
تتمتع محافظة اللاذقية وريفها بتنوع فريد يمزج بين التاريخ الثقافي الأصيل والطبيعة الساحرة، إذ تضم معالم أثرية وتاريخية بارزة، إلى جانب الشواطئ والمصايف والغابات الجبلية، ما يجعلها واحدة من أبرز الوجهات السياحية والثقافية في سوريا.
وفي تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، بيّن مضر كنعان، المختص في علم التاريخ، أن المعالم السياحية والثقافية في المحافظة تعود إلى عصور تاريخية متعددة، وتتوزع بين معالم ذات طابع عسكري كالقلاع، وأخرى دينية كالجوامع والكنائس.
وأشار إلى وجود “قوس النصر” العائد للعصر الروماني في نهاية القرن الأول قبل الميلاد، إضافة إلى بقايا معبد “باخوس” الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي. أما في العصر البيزنطي، فتبرز عدة كنائس قديمة.
وأشار كنعان إلى وجود عدد من الجوامع الأثرية التي تعود إلى العصر العثماني في القرن الثامن عشر الميلادي، مثل جامع الوزير سليمان باشا العظم المعروف بـ”الجامع الجديد”، وجامع الصليبة، وجامع المرفأ، إضافة إلى جامع المغربي الذي يعود إلى مطلع القرن التاسع عشر الميلادي.
أما في العصر الإسلامي، فأوضح أن اللاذقية تضم 13 جامعاً، من أشهرها وأكبرها الجامع المنصوري الذي تأسس على يد صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر الميلادي، إضافة إلى جامع الأمشاطي.
وقال كنعان إن من أبرز المعالم الأثرية والسياحية في ريف اللاذقية المسرح الروماني في مدينة جبلة، الذي يُعد واحداً من أهم ثمانية مسارح رومانية باقية في سوريا، ويتسع لنحو ثمانية آلاف متفرج، مشيراً إلى أنه استُخدم كقلعة خلال العصور الوسطى، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن الثاني الميلادي.
وأضاف أن جامع السلطان إبراهيم بن الأدهم يُعد من أبرز المعالم الإسلامية في جبلة، حيث شُيّد عبر مراحل تاريخية متعددة امتدت من العصر السلجوقي والمملوكي حتى العثماني، إلى جانب الجامع الكبير المنصوري الذي يعود بناؤه إلى القرن الحادي عشر الميلادي، فضلاً عن مسجد الغزالي ومسجد علي أديب من العصر العثماني.
وذكر كنعان أن قلعة صلاح الدين الأيوبي في اللاذقية تضم معالم تعود إلى ثلاثة عصور تاريخية، تبدأ من الحقبة البيزنطية، مروراً بفترة الحروب الصليبية التي شهدت توسع القلعة وتحصينها،
وصولاً إلى العصرين الأيوبي والمملوكي بعد تحريرها على يد صلاح الدين الأيوبي عام 1188م، حيث أضيفت إليها معالم كالمسجد والقصر والمدرسة والحمام.
وأشار إلى أن القلعة تُعد من المواقع الأثرية السورية المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.
كما لفت إلى أن قلعة المهالبة في ريف القرداحة تمثل شاهداً على عراقة المعالم الأثرية في المنطقة، ويعود تاريخ بنائها إلى القرن الحادي عشر الميلادي.
وأشار أيضاً إلى وجود ثلاثة حمامات أثرية تعود للعصر العثماني، هي الحمام الصغير، وحمام البازار، والحمام الجديد، إلى جانب عدد من الخانات التاريخية، منها الخان الجديد وخان البازار وخان الدخان، الذي يشغل اليوم مبنى متحف اللاذقية، ويعود إلى القرن السابع عشر الميلادي.
وأضاف أن المحافظة تضم عدداً من الدور والقصور الأثرية والقناطر وأنصاف القناطر، مثل قصر أسرة السعادة في اللاذقية الذي يعود إلى عام 1905، وقصر عبد الحميد العجان في ساحة الشيخ ضاهر من القرن التاسع عشر الميلادي، إضافة إلى قصر أسرة علي أديب وحمام السلطان إبراهيم وحمام الباشا أو “التصاوير” في مدينة جبلة.
ومن جهته، أوضح مدير دائرة الآثار في مدينة جبلة، عبدالله زكريا، أن موقع أوغاريت يُعد من أهم المواقع السياحية والثقافية في اللاذقية، نظراً لما يحتويه من معالم تاريخية بارزة،
منها القصر الملكي الذي اكتُشفت في أحد أركانه مكتبة تضم واحدة من أقدم الأبجديات في العالم، وآلاف الرقم المسمارية، إضافة إلى أقدم نوطة موسيقية مكتشفة حتى الآن.
وأشار زكريا إلى وجود معبد الإله بعل والإله دجن، إضافة إلى منزل ومكتبة العالم “رابانو”، الذي يُعد من أقدم الأطباء البيطريين المعروفين تاريخياً، حيث عُثر داخل منزله على أرشيف ضخم يضم قواميس ومقارنات لغوية.
ولفت إلى أن موقع أوغاريت يقع على بعد 13 كيلومتراً شمال مدينة اللاذقية، واكتُشف عام 1929، حيث بدأت بعثة فرنسية برئاسة كلود شيفر أعمال التنقيب فيه، واستمرت حتى عام 2011، كما تم ترشيحه للإدراج على لائحة التراث العالمي لليونسكو.
كذلك أشار زكريا إلى عدد من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في محافظة اللاذقية، منها رأس البسيط، ووادي قنديل، وغابات الفرلق، ومصيف كسب، ومنطقة سلمى، وشلالات قرية دورين، والصلنفة، وقمة النبي يونس، وجبل الشعرة، ومقامات بني هاشم، إضافة إلى شلالات وادي القلع ووادي الملوك.
وبيّن أن المعالم السياحية والثقافية تحتاج إلى اهتمام أكبر من قبل وزارتي الثقافة والسياحة، من خلال أعمال الترميم والتأهيل، ووضع مسارات سياحية وخرائط رقمية،
إلى جانب تعزيز التوعية بأهمية هذه المواقع عبر اللوحات التعريفية والدلالية، وتنظيم أنشطة ثقافية ورحلات مدرسية وجامعية تسهم في تعريف الزوار والطلاب بتاريخ المنطقة ومعالمها.
الخطط الحالية والمستقبلية
أوضح زكريا أنه تم إعداد أكثر من دراسة ترميمية للمواقع التي تحتاج إلى إعادة تأهيل، وهي حالياً بانتظار التنفيذ،
مشيراً إلى أن العمل ما يزال مستمراً لدراسة آليات استثمار وتفعيل المواقع سياحياً من جوانب متعددة، كالمسارات السياحية ضمن مدينة جبلة القديمة والمسرح الروماني، إضافة إلى أعمال التوثيق الخاصة بالمباني والمعالم التاريخية المهمة.
وأكد أن استمرارية المراقبة الفنية وأعمال الصيانة الدورية تمثلان العامل الأساسي في الحفاظ على المعالم الأثرية، إلى جانب منع التعديات الخارجية كالأبنية المضافة التي تؤثر على الشكل المعماري للمعلم الأثري وتشوه هويته التاريخية وتخرجه من سياقه الأصلي.
من جهته، أوضح مدير السياحة في محافظة اللاذقية، فادي نظام، أن مديرية السياحة تعمل على إعداد خطة للمسارات السياحية بهدف إبراز أهم مقومات الجذب السياحي في المحافظة، سواء في السياحة الأثرية أو الثقافية أو التاريخية، بدءاً من مسار المدينة القديمة وقوس النصر وصولاً إلى مدينة أوغاريت.
وشدد على أن المدينة القديمة تضم المسار الروحي الذي يشمل الجوامع والكنائس، إضافة إلى مسار التراث الثقافي، مبيناً أن مديرية السياحة تعمل بالتعاون مع الوحدة الإدارية ومجلس المدينة على تأهيل مسار الأسواق القديمة، عبر تنفيذ أعمال إنارة وتعبيد للطرقات وتأهيل المتحف الوطني وقوس النصر.
وتابع أن مسار الكورنيش البحري الممتد من الكورنيش الغربي إلى الكورنيش الجنوبي وصولاً إلى دوار الشاطئ يُعد من أهم المسارات السياحية، نظراً لوجود العديد من المنشآت السياحية فيه، إلى جانب استضافته أنشطة وفعاليات مرتبطة بالمدينة الرياضية.
ولفت إلى العمل على تطوير مسار “أقدم أبجدية في التاريخ”، والمتمثل بأبجدية أوغاريت، ضمن مسار القلاع الممتد باتجاه قلعة صلاح الدين وقلعة المهالبة وقلعة المينقة،
مشيراً إلى أن مديرية السياحة تتعاون مع مكاتب السياحة والسفر لجذب أنماط خاصة من السياحة، ولا سيما المهتمين بالتراث الثقافي والشعبي، سواء من طلاب كليات السياحة أو الزوار القادمين من دول الجوار.
ونوّه إلى أهمية سياحة المغامرات ضمن “مسار الأحلام” الممتد من دوار الأزهري باتجاه برج إسلام وصليبة التركمان ووادي قنديل وسد بلوران وأم الطيور وصولاً إلى كسب وغابات الفرلق.
وأكد أهمية مسار جبلة، بما يشمله من المدينة القديمة والكورنيش البحري وريف جبلة، مثل وادي الملوك وطريق بيت ياشوط المؤدي إلى مدينة حماة، ومحور الصلنفة والحفة وسلمى، وطريق M4 وصولاً إلى منطقتي القساطل والربيعة،
مشيراً إلى أن وزارة السياحة تعمل بالتعاون مع محافظة اللاذقية والوحدات الإدارية على تأهيل العديد من هذه المسارات.
وأردف مدير السياحة في اللاذقية أن التركيز الحالي ينصب على سياحة الشباب والأنشطة وسياحة المغامرات والتخييم والمسير، مؤكداً أن مديرية السياحة تعمل أيضاً على دعم المشاريع السياحية الاستثمارية، نظراً لما يتمتع به الساحل السوري من مقومات غنية ومتنوعة.
وختم بالقول إن وزارة السياحة تتعاون مع هيئة الاستثمار ومحافظة اللاذقية لإعداد خارطة استثمارية واضحة، بما يتيح طرح الفرص الاستثمارية وفق القوانين والأنظمة المعمول بها في هيئة الاستثمار السورية.
الثورة السورية – مارينا قبو














