ثقافة وفن

ذاكرة المخطوط السوري.. المكتبة الوقفية في حلب على قوائم الإيسيسكو

يشكل تسجيل المكتبة الوقفية في حلب على لائحة التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، محطة ثقافية وحضارية بارزة تعكس الأهمية التاريخية والعلمية لهذا الصرح المعرفي العريق،

وتؤكد المكانة التي تحتلها حلب في تاريخ الثقافة العربية والإسلامية، بوصفها إحدى أهم حواضر العلم وحفظ المعرفة عبر القرون.

ويأتي هذا التسجيل في إطار الجهود الرامية إلى صون التراث الثقافي السوري وإعادة إحياء المؤسسات التاريخية التي أسهمت في تشكيل الوعي العلمي والحضاري للمنطقة، ولا سيما أن المكتبة الوقفية تعد من أبرز خزائن المخطوطات والوثائق التراثية في المشرق العربي.

اعتراف دولي بقيمة الموروث الحلبي

أوضح مدير آثار ومتاحف حلب منير القسقاس في تصريح لـ سانا، أن تسجيل المكتبة الوقفية بحلب على لائحة الإيسيسكو يأتي كخطوة حضارية تعكس عمق الإرث الثقافي والتاريخي لهذه المدينة العريقة، مبيناً أن المكتبة الوقفية تعد شاهداً حياً على التطور الحضاري والعلمي في حلب عبر العصور.

photo 4 2026 06 17 11 31 51 المكتبة الوقفية في حلب على قوائم الإيسيسكو.. ذاكرة المخطوط السوري تستعيد مكانتها الحضارية

وأشار إلى أن إدراج هذا المعلم المهم على لائحة الإيسيسكو يسهم في حمايته والحفاظ عليه، ويعزز مكانة حلب كعاصمة للثقافة الإسلامية، ويفتح المجال أمام الخبراء والباحثين للاطلاع على كنوز هذا المرفق التاريخي،

كما يمثل اعترافاً دولياً بقيمة هذا الموروث ويساعد في تأمين الدعم اللازم لترميمه وصيانته وفق المعايير العالمية، ولا سيما أنه يقع ضمن حرم الجامع الأموي الكبير في حلب، إضافة إلى إدراجه ضمن خريطة السياحة الثقافية الإسلامية.

وأكد القسقاس الترحيب بهذا التسجيل والاستعداد الكامل للتعاون مع الإيسيسكو وكل الجهات المعنية للحفاظ على هوية حلب الإسلامية والعربية، وصون إرثها الحضاري للأجيال القادمة.

الإيسيسكو تعزز حضور أحد أهم معالم التراث العلمي بحلب

بدوره، أكد المشرف على أعمال المكتبات الوقفية في حلب الدكتور محمود مصري، أن إدراج المكتبة ضمن المشاريع الثقافية والتراثية التي تحظى بدعم ورعاية منظمة الإيسيسكو يمثل خطوة نوعية في مسار إعادة إحياء هذا الصرح التاريخي،

ويعكس إدراك المؤسسات الدولية المتخصصة للقيمة العلمية والحضارية التي تختزنها المكتبة بما تحتويه من مخطوطات ووثائق ومقتنيات نادرة.

وأوضح مصري أن المشروع لا يقتصر على الحفاظ على المبنى أو مقتنياته فحسب، بل يتضمن رؤية متكاملة لإعادة تأهيل المكتبة وملحقاتها من المدارس التاريخية وتطويرها كمركز ثقافي وعلمي وبحثي قادر على استعادة دوره في خدمة الباحثين والمهتمين بالتراث العربي والإسلامي.

جذور تمتد إلى قرون من الوقف العلمي

وحول تاريخ المكتبة، أوضح مصري أن المكتبة تعد واحدة من أقدم المكتبات التراثية في سوريا والمنطقة العربية، إذ نشأت نتيجة تقليد حضاري راسخ تمثل في وقف الكتب والمخطوطات على المدارس والمساجد والزوايا والمؤسسات العلمية، حيث اعتاد العلماء والقضاة والأعيان إهداء مكتباتهم الخاصة لخدمة طلبة العلم والباحثين.

وأشار إلى أن البدايات الأولى تعود إلى القرن السابع الهجري عندما أسس عبد الرحمن شرف الدين ابن العجمي المدرسة الشرفية التي ضمت نفائس المخطوطات التي جمعها، لتغدو مع مرور الزمن مركزاً علمياً يقصده العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وأضاف: إن المكتبة تعرضت عبر تاريخها لعدد من النكبات والاضطرابات، قبل أن يعاد إحياؤها في مطلع القرن العشرين على يد مؤرخ حلب ومحدثها الشيخ محمد راغب الطباخ وعدد من العلماء والمهتمين بالتراث، الذين عملوا على جمع المخطوطات الموزعة في المدارس والمساجد والخزائن الوقفية داخل المدينة.

إحياء جديد انطلق مع حلب عاصمة للثقافة الإسلامية

بيّن مصري أن المكتبة شهدت مرحلة جديدة من التطوير مع إعلان حلب عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2006، حيث أعيد تنظيمها وتوسيعها ضمن الصالات الشمالية للجامع الأموي الكبير، وكلفت مديرية الأوقاف فريقاً متخصصاً للإشراف على إعادة إحياء المكتبة وتطوير خدماتها.

وأوضح أن المكتبة استمرت في أداء رسالتها العلمية والثقافية حتى تعرضها للقصف عام 2014، ما ألحق أضراراً كبيرة بالمبنى ومقتنياته، وأدى إلى توقف نشاطها.

كنوز معرفية ووثائق نادرة

تضم المكتبة الوقفية مجموعات واسعة من المخطوطات العربية والإسلامية النادرة في علوم التفسير والحديث والفقه واللغة العربية والأدب والتاريخ والفلك والطب والرياضيات، إضافة إلى وثائق وقفية وسجلات تاريخية تشكل مادة غنية لدراسة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في حلب عبر مئات السنين.

photo 5 2026 06 17 11 31 51 المكتبة الوقفية في حلب على قوائم الإيسيسكو.. ذاكرة المخطوط السوري تستعيد مكانتها الحضارية

كما تحتوي على مجموعة نادرة من الأدوات الفلكية واللوحات الفنية التراثية التي توثق جانباً من التطور العلمي الذي شهدته المدينة في مختلف العصور.

ولفت مصري إلى أن قيمة هذه المجموعات لا تكمن في ندرتها فقط، بل في كونها تمثل تراكمات معرفية أنتجها علماء ومفكرون من حلب ومختلف أنحاء العالم الإسلامي، ما جعل المكتبة مرجعاً مهماً للباحثين في التراث العربي والإسلامي.

حلب ومكانتها في تاريخ المعرفة

ارتبطت المكتبة الوقفية ارتباطاً وثيقاً بالمكانة العلمية التي تمتعت بها حلب على مدى قرون، إذ ازدهرت فيها المدارس والجوامع والخانقاوات التي احتضنت حلقات العلم والتدريس.

وشهدت المدينة خلال العصور الزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، نشاطاً فكرياً واسعاً أسهم في إنتاج آلاف المؤلفات ونسخ المخطوطات، الأمر الذي جعلها أحد أهم مراكز المعرفة في المشرق الإسلامي.

وتعد المكتبة الوقفية اليوم من أبرز الشواهد الحية على ذلك الإرث العلمي، بما تحويه من مقتنيات توثق مراحل متعددة من تاريخ العلوم والثقافة العربية والإسلامية.

استهداف الذاكرة الثقافية

أوضح مصري أن المكتبة الوقفية كانت من بين المؤسسات الثقافية التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال سنوات الثورة، حيث طال القصف أجزاء من مبناها ومقتنياتها، إلا أن جهود الباحثين والمهتمين بالتراث أسهمت في إنقاذ جزء مهم من مقتنياتها،

ومن بينها مخطوطات ووثائق وأدوات فلكية جرى نقلها إلى مناطق آمنة قبل تدمير المكتبة عام 2014، ما ساعد على الحفاظ على جانب مهم من هذا الإرث الثقافي.

من ورشات العمل إلى مشروع الإحياء الشامل

أشار مصري إلى أن مرحلة ما بعد التحرير شهدت انطلاق خطوات عملية لإعادة إحياء المكتبة، حيث أقيمت في حزيران عام 2025 ورشة عمل في إسطنبول برعاية محافظة حلب، أعقبها مؤتمر دولي في حلب نهاية العام ذاته برعاية وزارة الأوقاف وبمشاركة مؤسسات دولية عدة، من بينها الإيسيسكو والألكسو واليونيسكو.

وأوضح أن أبرز مخرجات هذه الفعاليات تمثلت في التبني الرسمي لمشروع إعادة إحياء المكتبة الوقفية وملحقاتها من المدارس التاريخية، لتتحول إلى معلم حضاري يضم مراكز علمية وثقافية وبحثية ومتاحف متخصصة.

الرقمنة وحفظ التراث للأجيال المقبلة

أكد مصري أن مشروع الإحياء الحالي يركز على ترميم المخطوطات المتضررة، ورقمنة المجموعات الخطية النادرة، وتطوير أنظمة الحفظ وفق المعايير الدولية، بما يضمن صون هذا الإرث وإتاحته للباحثين والدارسين.

وأشار إلى أن الإيسيسكو أكدت في أكثر من مناسبة أهمية المكتبة الوقفية باعتبارها أحد المكونات الأساسية في مشروع إحياء تراث حلب المادي واللامادي، نظراً لما تختزنه من قيمة علمية وحضارية استثنائية.

عودة متجددة إلى المشهد الثقافي

شهدت المكتبة خلال الفترة الماضية حضوراً متجدداً في المشهد الثقافي السوري، من خلال مشاركتها في معرض دمشق الدولي للكتاب بعرض نماذج مختارة من مخطوطاتها ونفائسها التراثية، إضافة إلى مساهمتها في تنظيم فعاليات علمية وثقافية متنوعة.

كما احتضنت حلب مؤتمراً دولياً بعنوان «إحياء المكتبة الوقفية بحلب: تأهيل التاريخ لصناعة المستقبل»، شارك فيه خبراء وباحثون ومؤسسات ثقافية عربية ودولية، لوضع رؤية متكاملة لإعادة تفعيل دور المكتبة.

وتضمنت الأنشطة أيضاً ورشة عمل في جامعة حلب بعنوان «إحياء النسيج المعماري لحلب القديمة»، وندوة علمية بعنوان «الحلول القرآنية في عالم الأزمات»، إضافة إلى الإعلان عن دورة متخصصة لتحقيق النصوص لطلبة الدراسات العليا في مدرسة الفردوس، المقر الجديد للمكتبة.

ذاكرة حضارية تتجاوز حدود المكان

لا تمثل المكتبة الوقفية مجرد مركز لحفظ المخطوطات والوثائق، بل تشكل ذاكرة حضارية تختزن قروناً من الإنتاج الفكري والعلمي العربي والإسلامي، وشاهداً على الدور الذي لعبته حلب في صناعة المعرفة ونقلها بين الحضارات.

ومع تسجيلها على قوائم الإيسيسكو واستمرار الجهود الرامية إلى إحيائها وتأهيلها، تستعيد المكتبة الوقفية مكانتها بوصفها إحدى أهم المؤسسات التراثية في سوريا والعالم الإسلامي، ومنارة معرفية قادرة على وصل الماضي بالمستقبل وحفظ صفحات مضيئة من تاريخ الحضارة العربية والإسلامية للأجيال القادمة.

سانا

Related Articles

Back to top button