
يقف قطاع غزة، مع الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر 2023، أمام مشهد إنساني وعمراني غير مسبوق، بعدما تحولت مساحات واسعة منه إلى ركام، وتعرضت قطاعات السكن والصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي والبنية التحتية لدمار هائل.
وبينما تتوالى المبادرات الدولية والإقليمية لمرحلة ما بعد الحرب، تبدو إعادة الإعمار مرتبطة أولاً بإزالة العقبات التي تحول دون وصول المساعدات والمواد الأساسية، قبل الحديث عن مشاريع البناء الكبرى.
إعادة إعمار غزة لم تعد مسألة توفير المال والإسمنت فقط. فالتقديرات المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي تضع الاحتياجات الإجمالية للتعافي وإعادة الإعمار عند 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال الثمانية عشر شهراً الأولى لإعادة الخدمات الأساسية والبنية التحتية ودعم الاقتصاد.
لكن السؤال الأصعب هو: ما الذي يجب أن يحدث سياسياً وأمنياً حتى يبدأ هذا المال بالوصول إلى غزة؟
السلاح
ويؤكد محللون أنه لا يمكن للدول والجهات المانحة أن تضخ عشرات المليارات في منطقة يمكن أن تعود فيها الحرب في أي لحظة. ولذلك وضعت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الأمن واستمرار وقف النار ضمن الشروط الأساسية للتعافي.
ثانياً: معالجة مسألة السلاح والقوة الأمنية، وهنا تحديداً تدخل «حماس» في قلب المعادلة.
فالخطة التي يعمل عليها مجلس السلام تربط الانتقال إلى المرحلة التالية بنزع سلاح «حماس» والفصائل المسلحة، ونقل المسؤوليات الأمنية والمدنية إلى إدارة فلسطينية جديدة، مع ترتيبات أمنية دولية. وقد وضعت الخطة مساراً تدريجياً لنزع السلاح، فيما بقي الخلاف حول التسلسل بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي أحد أبرز عوائق التنفيذ.
إذا بقيت «حماس» صاحبة القرار الأمني، فسيبقى الانتقال إلى إدارة مدنية جديدة موضع نزاع. وإذا لم تنسحب إسرائيل وتُفتح المعابر وتُرفع القيود، فلن يستطيع أي مجلس أو صندوق تحويل الأموال إلى إعادة إعمار فعلية.
إزالة الركام
ثالثاً: الإعمار يحتاج إلى إزالة الركام، وإدخال الآليات والمعدات ومواد البناء، وإعادة تشغيل المعابر وسلاسل الإمداد. وتعتبر الأمم المتحدة أن إزالة الأنقاض والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة وحماية حقوق الملكية من المتطلبات المسبقة لإعادة البناء.
وتبرز إزالة الركام باعتبارها أحد أكبر التحديات أمام عملية التعافي، إذ تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 60 مليون طن من الركام تغطي القطاع، فيما تحتوي أجزاء منه على مخلفات خطرة ومواد ملوثة وذخائر غير منفجرة، ما يجعل إزالتها وفرزها وإعادة تدويرها عملية هندسية وبيئية وأمنية معقدة.
ويتطلب التعامل مع هذا الحجم من الركام معدات ثقيلة ووقوداً وقطع غيار ومساحات آمنة للعمل، وهي عناصر تواجه قيوداً على دخولها إلى القطاع.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن نقص المعدات الثقيلة وقطع الغيار وقيود الوصول تؤثر في قدرة الجهات العاملة على توسيع عمليات إزالة الركام.
التمويل
رابعاً: آلية دولية للتمويل والرقابة. مجلس السلام أنشأ صندوقاً لإعادة إعمار وتنمية غزة، مع دور للبنك الدولي كأمين محدود للصندوق، بهدف أن تمر الأموال عبر قنوات يمكن مراقبتها ومحاسبتها.
ويؤكد محللون أن أي خطة لإعادة الإعمار لن تكون قابلة للتنفيذ ما لم تقترن بآلية مستدامة لضمان تدفق المساعدات والوقود ومواد البناء، وفتح المعابر أمام حركة أكثر انتظاماً للبضائع والمعدات، إلى جانب توفير الأمن والوصول الإنساني وبيئة سياسية مستقرة.
ويوضحون أن إعادة إعمار غزة ليست مسألة تمويل فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ بحرية وصول المساعدات والمواد الأساسية، وتمتد إلى إزالة الركام وإعادة تشغيل الخدمات، وتنتهي بتمكين السكان من استعادة مساكنهم وخدماتهم واقتصادهم.
كما يؤكدون أن نجاح أي مسار للسلام أو التعافي سيظل مرتبطاً بقدرته على معالجة القيود التي تعيق تدفق الموارد إلى القطاع؛ إذ لا يمكن تحويل التعهدات المالية إلى واقع عمراني ما لم تتوافر على الأرض المواد والمعدات والظروف التي تسمح بالتنفيذ.
فتح المعابر
إلى ذلك، يرى المحلل السياسي الفلسطيني د. عبدالمهدي مطاوع أن البدء العملي في إعادة إعمار غزة يتطلب أولاً رفع الحصار وفتح المعابر بشكل كامل أمام مواد البناء والمواد الأساسية، وليس الاكتفاء بإدخال الغذاء والمساعدات الإنسانية،
موضحاً أن أي خطة للسلام أو الإعمار لا تضع فتح المعابر وإلغاء قوائم المنع في صدارة أولوياتها ستظل عاجزة عن إحداث تغيير ملموس على الأرض.
ويؤكد مطاوع أن نجاح إعادة الإعمار يرتبط بوجود ما يمكن تسميته «اقتصاد إعادة الإعمار»، مشيراً إلى أنه يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية؛ أولها فتح المعابر بصورة كاملة ومنتظمة أمام مواد البناء والاحتياجات الأساسية، وثانيها إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق، وثالثها إنشاء آلية إدارية ومالية موثوقة تتمتع بالمرونة اللازمة للتعامل مع احتياجات الإعمار المتغيرة.
ويضيف أن توافر هذه العناصر الثلاثة يمثل الأساس الذي يمكن من خلاله إطلاق عملية إعادة بناء حقيقية، محذراً من أن غيابها سيؤدي إلى تعطيل جهود الإعمار وتحويل غزة إلى منطقة تُدار إنسانياً بدلاً من أن يُعاد بناؤها.
ويشدد مطاوع على أن إعادة الإعمار تحتاج إلى بيئة اقتصادية وأمنية وإدارية فلسطينية وطنية تسمح بتدفق الموارد وتنفيذ المشروعات، مؤكداً أن فتح المعابر وتسهيل إدخال مواد البناء والمستلزمات الأساسية ليسا إجراءين ثانويين، بل شرط لازم للانتقال من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى مرحلة التعافي وإعادة البناء.
اختبار
في السياق ذاته، يقول خبير العلاقات الدولية ونائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، د. رامي زهدي، إن إعادة إعمار غزة لم تعد مجرد عملية لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما تمثل اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على تحويل الالتزامات الإنسانية والسياسية إلى واقع، في ظل كارثة تجاوزت الدمار العمراني لتطال مقومات الحياة والاقتصاد والبنية الاجتماعية.
ويوضح أن البدء الفعلي في الإعمار يتطلب أولاً وقفاً مستداماً لإطلاق النار، وفتح المعابر بصورة منتظمة وآمنة، وضمان تدفق المساعدات والوقود والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد البناء والمعدات الهندسية، قبل الانتقال إلى إزالة الركام والذخائر غير المنفجرة، وإعادة تأهيل المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتوفير مساكن آمنة للنازحين.
ويؤكد زهدي أن الإعمار يجب ألا يقتصر على إعادة بناء الحجر، بل يمتد إلى إنعاش الاقتصاد الفلسطيني واستعادة النشاط التجاري والإنتاجي وخلق فرص العمل، من خلال آلية تمويل عربية ودولية شفافة تضمن توجيه الموارد إلى الأولويات.
ويرى أن الحصار يمثل جوهر المعادلة، إذ لا يمكن تحقيق تعافٍ حقيقي مع استمرار القيود على حركة الأفراد والبضائع. ويشير إلى أهمية الدور المصري في دعم المسار الإنساني واللوجستي والوساطة، مؤكداً ضرورة أن تكون عملية الإعمار بقيادة فلسطينية، وأن تقترن بحماية وحدة الأراضي الفلسطينية ورفض التهجير.
ويخلص زهدي إلى أن السلام والإعمار مساران متلازمان، فلا إعمار حقيقياً دون رفع القيود، ولا سلام مستداماً دون أفق سياسي يعالج جذور الصراع ويضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.













