
تحضر “المونة” في الذاكرة السورية بوصفها عادة موسمية ارتبطت بالاكتفاء المنزلي وتخفيف أعباء الشتاء، إلا أن تحولات الاقتصاد وارتفاع الأسعار أعادا تشكيل هذا التقليد، ليصبح أكثر ارتباطاً بالقدرة الشرائية منه بالعادات الاجتماعية.
وبين تفاوت الأسعار في الأسواق وارتفاع تكاليف الإنتاج والتخزين، تواجه الأسر تحديات متزايدة في الحفاظ على هذا النمط الاستهلاكي، في ظل واقع معيشي ضاغط يحد من جدواه الاقتصادية ويعيد طرح أسئلة حول استمراره بالشكل السابق.
مع حلول هذه الأيام من كل عام، تبدأ الأسر السورية بتحضير أصناف موسمية من “المونة”، أبرزها الفول والبازلاء والملوخية والثوم، إذ يجري تقشير الفول والبازلاء وتجميدهما لاستخدامهما لاحقاً، إلى جانب تجفيف الملوخية والثوم.
وفي جولة على عدد من أسواق دمشق، بدا واضحاً تباين الأسعار بين منطقة وأخرى، إلا أن القاسم المشترك بينها هو ارتفاعها مقارنة بالموسم الماضي.
وتراوح سعر كيلوغرام الفول الأخضر في سوق الهال بين 40-100 ليرة جديدة (4,000-10,000 ليرة قديمة)، بينما بلغ كيلوغرام البازلاء أكثر من 100 ليرة (10,000 ليرة قديمة)، فيما سجل كيلوغرام الثوم بين 50-60 ليرة (5,000-6,000 ليرة قديمة).
وفي سوق الشعلان، المعروف أيضاً بسوق “التنابل”، يتراوح سعر كيلوغرام الفول الأخضر الجاهز دون قشور بين 350-400 ليرة جديدة (35-40 ألف ليرة قديمة)، تبعاً لحجم الحبة، فيما تسجّل البازلاء أسعاراً متقاربة، بينما يبدأ سعر كيلوغرام الملوخية من 250 ليرة (25 ألف ليرة قديمة).
وتقول سميرة بلول، إنها اعتادت تحضير “المونة” الصيفية في كل عام، إلا أنها خفّضت خلال السنوات القليلة الماضية الكميات التي كانت تعدّها، نتيجة الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي وارتفاع الأسعار.
وتضيف لصحيفة “الصورة السورية”، أن الواقع تغيّر اليوم مع تحسن ساعات التغذية الكهربائية، ما ساعد على حفظ “المونة” بشكل أفضل، غير أن ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية دفعا كثيراً من الأسر إلى تقليل الكميات المحضّرة، أو العزوف عن إعدادها بالكامل.
تكلفة “المونة”
من جانبه، يشير أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، إلى أن كلفة تحضير “المونة” هذا العام ارتفعت مقارنة بالعام الماضي.
وأوضح أن سعر كيلوغرام الفول الأخضر يتراوح بين 100 و120 ليرة (10,000–12,000 ليرة قديمة)، مقارنة بنحو 5 آلاف ليرة قديمة في الموسم الماضي.
كما سجّل كيلوغرام البازلاء مستويات تتراوح بين 150-200 ليرة (15-20 ألف ليرة قديمة)، في حين بلغ سعر كيلوغرام الثوم نحو 10 آلاف ليرة سورية.
وأضاف حبزة لصحيفة “الثورة السورية”، أن تكلفة “المونة” لأسرة مؤلفة من 5 أشخاص وبكميات محدودة تصل إلى 6,000 ليرة (600 ألف ليرة قديمة) كحد أدنى، متوقعاً أن ترتفع هذه التكلفة مع زيادة تعرفة الكهرباء، وهو أمر لا يتناسب مع دخل المواطن.
ويرى حبزة أن ارتفاع التكلفة، الناتج عن زيادة تعرفة الكهرباء والاعتماد على التخزين في البرادات، سيؤدي إلى زيادة الكلفة بنحو 30 بالمئة مقارنة بالعام الماضي،
في حين كانت الأسر سابقاً تعتمد على أساليب تقليدية في التخزين والتجفيف تحت أشعة الشمس وبكميات أقل.
واعتبر أمين سر جمعية حماية المستهلك أن الانتقال إلى سياسة السوق الحر جعل كل تاجر يسعّر كما يشاء دون ضوابط واضحة، ما انعكس سلبياً على المزارع الذي يتحمل الخسارة بالدرجة الأولى نتيجة ارتفاع تكاليف السماد والسقاية والمبيدات،
فضلاً عن تعدد حلقات الوساطة التي تؤدي إلى ارتفاع سعر الكيلوغرام من سوق الهال إلى أسواق المفرق بأكثر من 50 بالمئة.
تراجع الجدوى
يرى المحلل الاقتصادي سامر مصطفى، أن “المونة” كانت في الماضي وسيلة فعالة لتوفير المال على المدى الطويل، إذ أتاحت للأسر الاستفادة من وفرة المنتجات في موسمها وانخفاض أسعارها نسبياً.
وقال مصطفى لصحيفة “الثورة السورية”، إن هذا التوازن اختل اليوم، لأن الأسعار لم تعد خلال الموسم منخفضة بالقدر الكافي لتحقيق وفورات حقيقية، ما أفقد “المونة” جزءاً مهماً من جدواها الاقتصادية.
وأضاف مصطفى أنه رغم هذه التحديات، لا تزال بعض الأسر تحافظ على هذا التقليد، إما بدافع التمسك بالعادات القديمة أو لضمان توفر مواد غذائية منزلية ذات جودة أفضل، إلا أن ذلك يتم غالباً بجهود مضاعفة وتضحيات كبيرة، سواء عبر تقليص الإنفاق اليومي أو اللجوء إلى أعمال إضافية لتأمين التكاليف.
واعتبر أن “المونة” تحولت إلى مؤشر واضح على حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها الأسر السورية، ففي ظل التحديات المعيشية المتزايدة، باتت العائلات في حالة تكيّف مستمر، تحاول الموازنة بين الحفاظ على العادات المتوارثة وتأمين احتياجاتها الأساسية بأقل الخسائر الممكنة.
الثورة السورية – ميساء العلي










