
قبل أن يضرب قبضته «سوبرمان» أو «كابتن أمريكا» أو «آيرون مان»، يكون المشاهد قد تلقى الرسالة الأهم: هناك قوة أمريكية قادرة على الوصول، والإنقاذ، والمعاقبة، وإعادة النظام حين ينهار العالم.
لهذا لا يمكن التعامل مع أفلام الأبطال الخارقين كترفيه بريء تماماً، فهي متعة بصرية، نعم، لكنها أيضاً خيال سياسي ناعم، تصنع في ذهن الجمهور صورة عن أمريكا باعتبارها قوة أخلاقية فوق العادة، وليست فقط دولة، فهي تتأخر أحياناً، وتخطئ أحياناً، لكنها في النهاية تأتي لإنقاذ العالم.
كل منتج ثقافي يحمل قلق عصره، والأبطال الخارقون الأمريكيون (خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية) لم يعيشوا خارج صورة أمريكا كقوة رأسمالية كبرى، فكانوا جزءاً من خيالها عن نفسها، وعن الدور الذي تريد للعالم أن يراها من خلاله.
عالم مارفل السينمائي وحده أصبح أعلى سلاسل الأفلام تحقيقاً للإيرادات، مع تقديرات تضع إجمالي إيراداته العالمية عند نحو 29 مليار دولار. فيلم واحد مثل “Avengers: Endgame” حقق أكثر من 2.7 مليار دولار عالمياً، بينما حقق “Deadpool & Wolverine” أكثر من 1.3 مليار دولار،
ولا تعد هذه أفلاماً يشاهدها جمهور أمريكي فقط، هي عبارة عن صور تُصدر إلى العالم بلغات ودور عرض ومنصات مختلفة.
هنا تعمل القوة الناعمة، لا تُجبر أمريكا الناس على الإعجاب بها، هي تقوم بما هو أخطر من ذلك: جعل الجمهور يعتاد صورتها القوية، وتكرر أمامهم أن التكنولوجيا الخارقة أمريكية، والبدلة الطائرة أمريكية، والدرع أمريكي،
والمدينة التي يجب إنقاذها غالباً نيويورك، والخطر الذي يهدد العالم لا يُحسم إلا حين يدخل البطل الأمريكي إلى المشهد، ومع الوقت، لا يعود الأمر دعاية مباشرة، بل خيالاً مألوفاً.
كابتن أمريكا
كابتن أمريكا هو أوضح مثال، ظهر للمرة الأولى في مارس 1941، قبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، وعلى غلاف العدد الأول كان يضرب هتلر في وجهه، ولم يكن ذلك تفصيلاً فنياً عابراً،
تجاوز ذلك ليصبح موقفاً سياسياً واضحاً في وقت كانت فيه الولايات المتحدة لا تزال رسمياً خارج الحرب، ومنذ البداية، كان الكابتن أمريكا يحمل فكرة: أمريكا لا تقاتل لأنها تريد القوة، بل لأنها تقف في صف «الخير».
لكن السياسة أعقد من ذلك، والحروب لا تُمنع بالسينما وحدها، لكن الصورة الثقافية تصنع طبقة نفسية مهمة مكونة من رهبة، وإعجاب، وتردد، أو حتى شعور بأن أمريكا أكبر من دولة عادية.
يقوم مفهوم الردع العسكري على أن الخصم يعتقد أن الهجوم ستكون كلفته عالية، أما الردع الثقافي فيعمل بطريقة أنعم: يجعل القوة تبدو طبيعية، ضخمة، واثقة، وحاضرة في كل مكان،
فالتلفزيون والسينما لا يخلقان الطائرات والقواعد العسكرية، لكنهما يعطيانها وجهاً وبطولة وقصة، وهذا هو الردع الثقافي الخاص بالأبطال الخارقين.
الصورة والمؤسسة
العلاقة بين هوليوود والقوة الأمريكية ليست خيالاً نظرياً فقط، فوزارة الدفاع الأمريكية لديها مكاتب للتواصل مع صناعة الترفيه، وتوضح أنها تتعاون مع مشاريع تلفزيونية وسينمائية لضمان «الدقة» في تصوير الجيش،
مع حق مراجعة بعض المواد عندما تقدم دعماً أو موارد إنتاجية، ولا يعني هذا أن كل فيلم بطل خارق يُكتب في البنتاغون، لكنه يكشف أن الصورة العسكرية والثقافية ليستا منفصلتين تماماً.
وفي مؤشر «براند فاينانس» للقوة الناعمة لعام 2025، بقيت الولايات المتحدة في المركز الأول عالمياً بدرجة 79.5 من 100، كما تصدرت ركائز مثل التأثير، والألفة، والإعلام والاتصال،
وهنا تتجلى فكرة أن القوة الناعمة لا تُبنى بالسياسة وحدها، بل بالأفلام، والجامعات، والموسيقى، والشركات، والمنصات، والرموز التي تسافر أكثر مما يسافر السفراء.
الصورة تتصدع
استطلاع «بيو» عام 2024 وجد أن متوسط 54% في 34 دولة لديهم نظرة إيجابية إلى الولايات المتحدة، مقابل 31% بنظرة سلبية، وفي دول مثل تركيا وتونس، كانت النظرة السلبية تتجاوز 80%،
أي إن الصورة الأمريكية قوية، لكنها ليست محصنة، فهناك من يستهلك أفلامها ويعجب بتقنيتها، وفي الوقت نفسه يرفض سياساتها.
البطل الخارق ليس مجرد رجل يطير أو يرفع سيارة كما اعتدنا ان نشاهد في الصغر، إنه صورة سياسية بثوب ترفيهي،
وحين يشاهد ملايين الناس البطل الأمريكي ينقذ العالم مرة بعد مرة، فإنهم يرون تدريباً طويلاً على تخيل القوة: من يملكها، ومن يستخدمها، ومن ينتظر العالم أن يأتي لإنقاذه.
البيان













