اقتصاد

العلامات التجارية العالمية في سوريا.. استثمار مستدام أم سوق لفئة محدودة؟

بين «غوتشي» و«جورجيو أرماني» و«بوما» و«أديداس»، وغيرها من أشهر العلامات التجارية العالمية، تفتح العاصمة دمشق أبوابها أمام عالم الماركات الفاخرة، مراهنة على استقطاب أسماء تجارية غابت لسنوات عن السوق السورية.

ويعكس دخول هذه العلامات إلى سوريا تحولات لافتة في البيئة التجارية والسياحية، كما يمثل مؤشراً على ثقة بعض المستثمرين بإمكانات السوق وقدرتها على جذب المزيد من الاستثمارات والسياح خلال السنوات المقبلة.

لكن هذا المشهد يطرح تساؤلات اقتصادية تتجاوز حضور العلامات العالمية. ففي الوقت الذي تتجه فيه سوريا نحو مزيد من الانفتاح التجاري واستقطاب السياح، لا تزال شريحة واسعة من السوريين تعاني ظروفاً معيشية تحد من قدرتها الشرائية،

ما يفتح نقاشاً حول طبيعة السوق التي يجري العمل على تطويرها اليوم: هل تتجه البلاد نحو تعافي الصناعات المحلية التي نافست علامات عالمية كبرى، أم نحو سوق فاخرة تستهدف شريحة محدودة من السياح والمغتربين وأصحاب الدخول المرتفعة، التي تراهن عليها الشركات؟

فالعلامات التجارية العالمية تبحث عن وجهة جذابة وبيئة اقتصادية قادرة على ضمان استمرار الطلب والنمو. لذلك، يتمثل التحدي الأكبر اليوم في استقطاب المزيد من الأسماء العالمية، وبناء سوق مستدامة، وتوسيع قاعدة المستهلكين، وتحسين مستويات الدخل، وتنشيط السياحة.

وفي هذا السياق، شهدت العاصمة السورية مؤخراً افتتاح المركز التجاري «فاشن غيت» (Fashion Gate Mall) في بوليفارد دمشق، بوصفه أول متجر فاخر متعدد الأقسام متخصص في بيع العلامات التجارية العالمية الفاخرة في سوريا، بالتزامن مع تنامي الاهتمام بقطاع التجزئة والتطوير التجاري في دمشق.

الاستقطاب الطبقي

ورأى الباحث الاقتصادي الدكتور عصام شيخ الأرض، أن قراءة دخول العلامات التجارية العالمية إلى السوق السورية تقود إلى تفكيك مغالطة شائعة في القراءات السطحية للمؤشرات الاقتصادية، إذ يصور البعض هذا التدفق خطأً على أنه قطاع اقتصادي إنتاجي جديد، لكن الأمر لا يتعدى كونه اتساعاً في السوق الاستهلاكية للماركات الفاخرة.

وقال شيخ الأرض لصحيفة «الثورة السورية»، إن التجارب الاقتصادية تشير إلى أن استدامة هذا النوع من الأسواق لا تتطلب بالضرورة انفتاحاً تجارياً شاملاً أو امتلاك غالبية السكان قدرة شرائية، كونها تعتمد على وجود شريحة محددة ذات ملاءة مالية مرتفعة، قادرة على الاستهلاك النخبوي الذي يخضع لاستراتيجية الندرة والتسعير.

وأضاف أن في الاقتصادات التي تمر بأزمات طويلة، يتشكل ما يُعرف علمياً بـ«الاستقطاب الطبقي الحاد»، حيث تتراجع الطبقة الوسطى وتتسع شريحة أصحاب الدخل المحدود، مقابل تمركز كتل نقدية ضخمة في أيدي فئات محددة استفادت من اقتصاد الظل والشح.

واعتبر أن وجود سوق للعلامات الفاخرة في دمشق لا يشكل دليلاً كافياً على تعافي الاقتصاد الكلي، بقدر ما يعكس الانقسام العمودي في المجتمع الاستهلاكي.

خلق فرص عمل

وفي تصريح خلال حفل افتتاح «فاشن غيت»، أكد وزير السياحة مازن الصالحاني أن قطاع المراكز التجارية وتجارة التجزئة يشكل أحد المحاور المهمة لدعم السياحة في سوريا، من خلال توفير وجهات تسوق متكاملة للسياح والزوار، إلى جانب مساهمته في خلق فرص عمل جديدة، بنمط وسلم رواتب مختلفين عن السائدين في السوق المحلية.

وكشف الصالحاني أن الوزارة تعمل حالياً على عدد من مشاريع التجزئة والمراكز التجارية، بينها مشاريع متوسطة وأخرى ضخمة، مشيراً إلى وجود مفاوضات متقدمة مع عدد من أبرز المشغلين العالميين، دون الإفصاح عن أسمائهم في المرحلة الحالية.

وأوضح أن موقع المركز التجاري المجاور لفندق «فورسيزونز» يتمتع بأهمية استراتيجية، نظراً إلى وقوعه ضمن المناطق التي يقصدها السياح والزوار، لافتاً إلى أن دخول الشركات والعلامات التجارية العالمية يمكن أن يفتح مجالات جديدة للعمل والاستثمار، ويسهم في رفع مستويات الدخل للعاملين في هذا القطاع.

ويعد المشروع، الذي طورته شركة «Unlimited»، أحد أكبر مشاريع التجزئة الفاخرة في سوريا، إذ يسهم في تنشيط الحركة التجارية وتأمين نحو 200 فرصة عمل مباشرة، برواتب ومستويات دخل تتناسب مع طبيعة هذا النوع من الاستثمارات.

ويضم المركز التجاري أكثر من 22 علامة تجارية عالمية شهيرة، تدخل السوق السورية للمرة الأولى ضمن وجهة واحدة، وتشمل الأزياء الفاخرة والمجوهرات ومستحضرات التجميل والعطور. ومن أبرزها «غوتشي» و«برادا» و«كارتييه» و«كلوي» و«جورجيو أرماني» و«كالفن كلاين» و«بوما».

ويضم المشروع، إلى جانب متاجر التسوق، مطاعم ومقاهي ومساحات جلوس، فضلاً عن خدمات تُطرح لأول مرة في سوريا، مثل التسوق الشخصي (Personal Shopping)، وتنسيق المظهر (Styling)، وحجز صالات وأتيليهات خاصة لكبار الشخصيات (VIP).

وتُعرّف تجارة التجزئة (Retail) بأنها نشاط بيع السلع أو الخدمات مباشرةً للمستهلكين النهائيين لاستخدامهم الشخصي، وليس لإعادة بيعها. وتشمل الجهات العاملة في هذا المجال المتاجر الصغيرة والأكشاك والمتاجر الكبرى ومحلات السوبر ماركت والمتاجر الإلكترونية. وتمثل تجارة التجزئة المحطة الأخيرة في سلسلة التوريد، حيث تصل المنتجات من المصنعين والموزعين وتجار الجملة إلى المستهلكين النهائيين.

تطوير نماذج الامتياز التجاري

ويترافق دخول العلامات التجارية العالمية إلى السوق السورية مع توسع نشاط مشغلي التجزئة ذوي الخبرة في إدارة العلامات التجارية وتطوير نماذج الامتياز التجاري.

وفي هذا السياق، بحث وزير الاقتصاد نضال الشعار، في أيلول الماضي، مع وفد مجموعة «أزاديا» برئاسة وسيم ضاهر، آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري وتعزيز العلاقات بين قطاعي الأعمال في سوريا ولبنان.

وذكرت الوزارة أن اللقاء، الذي عُقد في دمشق، تناول فرص الشراكة والاستثمار في عدد من القطاعات، لا سيما تجارة التجزئة والأزياء والمطاعم والمفروشات المنزلية، إلى جانب بحث سبل توسيع حضور المجموعة في السوق السورية.

وتُعد مجموعة «أزاديا» من أبرز مشغلي تجارة التجزئة ونماذج الامتياز التجاري في الشرق الأوسط وأفريقيا. وبدأت المجموعة أعمالها في بيروت عام 1978، وتدير اليوم أكثر من 840 متجراً في 15 دولة، ضمن عشرات المفاهيم والعلامات التجارية، ويعمل لديها أكثر من 14 ألف موظف.

كما تمتلك المجموعة حقوق الامتياز لأكثر من 43 علامة تجارية عالمية، من بينها «مانجو» و«زارا» و«ديكاتلون» و«أديداس» و«فيرجن ميغاستور» و«كيكو ميلانو» وغيرها.

وتعتمد العلامات الدولية ومشغلو التجزئة عادةً على مساحات تجارية ذات مواصفات تشغيلية محددة، سواء داخل المراكز التجارية أو في المناطق التجارية الرئيسية. ومن شأن توسع مجموعة «أزاديا» في سوريا أن يرفع الطلب على المساحات التجارية المنظمة، ويمنح مشاريع المراكز التجارية والتطوير العقاري التجاري عاملاً إضافياً لجذب المستأجرين والزوار.

لكن توسع الأسواق الاستهلاكية الفاخرة يأتي في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري تحديات اجتماعية وتنموية كبيرة. فوفقاً لبرنامج الأغذية العالمي، لا يزال 7.2 ملايين شخص في سوريا يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 1.6 مليون يعيشون في ظروف صعبة للغاية، فيما اضطر البرنامج خلال عام 2026 إلى خفض جانب من مساعداته بسبب نقص التمويل.

كما تشير أحدث تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر بلغت نحو 90 بالمئة، مع الإشارة إلى أن قياس الفقر في سوريا يواجه صعوبات مرتبطة بتوافر البيانات.

سياسات حمائية ذكية

وبحسب الخبير الاقتصادي شيخ الأرض، فإن التوسع في السوق الاستهلاكية للماركات الفاخرة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعادلة الحرجة بين تدفق الواردات الأجنبية واضمحلال الصناعة الوطنية.

وحذّر من أن تدفق السلع الكمالية دون ضوابط حمائية صارمة يؤدي إلى زيادة الطلب على القطع الأجنبي، ما يضغط مباشرة على قيمة الليرة ويدفع معدلات التضخم نحو الارتفاع، وهو ما يؤثر مباشرة على المواطن العادي عند شرائه السلع الأساسية.

وفي الوقت ذاته، أشار إلى أن الصناعة الوطنية تواجه تحديات المنافسة غير المتكافئة، نتيجة تعرض البنية الإنتاجية خلال السنوات الماضية لأضرار واسعة، مثل نقص حوامل الطاقة من كهرباء ووقود، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويجد الصناعي المحلي نفسه عاجزاً عن منافسة سوق استهلاكية مدعومة بقنوات توريد عالمية وميزات تسويقية هائلة، ما يحوّل هذا الانفتاح التجاري غير المدروس إلى عامل إقصاء للمنتج والمصنع المحلي الصغير، مكانياً ومالياً، وإضعاف لقدرات الإنتاج الذاتي في البلاد.

ولفت شيخ الأرض إلى أن المجمعات التجارية الحديثة تمثل أدوات تسويقية ديناميكية صُممت خصيصاً لترسيخ هذا السوق المستورد وفرض ثقافة الاستهلاك المظهري على حساب المنتجات المحلية. وبسبب تكاليف الإيجار والاستثمار الباهظة داخل هذه الصروح، تتحول هذه المساحات إلى قنوات حصرية لتسريع دوران رأس المال الأجنبي وتصريف السلع المستوردة.

وشدد الخبير على أن الاستدامة الاقتصادية الحقيقية تبدأ من صياغة سياسات حمائية ذكية، توجه عوائد الجمارك والضرائب المفروضة على هذه السلع لدعم البنية التحتية للمدن الصناعية الوطنية،

موضحاً أن الإنتاج في المنهج العلمي هو الأصل الذي تُبنى عليه الأسواق والتجارة، وأن اندثار خطوط الإنتاج في المصانع يحوّل الاقتصاد إلى هيكل ريعي هش يستنزف ثروة الوطن.

الثورة السورية – نور جوخدار

Related Articles

Back to top button