اقتصادتكنولوجيا

الفوركس في السوق السورية.. نشاط متنامٍ بلا إطار قانوني واضح

تداول مصطلح “الفوركس” في الفترة الأخيرة بشكل متزايد في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء في سوريا، ومع انخفاض فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، يتجه العديد من أفراد المجتمع نحو البحث عن مصدر دخل ثانٍ.

ومع توافر الإنترنت، الذي يشكّل بيئة مناسبة لتحقيق دخل إضافي، يبرز تداول العملات الأجنبية والعملات الرقمية كأحد الخيارات المطروحة. لكن ما هو الفوركس فعلياً؟ وكيف يعمل؟ وكيف يمكن أن ينتشر بالشكل الصحيح في سوريا؟

أساسيات الفوركس وانتشاره

مصطلح الفوركس (Forex) هو اختصار لعبارة “سوق صرف العملات الأجنبية”، وهو سوق عالمي يتم فيه تداول أزواج العملات مثل الدولار واليورو مقابل بعضها البعض، حيث يقوم المتداول بشراء عملة وبيع أخرى في الوقت ذاته بهدف تحقيق ربح من فروقات أسعار الصرف.

فعلى سبيل المثال، قد يتوقع المتداول ارتفاع قيمة الدولار مقابل اليورو، فيقوم بشراء الدولار وبيع اليورو، ثم يبيع الدولار لاحقاً عند ارتفاع سعره لتحقيق الربح. وإلى جانب سوق الفوركس، ظهرت أيضاً العملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثيريوم وغيرها، وهي أصول رقمية يتم تداولها عبر الإنترنت، وتعتمد على تقنيات حديثة وتتميّز بتقلبات سعرية مرتفعة.

يقول سالم العمري (33 عاماً) من مدينة حلب، في تصريحات لصحيفة الثورة السورية: “إن العمل الإضافي مهم جداً في الوقت الحالي في سوريا”، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار السلع وشح فرص العمل، إضافة إلى ضعف الرواتب وعدم توافقها مع الأوضاع الاقتصادية، تدفع العديد من الأفراد إلى البحث عن مصدر دخل ثانٍ إلى جانب الوظيفة الأساسية.

وأضاف العمري أن توافر الإنترنت يشكّل بيئة يمكن من خلالها الحصول على دخل إضافي يساند الدخل الرئيسي، معتبراً أن فرص العمل الثانوية التقليدية، مثل العمل في خدمات التوصيل أو قيادة سيارات الأجرة، لم تعد كافية كعمل إضافي لساعات محدودة يومياً.

ووصف تجربته في سوق الفوركس بالمقبولة، معتبراً إياها فرصة لتحقيق دخل إضافي عبر الإنترنت، لكنه أشار إلى أن هذا السوق محفوف بالمخاطر بسبب تقلباته، إضافة إلى صعوبة التداول في ظل التحديات المرتبطة بواقع الخدمات في سوريا، مثل ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء، فضلاً عن غياب التراخيص الرسمية للشركات العاملة في هذا المجال.

وختم العمري حديثه بالقول: “سوق الفوركس محفوف بالمخاطر وليس سهلاً كما يُروَّج له عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي”، مؤكداً أهمية تنظيم هذه المنصات ووضع قوانين تحمي حقوق المتداولين.

وفي السياق ذاته، يقول ملهم السيد (35 عاماً) من مدينة حلب، في تصريحات لصحيفة الثورة السورية: “واجهت صعوبات في العمل خلال إقامتي في تركيا، ما دفعني للبحث عن مصدر دخل إضافي”، مضيفاً أن قلة الفرص وضعف الدخل الشهري كانا من أبرز الدوافع للتوجه نحو هذا الخيار.

وأضاف ملهم: “في البداية كنت متردداً، لأن معظم المعلومات التي عرفتها عن الفوركس كانت مرتبطة بحالات نصب واحتيال، ما يؤدي إلى خسائر كبيرة، خاصة بين الشباب السوريين في تركيا”.

وتابع: “المشكلة الأساسية تكمن في عدم التحلي بالواقعية والانجرار وراء الأفكار التي تروجها وسائل التواصل الاجتماعي، التي توحي بأن الفوركس يحقق أرباحاً كبيرة وبشكل سريع”.

وأردف أن كثيراً ممن يبدأون العمل في الفوركس دون معرفة كافية بالأساسيات أو بطبيعة هذا السوق يواجهون صعوبات كبيرة، ويدخلون في دوامة من الخسائر يصعب تفاديها بسهولة، معتبراً أن الاستثمار في هذا المجال يتطلب الصبر واكتساب خبرة كافية في إدارة المخاطر والمحفظة الإلكترونية.

وأوضح أن الفوركس بالنسبة له لم يكن مصدراً أساسياً للدخل، إنما وسيلة دخل إضافية محفوفة بالمخاطر، نظراً لكونه سوقاً متقلباً يعمل على مدار 24 ساعة، مؤكداً أنه لا يمكن اعتباره مصدراً ثابتاً للدخل.

أهمية الإطار القانوني لتنظيم التداول

وفي حديث أجرته صحيفة الثورة السورية مع بلال رحال، الرئيس التنفيذي لمجموعة متخصصة بالفوركس، رأى ضرورة الفصل بين مسألتين مختلفتين. الأولى تتعلق بإحداث سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب،

حيث اعتبر أن هذا السوق محلي بامتياز، وليس منصة إلكترونية افتراضية وحسب، بل سوق حقيقي يعتمد على التقنيات الرقمية كأداة تشغيلية لمواكبة التطور.

وقال: “إن الهدف من إحداث هذا السوق هو تنظيم عمليات بيع وشراء القطع الأجنبي داخل سوريا من خلال ضبط العرض والطلب”.

وأضاف: “تتم عملية العرض والطلب عبر المتعاملين الرئيسيين، وهم البنوك وشركات الصرافة والمصدرون والمستوردون، الذين يمثلون النبض الحقيقي للسوق”،

مؤكداً أهمية هذه الخطوة، لأنها تساهم في الوصول إلى سعر صرف عادل يعكس حجم العرض والطلب الحقيقيين، وتحد من المضاربات والتقلبات غير المبررة.

وأشار إلى أن قرار المصرف المركزي لم يتطرق إلى تنظيم مهنة التداول في الأسواق العالمية، التي تشمل التداول على العملات والمعادن والسلع، موضحاً أن هذا الملف قد يندرج ضمن اختصاص هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية.

واعتبر رحال أن سوريا بحاجة ملحة إلى تنظيم مهنة التداول في البورصات العالمية، نظراً لانتشارها بين شريحة واسعة من السوريين، لافتاً إلى غياب الإطار التنظيمي المعتمد في دول الجوار مثل الأردن والإمارات وغيرها.

وختم قائلاً: “إن إيجاد هذا الإطار سيحقق فوائد جوهرية، منها تحديد الوسطاء المعتمدين القادرين على إدارة العمليات وفق ضوابط قانونية صارمة، وضمان حقوق المتداولين، وتعزيز معايير النزاهة والشفافية، إلى جانب تفعيل الرقابة القانونية للحد من عمليات الاحتيال المرتبطة بالتداول”.

بدوره، أكد محمد صعب، محلل مختص في سوق الفوركس، أن هذا السوق لا يمكن التعامل معه كمصدر دخل أساسي ثابت، نظراً لطبيعته المتقلبة، موضحاً أنه يُنظر إليه بشكل أدق كوسيلة لتحقيق دخل إضافي.

وأشار صعب إلى أن سوق الفوركس محاط بالكثير من المبالغات التي تروجها وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بفكرة تحقيق أرباح سريعة، ما يخلق تصورات غير واقعية لدى الراغبين بالدخول إليه.

وأوضح أنه من الصعب أحياناً التمييز بين الشركات الحقيقية والوهمية، في ظل وجود عدد كبير من الشركات غير المرخصة، معتبراً أن عامل الثقة يعد عنصراً أساسياً في هذا المجال.

كما أشار إلى أن سوق الفوركس يشهد نشاطاً ملحوظاً في منطقة الشرق الأوسط، وأن سوريا قد تكون من الدول المهمة فيه مستقبلاً، خاصة مع رفع العقوبات الأميركية وعودة ربط البنوك السورية بالنظام المالي العالمي.

وأكد صعب أن تنظيم مهنة التداول في الفوركس بات ضرورة، في ظل انتشارها بين فئة الشباب،

مشيراً إلى ضعف الإطار التنظيمي في سوريا مقارنة بدول الجوار، مثل تركيا والعراق، التي تعتمد أنظمة قانونية تنظم هذا النشاط وتضمن حقوق المتعاملين فيه.

الثورة السورية – همام فيض الله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى