
في كل مرة يحاول فيها المواطن إعادة ترتيب مصروفه أو التكيف مع تكلفة جديدة، يظهر تعديل آخر يعيد خلط الحسابات من جديد،
فبعد موجة الاعتراضات على ارتفاع أسعار الكهرباء وما رافقها من انعكاسات مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية،
وجد السوريون أنفسهم أمام قرار جديد يمس واحدة من أكثر المواد ارتباطاً بمعيشتهم اليومية، في ظل ارتباط المحروقات بأسعار النقل والتدفئة والمواد الأساسية وحتى تكاليف الإنتاج.
نشرة جديدة أصدرتها وزارة الطاقة مؤخراً رفعت بموجبها أسعار المحروقات بالدولار، حيث ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 0.88 دولار بدلاً من 0.75 دولار،
كما ارتفع سعر ليتر البنزين أوكتان 90 إلى 1.1 دولار بدلاً من 0.85 دولار، فيما ارتفع سعر البنزين أوكتان 95 إلى 1.15 دولار بدلاً من 0.91 دولار.
وشملت الزيادات أيضاً أسطوانة الغاز المنزلي التي ارتفع سعرها إلى 12.5 دولاراً بدلاً من 10.5 دولارات، إضافة إلى أسطوانة الغاز الصناعي التي ارتفعت إلى 20 دولاراً بدلاً من 16.8 دولاراً.
ويُعد هذا القرار أول تعديل على أسعار المحروقات بالدولار منذ تخفيضها في 12 تشرين الثاني 2025، فيما حددت النشرة سعر صرف الدولار عند 133 ليرة جديدة.
أسباب الزيادة وانعكاساتها
وفي معرض توضيح أسباب القرار، صرح مدير العلاقات العامة في وزارة الطاقة أحمد سليمان لصحيفة “الثورة السورية” أن رفع أسعار المحروقات يعود إلى الارتفاع العالمي في أسعار النفط، مضيفاً أن الوزارة حاولت الإبقاء على الأسعار دون تغيير، لكنها لم تتمكن من الاستمرار في ذلك.
كما أوضح أن الارتفاع الذي حدث كان بنسبة محدودة بحيث لا يتسبب بخسائر فادحة، مشيراً إلى أن الزيادة تبقى أقل مقارنة بدول رفعت الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير.
وكالمعتاد، بعد صدور أي قرار برفع الأسعار، تبدأ الأسواق سريعاً بإعادة حساباتها، خاصة في المواد المرتبطة بالنقل والتوزيع والتشغيل،
فما إن تصدر نشرة جديدة لأسعار الوقود حتى تنعكس آثارها تدريجياً على حركة البيع والشراء، وسط حالة ترقب وقلق يعيشها المواطنون الذين يخشون من موجة ارتفاعات جديدة تطال السلع الأساسية والخدمات اليومية.
ويزداد استياء كثير من المواطنين مع السرعة التي تبدأ فيها بعض المحال بتعديل أسعارها، رغم أن القرار يكون قد صدر للتو، ما يضع الأسر أمام أعباء إضافية قبل أن تتمكن أساساً من استيعاب أثر الزيادة الجديدة على مصروفها اليومي.
في هذا السياق، يوضح سامر الحمود، صاحب محل مواد غذائية في جديدة عرطوز، أن أي ارتفاع في أسعار المحروقات لا يبقى محصوراً بالمادة نفسها، وإنما يمتد تدريجياً إلى مختلف حلقات التوريد والتوزيع.
ويقول: “عندما ترتفع أسعار البنزين أو المازوت ترتفع مباشرة أجور النقل على التجار والموردين، وحتى تكاليف تشغيل المولدات أو نقل البضائع بين المحافظات، لذلك تصلنا المواد بأسعار جديدة خلال وقت قصير، ونضطر لإعادة تعديل الأسعار داخل المحل”.
وأضاف أن أصحاب المحال يجدون أنفسهم أحياناً في مواجهة مباشرة مع غضب الزبائن، رغم أن التاجر الصغير لا يكون الطرف الذي يحدد الأسعار الأساسية،
موضحاً أن المواطنين يرون السعر النهائي فقط، لكنهم لا يرون سلسلة التكاليف التي تسبق وصول المادة إلى الرف.
كما أشار الحمود إلى أن المشكلة ترتبط بحالة عدم الاستقرار التي ترافق السوق بعد كل قرار جديد، إذ يبدأ كثير من الموردين والتجار بإعادة حساب التكاليف تحسباً لأي تغييرات إضافية، ما ينعكس بدوره على الأسعار وحركة الشراء.
ولفت إلى أن بعض المواد تتأثر بوتيرة أسرع من غيرها، خاصة المنتجات التي تعتمد على النقل اليومي أو التخزين والتبريد، مؤكداً أن أي زيادة في تكاليف التشغيل تنعكس في النهاية على المستهلك، حتى لو حاول بعض التجار تأجيل تعديل الأسعار قدر الإمكان.
دوامة الكلفة
ومع اتساع أثر الزيادات الجديدة على الأسواق وحركة البيع والشراء، تتجه الأنظار أيضاً إلى الانعكاسات الاقتصادية الأوسع التي تمتد من تكاليف الإنتاج حتى القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي عامر ديب، أن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس بشكل مباشر على عاملين أساسيين، هما تكاليف الإنتاج، وسلاسل التوريد والنقل.
وبيّن أن معظم السلع الموجودة اليوم في الأسواق تُنتج داخل مصانع تعتمد بشكل أساسي على الديزل، سواء في الصناعات الغذائية أو الصناعات التحويلية المرتبطة بالتغليف، ما يعني أن المشتقات النفطية تدخل بنسبة كبيرة في تكاليف تصنيع هذه المواد.
وأضاف أن عرض المنتجات داخل الأسواق والمتاجر يعتمد بدوره على الطاقة وحركة النقل والحمولات، الأمر الذي يؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار.
أما العامل الثاني، وفق ديب، فيرتبط بسلاسل التوريد والنقل، موضحاً أن ارتفاع تكاليف النقل وأجور السائقين، إضافة إلى حالات الاستغلال الناتجة عن غياب الضبط الحقيقي لهذا القطاع، ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع، ما يجعل تكاليف الإنتاج والتوريد من أبرز العوامل التي تدفع الأسعار نحو الارتفاع.
ومن زاوية أخرى، أوضح أن مختلف القطاعات تتأثر بما يسمى “الترابط الصناعي” أو التكاليف غير المباشرة، لأن الطاقة والكهرباء ترتبط بمعظم المرافق الخدمية والإنتاجية.
ولفت إلى أن انقطاع الكهرباء يدفع المنشآت لاستخدام المولدات، في وقت لا تزال فيه الطاقة الشمسية غير قادرة على تغطية الاحتياجات بشكل كامل، خاصة خلال ساعات الليل، ما يزيد من حجم الأعباء التشغيلية.
كما أشار إلى أن كثيراً من المدخلات الصناعية تعتمد بشكل مباشر على المشتقات النفطية، مثل صناعة البلاستيك والأسمدة والمنظفات، الأمر الذي يعني أن ارتفاع أسعار حوامل الطاقة ينعكس تلقائياً على أسعار هذه المواد أيضاً.
وأضاف أن هذه الزيادات تنعكس كذلك على الأجور والنفقات التشغيلية، باعتبار أن دورة الاقتصاد بأكملها تتحرك لتعويض هذه الفجوة، وهو ما يولد، بحسب وصفه، ضغوطاً إضافية على الشركات من جهة الرواتب والمواصلات والبدلات، قبل أن تنتقل هذه الكلفة في النهاية إلى المنتج أو الخدمة.
وفيما يتعلق بالأثر المباشر على المواطنين، أكد ديب أن ارتفاع أسعار الوقود يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وزيادة الأعباء المعيشية بشكل كبير،
موضحاً أن المواطن يدفع الثمن مرتين، الأولى عند شراء المازوت أو تعبئة الوقود لسيارته، والثانية عند شراء أي سلعة أخرى بعدما تصبح مختلف التكاليف محملة على السعر النهائي.
وأضاف أن تراجع القوة الشرائية، وارتفاع سعر الصرف، وضعف الرقابة على الأسواق، وارتفاع تكاليف الطاقة، كلها عوامل تدفع نحو حالة ركود اقتصادي صعبة، خاصة مع استمرار تراجع الإنتاج وازدياد الضغوط على السوق.
جهود رقابية لمتابعة الأسواق
ومع حالة القلق التي ترافق أي موجة ارتفاع جديدة، تتجه الأنظار إلى دور الجهات الرقابية في ضبط الأسواق ومنع الانفلات السعري، خاصة مع الشكاوى المتكررة من تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى.
وفي هذا السياق، أوضح مدير مديرية حماية المستهلك حسن الشوا أن المديرية تعمل على مراقبة وتنفيذ القوانين والأنظمة على مستوى الفعاليات التجارية وتداول السلع،
مشيراً إلى أن الارتفاع الأخير في الأسواق يعود إلى عدة أسباب، من بينها تغير وتذبذب سعر الصرف، الذي ينعكس بشكل مباشر على أسعار المواد، إضافة إلى زيادة الطلب على السلع ضمن نظام السوق الحر الذي يفتح باب التنافسية.
وحول آلية ضبط الأسعار، بين الشوا أن المديرية تمتلك دائرة خاصة مهمتها السبر السعري للمواد الأساسية ضمن السلة الغذائية، كالألبان والأجبان واللحوم، في مختلف المحافظات وأريافها، موضحاً أنه عند وجود اختلاف ملحوظ في الأسعار بين محافظة وأخرى، يتم التدخل عبر جهاز الرقابة المنتشر على مستوى المحافظات.
وأشار إلى أن المرحلة التي أعقبت التحرير فرضت تحديين أساسيين أمام الجهاز الرقابي، أولهما السمعة السيئة لبعض عناصر الرقابة نتيجة الرشاوى وعدم العمل بمهنية، الأمر الذي دفع المديرية إلى إعادة تقييم الكوادر وتدريبها والإبقاء على أصحاب السمعة الحسنة فقط.
وأضاف أنه تم الإعلان عن مسابقة وتوظيف أكثر من 500 مراقب تمويني موزعين على المحافظات، سيتم تزويدهم بأجهزة تحليل مخبرية وسيارات حديثة لتسريع الوصول ومتابعة المخالفات،
وفي إطار تطوير أدوات الرقابة، أوضح الشوا أن المديرية بدأت حالياً بتجربة الكاميرات في دمشق عبر البث المباشر للضبوط التموينية وحيثيات المخالفة، بهدف نقل الوقائع بمصداقية بالتوازي مع الضبط المكتوب.
ولفت أيضاً إلى تفعيل الشكاوى إلكترونياً وورقياً لتخفيف التكاليف على المواطنين، معتبراً أن هذا الجانب كان مهملاً قبل التحرير بسبب الفجوة القائمة آنذاك بين المواطن والدولة.
وفي ظل استمرار تقلبات الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة، تبقى مخاوف المواطنين مرتبطة بقدرة الأسواق على استيعاب الزيادات الجديدة دون موجات غلاء إضافية تثقل حياتهم اليومية، خاصة مع اتساع تأثير المحروقات على مختلف القطاعات والخدمات.
الثورة السورية- علا محمد












