
قبل أن تصبح أجهزة الكمبيوتر المحمولة جزءا أساسيا من حياتنا اليومية، كان نقل الحاسوب من مكان إلى آخر أمرا صعبا وغير مألوف، لكن في عام 1981، ظهر جهاز Osborne 1 ليقدم مفهوما جديدا للحوسبة المتنقلة، ويفتح الطريق أمام تطور أجهزة الكمبيوتر المحمولة التي نستخدمها اليوم.
قدّمه المبتكر البريطاني آدم أوزبورن باعتباره أول حاسوب محمول في العالم، رغم أن وزنه بلغ نحو 11.1 كيلوغراما، وشاشته لم تتجاوز 5 بوصات، ما جعله أقرب إلى حقيبة سفر صغيرة منه إلى الأجهزة المحمولة المعروفة حاليا.
ظهور لافت في عالم الكمبيوتر
لفت Osborne 1 الأنظار خلال معرض West Coast Computer Faire بمدينة سان فرانسيسكو الأمريكية في أبريل 1981، بعدما ظهر وسط أجهزة الكمبيوتر المكتبية التقليدية بتصميم غير مألوف.
وكان الجهاز مزودا بشاشة أحادية اللون تعمل بتقنية أنبوب أشعة الكاثود (CRT)، ومحركين للأقراص المرنة بحجم 5.25 بوصات، مع إمكانية عرض 52 حرفا في السطر الواحد عبر 24 سطرا.
ورغم أن وزنه بلغ نحو 11.1 كيلوغراما، فإنه لم يكن يحتوي على بطارية، ما استلزم توصيله بمصدر كهرباء في كل مرة يُستخدم فيها.
لكن ما منح الجهاز ميزة تنافسية حقيقية كان سعره البالغ 1795 دولارا، إلى جانب حزمة برامج مرفقة بلغت قيمتها نحو 1500 دولار، وهو ما جعله عرضا جذابا في سوق التكنولوجيا آنذاك.
وشملت البرامج نظام التشغيل CP/M 2.2، وبرنامج معالجة النصوص WordStar، وبرنامج الجداول الحسابية SuperCalc، وبرنامج MailMerge، إضافة إلى لغتي البرمجة Microsoft BASIC وcbasic، كما تضمنت بعض الإصدارات اللاحقة برنامج قواعد البيانات dBase II.
ثورة في بيئة العمل
سرعان ما اجتذب الجهاز اهتمام الصحفيين والمحامين والمحاسبين، بفضل إمكانية استخدامه خارج المكاتب التقليدية.
وكان الصحفيون من أبرز المستفيدين، إذ أتاح لهم كتابة التقارير وإرسالها من الفنادق ومواقع الأحداث مباشرة.
وفي عام 1982، اصطحب الصحفي ديفيد كلاين جهاز Osborne 1، إلى جانب بطارية خارجية، إلى جبال أفغانستان لتغطية الحرب السوفييتية الأفغانية، مستخدما إياه في إعداد وإرسال تقاريره من الميدان.
كما استخدمه المحامون لاستعراض المذكرات القانونية داخل المحاكم، واستفاد المحاسبون من برامجه الحسابية في إنجاز أعمالهم أمام العملاء.
وبذلك، ساهم الجهاز في تغيير مفهوم مكان العمل، وأثبت أن استخدام الكمبيوتر لا يجب أن يظل مرتبطا بالمكاتب الثابتة.
نجاح تجاري سريع
حقق آدم أوزبورن نجاحا لافتا بعد إطلاق الجهاز، إذ بدأت عمليات الشحن في يونيو 1981، وحققت الشركة أول شهر تتجاوز فيه مبيعاتها مليون دولار بحلول سبتمبر من العام نفسه.
ومع بداية عام 1982، وصلت شحنات الشركة إلى نحو 10 آلاف جهاز شهريا، وبلغت إيراداتها 73 مليون دولار خلال عامها الأول، قبل أن تصل إلى 100 مليون دولار في العام التالي.
وأصبح أوزبورن أحد أبرز الأسماء في صناعة الكمبيوتر، إلى جانب بيل غيتس وستيف جوبز.
لكن النجاح جذب المنافسين، وظهرت أجهزة أكثر تطورا، من بينها Kaypro II الذي قدم شاشة بحجم 9 بوصات، إلى جانب أجهزة متوافقة مع معيار IBM.
تأثير أوزبورن.. بداية الانهيار
مع اشتداد المنافسة، بدأت شركة أوزبورن تطوير أجهزة جديدة، أبرزها Osborne Executive وVixen.
وفي يناير 1983، أعلن أوزبورن قرب طرح هذه الأجهزة، وهو ما دفع العملاء والتجار إلى تأجيل شراء Osborne 1 انتظارا للإصدارات الجديدة.
ونتيجة لذلك، تراجعت الطلبات وتراكمت الأجهزة غير المباعة في المستودعات، بالتزامن مع تصاعد المنافسة وانتشار معيار IBM PC.
ورغم طرح Osborne Executive في أبريل 1983 بسعر 2495 دولارا، مع شاشة أكبر وتحسينات إضافية، لم يتمكن من إنقاذ الشركة.
وتفاقمت الأزمة المالية، واضطرت الشركة إلى تسريح مئات الموظفين وإغلاق مصنع في ولاية نيوجيرسي، قبل أن تعلن إفلاسها رسميا في 13 سبتمبر 1983.
وأصبحت هذه الواقعة تُعرف باسم “تأثير أوزبورن” (Osborne Effect)، وهو مصطلح يُستخدم لوصف مخاطر الإعلان المبكر عن المنتجات الجديدة، بما يدفع العملاء إلى التوقف عن شراء المنتجات الحالية انتظارا للإصدارات المقبلة.
لكن انهيار الشركة لم يكن نتيجة هذا الخطأ وحده، بل ساهمت فيه أيضا المنافسة الشديدة وتقادم التكنولوجيا والتوسع المالي والتشغيلي المفرط.
نهاية الشركة وبقاء الإرث
حاولت الشركة العودة إلى السوق بإطلاق أجهزة جديدة عام 1984، من بينها Osborne 4 Vixen، لكنها لم تحقق النجاح المطلوب، وأغلقت أبوابها نهائيا عام 1986.
وبعد ذلك، خاض أوزبورن تجارب تجارية أخرى في مجال البرمجيات والذكاء الاصطناعي، لكنه لم يستعد مكانته السابقة، وتوفي عام 2003 عن عمر ناهز 64 عاما.
ولا يزال Osborne 1 حاضرا في المتاحف والمجموعات الخاصة، باعتباره إحدى المحطات المهمة في تاريخ الحوسبة.
فقد أثبت وجود طلب حقيقي على أجهزة الكمبيوتر القابلة للحمل، ومهّد الطريق أمام تطور الحواسيب المحمولة والأجهزة اللوحية، كما ساهم في ترسيخ فكرة تقديم الأجهزة مع حزم متكاملة من البرامج.
ورغم أن Osborne 1 اختفى من الأسواق، فإن فكرته بقيت حاضرة في صناعة التكنولوجيا حتى اليوم، ليصبح مثالا على أن الابتكار قد يصنع نجاحا استثنائيا، لكن سوء التوقيت والإدارة قد ينهيان هذا النجاح بالسرعة نفسها.









