ثقافة وفن

العيد في الدراما السورية.. بين الترفيه والتحوّلات الاجتماعية

يزخر العيد عادة بطقوس تسبق أيامه الأولى، حالات إنسانية واجتماعية متجذرة في الوجدان السوري، أسواق مزدحمة بالعائلات والأطفال حتى ساعات متأخرة،

أصوات التكبيرات التي تسبق صباحه الأول، رائحة الحلوى التي تملأ المكان، وبعض الأغاني التي ترافق المناسبة جيلاً بعد جيل، ولعل من أشهرها أغنية أم كلثوم “يا ليلة العيد” التي تحولت مع الزمن إلى جزء من الصورة الذهنية عن العيد.

ولسنوات، كانت هذه الصور حاضرة أيضاً في الدراما السورية، التي شاركت بدورها في تشكيل وعينا، من صلاة العيد والعيدية، إلى زيارات الأقارب ولمّة العائلة، وحتى رحلة الحج بما تحمله من بعد ديني وروحي واجتماعي كبير.

وبين شاشة صنعت جزءاً من ذاكرتنا، وتحولات غيّرت شكل المشاهدة والعيد معاً، تبدو العلاقة بين الدراما والعيد أقرب إلى مساحة تستحق العودة إليها وقراءتها من جديد.

حكايا العيد

شكّلت بدايات الإذاعة والتلفزيون بيئة خصبة للحكايات البسيطة والسرد الهادئ، وكان العيد جزءاً معتاداً من هذه الأعمال،

سواء عبر التمثيليات الإذاعية أو السهرات التلفزيونية أو القصص الاجتماعية التي تدور حول صلة الرحم والتكافل ولمّة العائلة ومواقف المعايدة وملابس الأطفال الجديدة، والعيدية بوصفها تفاصيل صغيرة تحمل الكثير من الفرح والألفة.

واعتمدت تلك المرحلة درامياً على شخصيات أصبحت جزءاً من ذاكرة السوريين، شخصيات مثل “غوار الطوشة ، أبو عنتر, أبو فهمي, أبو رشدي”، وغيرها من النماذج التي حملت شيئاً من روح المجتمع، وقدّمت عبر الكوميديا البسيطة ملامح من الحياة اليومية، ومنها طقوس المناسبات والأعياد المختلفة.

ومع تطور الدراما السورية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ثم الطفرة الإنتاجية التي شهدتها لاحقاً منذ منتصف التسعينات، اتسعت مساحة حضور العيد داخل البناء الدرامي، خاصة في أعمال البيئة الشامية، متجاوزة في بعض الأحيان الإطار الوصفي، لتقدمه كجزء من البيئة والحكاية والصراع.

في أعمال المخرج الراحل بسام الملا، حضرت تفاصيل المجتمع الدمشقي القديم بحمولتها الاجتماعية والدينية والإنسانية، ولم تكن مجرد تفصيل شكلي، كانت محاولة لإعادة بناء زمن كامل بعاداته وتحولاته وعلاقاته المفتقدة.

وفي مسلسل “الخوالي”، بدا المشهد واضحاً، حضرت رحلة الحج كجزء أساسي من البناء الدرامي، فشخصية أبو هاشم التي جسدها الفنان سليم صبري، والتي أوفت بنذرها بالذهاب إلى الحج مشياً على الأقدام بعد إنجابها الولد الموعود هاشم، لتتحول الرحلة إلى مساحة إنسانية مؤثرة داخل العمل.

ولم يكن الحج في تلك المرحلة رحلة ميسّرة كما هو الحال اليوم، بل طريقاً طويلاً من التعب والمخاطر والانتظار، وكانت الرحلة نفسها اختباراً روحياً واجتماعياً يغيّر حياة الإنسان وموقعه داخل محيطه، وهو ما انعكس على تطور الشخصيات ومسار الأحداث.

أما في “ليالي الصالحية” و”باب الحارة”، قدم العيد بشكل أقرب إلى طقوس الحياة اليومية في ذلك الزمن، صناعة المعمول، التحضيرات المنزلية، تفاصيل الضيافة، المعايدات، المصالحات، والتسامح، وغيرها من العلاقات الإنسانية التي وُظّفت للتعبير عن العيد داخل الحارة.

وقدمت هذه الأعمال عموماً صورة بقيت حاضرة في وجدان جمهور واسع، رأى فيها مساحة لاستعادة طقوس افتقدها لاحقاً، أو لمعايشة صورة عن مجتمع أكثر بساطة وتقارباً من تعقيدات الواقع الحالي.

الكوميديا طرح مختلف

على الضفة الأخرى، بقيت الكوميديا السورية مساحة مختلفة لتناول العيد، خاصة في أعمال مثل سلسلة “مرايا” و”بقعة ضوء”، حيث حضرت المناسبة من زاوية أقرب إلى الهم اليومي مع فرادة الفكرة والطرح.

في “مرايا”، تناولت بعض اللوحات أجواء العيد عبر مفارقات اجتماعية ساخرة، ومنها لوحة أضحية العيد وما يرافقها من خلافات ومواقف تتطور باتجاه كوميدي يعتمد على الطرافة والمفارقة، ضمن أسلوب تميز بها الفنان ياسر العظمة في لوحاته.

ورغم المبالغة التي حملتها بعض هذه اللوحات، إلا أنها بقيت حاضرة في ذاكرة الجمهور، وسهلة التداول والاستعادة حتى اليوم.

أما “بقعة ضوء”، فاتجه في كثير من لوحاته نحو كوميديا سوداء أكثر واقعية، فمثلاً وفي واحدة من اللوحات بعنوان “العيد”، بطولة بسام كوسا وليلى جبر، ظهر رجل متوسط الحال يعيش ضغط المناسبة من زاوية مختلفة، العيدية،

الالتزامات الاجتماعية، والحاجة إلى مجاراة المحيط، لتتحول المناسبة من مساحة فرح إلى عبء يثقل كاهل الشخصية، مع بحث دائم عن لحظة هادئة وصادقة وسط ثقل الالتزامات.

أما اللوحة الأشهر فكانت بعنوان “قال الطفل في العيد”، وهي لوحة من تأليف عدنان زراعي، نظرت إلى الحدث من زاوية طفل صغير يحمل أحلاماً بسيطة تشبه ذاكرة كثيرين، العيدية، الملابس الجديدة، المراجيح، وتلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع فرح المناسبة.

لكن العمل تجاوز هذا المنظور نحو قراءة تأملية أعمق لحال العيد نفسه، عبر مقاربة خفية بين الواقع والخيال، وبين صورة العيد كما يرسمها الأطفال في مخيلتهم، وصورته كما تفرضه الظروف التي تعيد تشكيل معناه مع الوقت.

كما صوّرت لوحات أخرى طقوس “المعايدة” والزيارات العائلية الإجبارية بشكل ساخر، يكشف الخلافات المبطنة خلف الابتسامات المتبادلة.

تغير الأولويات

مع السنوات التي تلت بداية الثورة السورية عام 2011، تغير المشهد بشكل كبير. فرضت المرحلة أولويات مختلفة على الدراما، فتراجعت الموضوعات المرتبطة بالطقوس والأعياد، لصالح قضايا أكثر إلحاحاً تتعلق بالمعيشة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

ترافق ذلك مع صعود المنصات الرقمية، وتغيّر أنماط المشاهدة، وتحول الشاشة من مساحة جماعية مشتركة إلى تجربة أكثر فردية.

يرى الاختصاصي الاجتماعي الدكتور عمار الأفندي في حديثه لـ”الثورة السورية” أن الدراما لعبت لعقود دوراً في بناء ذاكرة اجتماعية حول العيد، لكنها فقدت جزءاً من هذا الدور مع تغير وسائل المشاهدة، مضيفاً أن غياب فضاءات اجتماعية موازية كالمسرح والسينما في مجتمعنا جعل التحول أكثر وضوحاً.

أما محمد الخطيب، وهو شاب في العشرينات، فيرى خلال حديثه لـ “الثورة السورية” أن علاقته مع العيد درامياً متواضعة،

ويقول: “نعيش العيد اليوم بطريقة مختلفة، فالهاتف حاضر أكثر، والمقاطع الاجتماعية القصيرة تملأ الوقت، وهي تعكس واقع العيد، لكنها قليلاً ما تتحول إلى ذاكرة طويلة، وربما العمل الوحيد الذي أشاهده مع العائلة بشكل متكرر هو فيلم الرسالة للمخرج مصطفى العقاد، الذي يُعرض عادة خلال فترة عيد الأضحى ويتناول سيرة ورسالة النبي محمد عليه الصلاة والسلام”.

اليوم، ومع تغيّر أنماط المشاهدة، تبدلت أشياء كثيرة، ومع ذلك، لا تزال مشاهد درامية عن العيد عالقة في الذاكرة، تحاول استعادة بعض اللحظات الدافئة مع الأهل والأصدقاء.

وربما لم تغب الأعياد عن الدراما تماماً، لكن صورة العيد نفسها اختلفت، وتغيّرت معها الحكاية التي تُروى على الشاشات.

الثورة السورية- صالح العويتي

زر الذهاب إلى الأعلى