم وتنفيذها من دون خسائر مالية،
لكنه شخصياً لم يسبق له مواجهة اعتراضات رقابية على أعماله، خاصة عندما تكون المعالجة الدرامية الذاتية للكاتب حاضرة، فهي الكفيلة في الموازنة بين متطلبات السوق وتقديم صورة محترمة تعكس قيم المجتمع.
وفي المقابل، يشير عبد العزيز إلى أن القبول الكامل لشروط السوق ساهم في ظهور “أعمال الاستكتاب الموجهة لصالح جهات إنتاجية أو ممولين يفرضون شروطاً مسبقة، بشكل يلزم الكاتب بصياغة نصوص تتوافق مع معايير تسويقية محددة، وتجبره على تحييد القضايا الاجتماعية الحقيقية والبيئات النائية لتسهيل الإجازة الرقابية والتوزيع الفضائي السريع،
وهو التوجه الذي أسهم في إفراغ النصوص من محتواها الفكري والاجتماعي، ودفع بعض المؤلفين للموافقة على رغبات رأس المال الذي يبحث عن الترفيه ويتجنب الغوص في المشكلات البنيوية والتنموية للمناطق الأخرى، ما رسخ واقع التبعية الفنية للمؤسسات التمويلية وحرم الدراما من التعبير الصادق عن نبض الشارع بمختلف أطيافه وبيئاته.
مسؤولية الكوميديا
ينتقل أثر هذه الشروط التجارية مباشرة إلى العناصر الفنية للعمل الدرامي، وتحديداً طريقة استخدام اللهجات المحلية، وهي النقطة التي يرى سلوم أنها تمثل سقطة مهنية واضحة لصناع القرار الفني، حيث استُخدمت لهجات شرق سوريا وجنوبها في الأعمال الكوميدية واللوحات الانتقادية ضمن سياقات ساخرة وقائمة على التندر،
كما ظهر في مسلسلات شهيرة مثل “مرايا” و”بقعة ضوء”، وهذا التوظيف السطحي ساهم في ترسيخ انطباعات مشوهة لدى الوعي الجمعي، وقلل من القيمة المعرفية والاجتماعية لسكان المحافظات البعيدة،
كما أثار مسلسل “الوسيط” للمخرج هيثم حقي نقاشات بين متابعين من أبناء الجزيرة السورية، إذ رأى البعض أن العمل ركز على جوانب اجتماعية محددة وأعطاها مساحة واسعة على حساب معالم الحياة المدنية والجامعية والثقافية المستقرة في المنطقة منذ عقود.
وهنا، يحمّل محمد عبد العزيز الأعمال الكوميدية جزءاً كبيراً من المسؤولية في تثبيت هذه التصورات الضحلة، فالمشكلة لا تكمن برأيه في تناول الكوميديا لبيئات أو شرائح محددة بذاتها، وإنما في غياب التوازن البصري والدرامي العام على الشاشة،
كما أن غياب الكاميرا الجادة عن تقديم الواقع المعيش والثري للمناطق الشرقية والجنوبية سمح للصورة الساخرة بالاستفراد بالمشهد والتحول إلى مرجعية وحيدة لدى المشاهد،
موضحاً أن هذا الخلل هو نتاج لما يمكن تسميته بعبث الهوية وغياب الرؤية الفنية المتكاملة التي تجمع أطراف البلاد في مشهدية واحدة تعكس الشراكة الحقيقية في الهواء والتراب والخبز، بدلاً من ترك البيئات المحلية عرضة للتبسيط والاستسهال التجاري.
ملامح الإنصاف
رغم هذا التنميط المستمر، يتفق النقاد وصناع المادة الفنية على وجود محطات مضيئة نجحت في كسر الطوق الجغرافي للمركز، وقدمت معالجات درامية منصفة حظيت باحترام واسع،
ويشير الناقد إبراهيم سلوم إلى أن تاريخ الشاشة لم يكن معتماً بالكامل، فظهرت أعمال أسست لوعي مغاير وقدمت مجتمعات الأطراف بكثير من الجدية والخصوصية الثقافية، ويبرز في هذا السياق عدّة أمثلة شكلت علامات فارقة في مسيرة الإنصاف الدرامي للبيئات البعيدة، مثل مسلسل “نهاية رجل شجاع” المأخوذ عن نص الأديب حنا مينه، حيث نجح العمل في تقديم البيئة الساحلية ورجال البحر في أربعينيات القرن العشرين بكامل وعيهم الاجتماعي والسياسي، وظهر الفلاحون والصيادون كقوى واعية تكافح ضد الاستعمار والظلم، ممتلكين حراكاً نقابياً تلاحم فيه الريف مع المدينة بعيداً عن السخرية والتبسيط.
وكذلك، يأتي مسلسل “خان الحرير” للكاتب نهاد سيريس كمثال ثانٍ نجح في تقديم صورة غنية ومستقرة عن النسيج الاجتماعي في الشمال والشرق، مبرزاً العائلات التجارية وحركة الأسواق للمنطقة بصورة حضارية منصفة، إضافة إلى مسلسل “الخربة” للكاتب ممدوح حمادة، فقد قدم معالجة متقدمة للبيئة المحلية في السويداء وجنوب سوريا،
ورغم الطابع الكوميدي للعمل، إلا أن اللهجة لم تكن أداة للتندر بقدر ما كانت لسان حال شخصيات تمتلك وعياً سياسياً وفلسفياً رفيعاً، يناقش صراع الأجيال بين التمسك بالتقاليد والاتصال بالحداثة والجامعات، مبرزاً الريف كفضاء فكري حيوي.
ألغام الرقابة
تعود أسباب ندرة هذه النماذج المضيئة واستمرار غياب الأطراف إلى الصدام الدائم بين طموح المبدع ومقص الرقيب الرسمي، ويبرز ذلك في التحدي الذي واجهه محمد عبد العزيز في مسيرته الفنية، مؤكداً أن غالبية أعماله السينمائية والتلفزيونية تعرضت للمنع الرقابي بسبب محاولتها الصريحة تناول المكونات المجتمعية بكافة أطيافها الدينية والإثنية والقومية.
ويصف العمل الإبداعي في حقبة النظام المخلوع بأنه يشبه السير في حقل من الألغام والممنوعات، حيث فرضت المنظومة الإعلامية تعتيماً كاملاً على المظالم التنموية والاقتصادية التي تعرضت لها المحافظات النائية، واختصرت جغرافيا البلاد في مساحة دمشق لضمان عدم طرح أسئلة حقيقية حول التوزيع العادل للثروة والتنمية الثقافية والسياسية بين المركز والأطراف.
وتظهر آثار هذا التقييد الرقابي بوضوح في حرمان صناع الفن من تقديم مشاريع نوعية تسلط الضوء على مكونات سورية أصيلة وعريقة تمتد جذورها لآلاف السنين في المنطقة،
ويكشف عبد العزيز عن وجود مشاريع فنية عديدة تمنى تقديمها عن الأطراف والمحافظات البعيدة ولم تخرج للنور بسبب العوائق الرقابية والإنتاجية المختلفة، مشيراً إلى وجود شريحتين ثقافيتين زاهيتين في منطقة شمال شرق البلاد، هما الثقافتان الآشورية واليزيدية،
ومؤكداً أن الغوص في تلافيفهما يمثل مشروعاً معرفياً وفنياً مغرياً لصناع الفن والسينما والدراما، غير أن الحصار الرقابي في تلك الفترة وظروف الاستكتاب التجاري حالا دون إنتاج هذه الأعمال، ما أبقى هذه المكونات الهامة خارج إطار التعبير الدرامي الرسمي السائد وحرم الشاشة من مخزون ثقافي وفلكلوري غني.
آفاق التغيير
ينتقل النقاش إلى استشراف مستقبل التمثيل الدرامي والتساؤل عن ملامح المرحلة الحالية وما بعد عام 2011، حيث يرى الكاتب قاسم الويس أن السنوات الماضية شهدت نوعاً من التخوف والتحفظ من الدخول في تفاصيل المكونات المجتمعية تلافياً لتأجيج الخلافات،
غير أن المساحة الحالية تبدو أفضل وأكبر لإعادة بناء الثقة والتعايش المشترك، فلا بدّ من تقديم طروحات إيجابية تبرز نقاط التلاقي والتعاون بين أبناء المحافظات المختلفة، باعتبار أن الدراما تمتلك قدرة هائلة على ترميم الشروخ الاجتماعية،
مؤكداً أن الصناعة اليوم لا تواجه عوائق رقابية أو سياسية تمنع إنتاج أعمال تعيد الاعتبار للمناطق المغيبة، وتظل المسألة محكومة بتوافر شرط التسويق التجاري واقتناع المحطات العارضة بأهمية هذه النصوص وجدواها المالية.
كما يشير عبد العزيز إلى ضرورة تبني نموذج واقعي في الصناعة المعاصرة للفن بكافة أشكاله، بحيث تسمع الشاشة صوت السوريين بكل تنوعهم اللغوي والقومي والثقافي من دون خوف أو مواربة،
وهو ما سيكرس البعد الحضاري والإنساني لبلاد تعد من أزهى البلدان بتعددها، فلا بدّ من “التخلي عن الريبة من الآخر، لكونه يثري تجربتنا الإنسانية والمعرفية”.
نحو دراما المستقبل
بقي تمثيل تنوع المجتمع محكوماً بجدلية معقدة تتقاسم مسؤوليتها حسابات السوق التجاري وكوابح الرقابة السياسية الشمولية، ورغم نجاح هذه الصناعة في تحقيق قفزات تقنية وتسويقية كبرى جعلتها سفيراً للفن السوري في العالم العربي،
إلا أنها تعثرت في تحقيق العدالة التمثيلية الداخلية، واختصرت المكونات الحية للأطراف في صور نمطية مستعارة تخدم الخطاب الأحادي أو تلبي رغبات العرض السريع على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
والانتقال بالدراما السورية نحو فضاء مستقبلي يعبر عن جميع المواطنين باحترام وإنصاف يستدعي مراجعة هذا الإرث والاعتراف بالتعددية، وتطوير هذه الصناعة يتطلب شجاعة فنية قادرة على تبني التعددية الثقافية والقومية كعنصر غنى وقوة، لتقديم المواطن السوري في سياقه الواقعي،
كصانع للمعرفة ومساهم حقيقي في بناء الهوية الوطنية، فالمسؤولية الآن منوطة بالكتّاب والمخرجين لتقديم معالجات جديدة تعكس رؤية سوريا التعددية، بما يضمن تأسيس فن جامع من دون إقصاء أو تمييز فئوي أو ثقافي.
الثورة السورية- محمد الحريري











