
مع بداية كل شهر، يعيش المتقاعدون في مدينة حلب أياماً صعبة، تتكرر فيها مشاهد الانتظار المرهق، في سبيل الحصول على رواتبهم التقاعدية، وتتوزع وجهاتهم بين أفرع البريد والصرافات الآلية، إلا أن النتيجة تبقى واحدة: ساعات انتظار طويلة لا تنتهي.
وفي الوقت الذي يحصل فيه الموظفون على رواتبهم بسهولة عبر حسابات “شام كاش“، تواجه شريحة المتقاعدين صعوبات مستمرة، وسط مطالبات متكررة بإيجاد حلول تضمن حصولهم على مستحقاتهم دون عناء، وبما يحفظ كرامتهم.
في المقابل، شهدت الفترة الأخيرة افتتاح عدد من فروع البريد الجديدة في مدينة حلب وريفها، إلى جانب العمل على تفعيل خدمات إضافية، مثل توصيل الرواتب إلى المنازل لقاء أجر، في محاولة لتخفيف الضغط عن المراكز، إلا أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، لا تزال غير كافية لإنهاء معاناة المتقاعدين بشكل كامل.
مطالب بحلول تنظيمية
يرى المتقاعد نوفل الخلف، أن ضعف التنظيم يعد من أبرز أسباب الازدحام، مشيراً في حديثه لـ”الثورة السورية” إلى قلة عدد الموظفين، رغم اتساع الصالات وكثرة النوافذ، والتي لو تم تفعيلها بشكل كامل، لأسهمت في تقليص ساعات الانتظار.
واقترح الخلف اعتماد نظام الدور الإلكتروني عبر ماكينة لتوزيع الأرقام، كما هو معمول به في البنوك، لما لذلك من دور في الحد من الوقوف لساعات طويلة في الشارع، التي تعرض المتقاعدين لظروف مناخية قاسية بين برد الشتاء وحر الصيف.
من جهته، أوضح أحمد عسكر، وهو موظف سابق في مؤسسة المياه، حجم المعاناة التي يواجهها شهرياً للحصول على راتبه، كونه يقيم في قرية تل الضمان التي تفتقر إلى مركز بريد، ما يضطره لقطع مسافة تقارب 100 كيلومتر ذهاباً وإياباً، إضافة إلى ساعات الانتظار الطويلة، للحصول على راتب لا يغطي، بحسب تعبيره، تكاليف الأدوية الشهرية.
وطالب عسكر بزيادة المعاشات التقاعدية، وتوسيع نطاق الخدمات، وافتتاح مراكز جديدة في المناطق الريفية، بما يخفف من عبء التنقل والانتظار.
وفي سياق مماثل، أشارت شيخة العبد، من سكان قرية مسكنة، إلى أنها انقطعت عن استلام راتبها لمدة عام كامل، رغم حاجتها إليه، نتيجة عدم وجود مركز بريد في قريتها، إلى جانب تقدمها في السن ومعاناتها من أمراض مزمنة، ما يجعل التنقل إلى مدينة حلب أمراً شاقاً، مؤكدة أهمية افتتاح مراكز في القرى لتخفيف الازدحام عن المدينة.
في المقابل، أكد مصطفى عبد الله، من سكان عفرين، أن افتتاح مركز بريد جديد في المنطقة أسهم بشكل كبير في تخفيف المعاناة عن الأهالي، وقلل من الضغط على مدينة حلب، بعد أن أصبح بإمكان السكان استلام رواتبهم محلياً، مشيداً بالخطوات التي تتخذها الجهات المعنية لافتتاح مراكز جديدة والحد من الازدحام.
بين البنك والبريد أزمة مستمرة
وفي هذا السياق، أوضح مدير مؤسسة التأمينات الاجتماعية في حلب أحمد عطار، في حديثه لـ”الثورة السورية”، أن نحو 62 ألف متقاعد يستفيدون من خدمات البريد، مقابل 8140 متقاعداً يفضلون استلام رواتبهم عبر البنوك والمصارف في المحافظة.
وأشار عطار إلى أن المؤسسة تعمل على تخفيف الأعباء عن المتقاعدين من خلال تمديد مدة صلاحية البيان العائلي، الذي يُطلب سنوياً لاستمرار صرف الراتب، حيث جرى تمديده إلى ثلاث سنوات في حال تقديمه من قبل صاحب العلاقة، بينما يُجدد سنوياً إذا قُدم بموجب وكالة قانونية، بهدف تقليل الحاجة إلى المراجعة المتكررة.
وفي ما يتعلق بالازدحام في مراكز البريد، بيّن عطار أن الحل الأمثل يتمثل في افتتاح مراكز جديدة، وهو ما تعمل عليه مديرية البريد، التي افتتحت عدداً من المراكز في الأرياف، محققة تقدماً ملحوظاً في هذا المجال.
وأضاف أن توقف بعض البنوك عن صرف رواتب المتقاعدين أدى إلى زيادة الضغط على مراكز البريد، نتيجة توجه العديد من المتقاعدين لتحويل رواتبهم إلى البريد، أو إلى مصارف أخرى.
وبحسب ما نقله عن المراجعين، فإن الازدحام لا يقتصر على مراكز البريد، إذ تطول ساعات الانتظار الصرافات الآلية، بسبب ضعف التغذية النقدية، التي قد لا تبدأ في بعض الأحيان قبل الساعة العاشرة صباحاً، رغم اصطفاف العشرات منذ ساعات مبكرة، في محاولة لتقليل زمن الانتظار.
مراكز جديدة لتخفيف الازدحام
من جانبه، أوضح مدير بريد محافظة حلب سالم أمين أن عدد الفروع العاملة حالياً يبلغ 27 فرعاً، مع خطط لافتتاح مراكز جديدة في الراعي وصرين ومسكنة ودير حافر، إضافة إلى راجو وجنديرس ومعبر باب السلامة ومركز المواصلات في مدينة حلب.
وأكد أمين أن التعرفات البريدية أقل مقارنة بشركات الصرافة والقطاع الخاص، مشيراً إلى أن نحو 85 ألف متقاعد يستفيدون من خدمة صرف الرواتب عبر هذه المراكز، التي تعمل على مدار 20 يوماً شهرياً.
وفي ما يتعلق بخدمة توصيل الرواتب إلى المنازل، بيّن أمين أنه تم تفعيلها، حيث يستفيد منها نحو 3 آلاف مشترك، من خلال تقديم طلب شخصي في البريد، ليتم إدراج الاسم ضمن قوائم التوصيل اعتباراً من الشهر التالي، مقابل رسوم محددة.
أما بشأن إمكانية صرف الرواتب عبر تطبيق “شام كاش”، فأكد أن هذه الخدمة غير متوفرة حالياً، ولا توجد معلومات حول إدراجها في المستقبل القريب.
وأشار إلى أن التوسع في عدد المراكز وتحسين آليات العمل يهدفان إلى تقليل الازدحام تدريجياً، وضمان تقديم الخدمة بسرعة أكبر وكلفة أقل.
كما لفت إلى أن البريد يعتمد العملة الجديدة منذ بداية العام، ويقدم خدمة استبدال العملة القديمة دون رسوم، بحجم تداول يومي يتراوح بين 100 مليون ومليار ليرة سورية، إضافة إلى إعادة تفعيل حزمة من الخدمات البريدية، تشمل إصدار الوثائق، والحوالات المالية، وخدمة “شام كاش”، والمعاملات العقارية، إلى جانب توصيل الرواتب إلى المنازل.
ومع استمرار معاناة المتقاعدين من الانتظار، تتجه الجهات المعنية إلى توسيع شبكة الخدمات وتحسين آليات العمل، عبر افتتاح مراكز جديدة وتفعيل خدمات إضافية، في محاولة لتخفيف الضغط وتسهيل حصول هذه الشريحة على مستحقاتها.
ورغم أن هذه الخطوات بدأت تُحدث أثراً ملموساً في بعض المناطق، إلا أن تحقيق حل شامل يتطلب استكمال هذه الجهود، لا سيما في الأرياف، إلى جانب تطوير وسائل الصرف وتبسيط الإجراءات، بما يضمن وصول الرواتب بيسر وانتظام،
فيما يبقى تحسين مستوى الخدمة المقدمة للمتقاعدين خطوة أساسية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وضمان حقوقهم بعيداً عن مشقة الانتظار.
الثورة السورية – راما نسريني














