صحةمحليات

الصحة النفسية في سوريا.. ما أبرز المشكلات وطرق ‏العلاج؟

تعد اضطرابات القلق والاكتئاب والنوم من أبرز ‏المشكلات النفسية التي يرصدها الاختصاصيون في ‏سوريا، والناجمة عن آثار وتداعيات الحرب ‏والضغوط المعيشية، فيما تبرز أهمية الكشف المبكر ‏وتوسيع خدمات العلاج والدعم النفسي والاجتماعي.‏

وبالتزامن مع اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي ‏يصادف في العاشر من تشرين الأول، تتجدد أهمية ‏التمييز بين الاستجابات الطبيعية للضغوط والحالات ‏التي تستدعي تقييماً متخصصاً، والتعرف إلى ‏الخدمات المتاحة وسبل الوصول إليها.‏

القلق والاكتئاب في صدارة الحالات

بينت إدارة الصحة النفسية في وزارة الصحة، في ‏تصريح لـ سانا، أن القلق والاكتئاب من أكثر ‏الاضطرابات التي يراجع المرضى بسببها خدمات ‏الصحة النفسية.‏

وأوضحت أن جهود الاستجابة تشمل تقديم خدمات ‏نفسية واجتماعية للناجين من الاعتقال عبر مركز في ‏حمص، إلى جانب خدمات العلاج والدعم النفسي في ‏نحو 764 مركزاً للرعاية الصحية الأولية وثلاثة ‏مشافٍ متخصصة، مع خطة لتوسيع التغطية وتجهيز ‏أربعة مشافٍ إضافية.‏

وبينت الاختصاصية النفسية زينة فنري أن القلق ‏والاكتئاب واضطرابات النوم واضطراب الشخصية ‏الحدية، تليها حالات الوسواس القهري ونوبات الهلع ‏واضطرابات ما بعد الصدمات، من أبرز الحالات ‏التي تلاحظها في عيادتها، ولا سيما لدى من مروا ‏بتجارب قاسية خلال سنوات الحرب.‏

وأشارت فنري إلى أن فقدان الطاقة وصعوبة النوم ‏والعزلة والتفكير المتكرر، قد تدفع الشخص إلى طلب ‏المساعدة من دون أن يدرك ارتباطها بمشكلة نفسية. ‏

وأكدت أهمية التقييم المتخصص عندما تؤثر ‏الأعراض في النوم أو العمل أو الدراسة أو العلاقات ‏والواجبات اليومية، أو تتجاوز قدرة الشخص على ‏التعامل معها، مشددة على أن الأفكار الانتحارية أو ‏إيذاء النفس تستدعي تقييماً سريعاً ومباشراً من ‏مختص.‏

الصدمات النفسية.. آثار قد تظهر بعد سنوات

ورأت فنري أن آثار الحرب قد تستمر سنوات بعد ‏انتهاء أحداثها، إذ ينشغل بعض الأشخاص بتأمين ‏معيشتهم وعائلاتهم من دون القدرة على التعامل مع ‏الصدمات، لتظهر أعراضها لاحقاً في ذكريات ‏مزعجة وكوابيس وتجنب ما يذكر بالتجارب السابقة، ‏إضافة إلى التوتر والشعور بالخطر، أو الحزن الشديد ‏والذنب، وصعوبة تكوين العلاقات واستعادة الإحساس ‏بالأمان بعد الفقد. ‏

وأوضحت فنري أن النزوح وعدم الاستقرار ‏والضغوط المعيشية تسهم في تراكم الأعباء النفسية، ‏كما أكدت أن الضغط النفسي لا يعني بالضرورة ‏وجود اضطراب، لكن استمرار القلق بصورة مفرطة ‏أو تأثيره في الحياة اليومية يستدعي الانتباه. ‏

وشددت على ضرورة التمييز بين الاستجابات ‏الطبيعية للظروف الصعبة والحالات التي تحتاج إلى ‏مساعدة متخصصة، وعدم ترك المعاناة النفسية من ‏دون علاج لسنوات.‏

وفي إطار الخدمات المقدمة للمتضررين، أوضحت ‏إدارة الصحة النفسية أن مركزاً واحداً في حمص، ‏بالشراكة مع منظمة «ميدغلوبال»، يقدم خدمات ‏نفسية واجتماعية للناجين من الاعتقال.‏

وتشمل الخدمات جلسات جماعية لدعم إعادة الاندماج ‏في المجتمع، وجلسات فردية لمعالجة اضطرابات ما ‏بعد الرض والاكتئاب والقلق، وخدمات تخصصية ‏للحالات الشديدة يقدمها أطباء نفسيون، إضافة إلى ‏دعم اجتماعي لتلبية احتياجات المستفيدين وربطهم ‏بالجهات المعنية.‏

وأشارت الإدارة إلى وجود خطة لإنشاء مراكز أخرى ‏في مناطق مختلفة من سوريا لتوسيع نطاق هذه ‏الخدمات.‏

متى تستدعي الأعراض تقييماً متخصصاً؟

وأوضحت فنري أن الحزن والخوف والتفكير في ‏التجارب الصعبة استجابات طبيعية لا تعني بالضرورة ‏وجود اضطراب نفسي، لكن استمرار الأعراض أو ‏شدتها وتأثيرها في الحياة اليومية، يستدعي الانتباه وقد ‏يظهر اضطراب الكرب التالي للصدمة في ذكريات ‏وكوابيس متكررة، وتجنب ما يذكر بالحدث، والتوتر ‏المستمر وتغيرات المزاج والشعور بالأمان. ‏

أما الحزن بعد الفقد، وفق فنري، فإنه يستدعي تقييماً ‏متخصصاً إذا أصبح شديداً ومستديماً وأعاق ممارسة ‏الحياة اليومية، أو ترافق مع فقدان الاهتمام والشعور ‏باليأس أو انعدام القيمة واضطرابات النوم والشهية ‏والطاقة.‏

وأكدت فنري أن التقييم يعتمد على شدة الأعراض ‏وتأثيرها في حياة الشخص وقدرته على التكيف، ‏وليس فقط على المدة التي مضت منذ التجربة، مشددة ‏على ضرورة طلب مساعدة متخصصة بصورة عاجلة ‏عند ظهور أفكار عن الموت أو الانتحار أو إيذاء ‏النفس.‏

النوم والصحة النفسية.. علاقة متبادلة التأثير

ولفتت فنري إلى أن صعوبة الخلود إلى النوم ‏والاستيقاظ المتكرر أو المبكر من الشكاوى الشائعة ‏لدى المصابين بالقلق والاكتئاب، وقد ينام بعضهم ‏ساعات طويلة من دون الشعور بالراحة. ‏

وفي المقابل، تزيد قلة النوم القلق والانفعال وصعوبة ‏التركيز، وتضعف القدرة على تحمل الضغوط، ما قد ‏يفاقم الأعراض النفسية.‏

وشددت فنري على أهمية تحديد أسباب اضطرابات ‏النوم، سواء ارتبطت بالقلق أو الاكتئاب أو الصدمات ‏النفسية أو العادات غير المناسبة أو استخدام مواد ‏وأدوية أو مشكلات طبية أخرى، مشيرةً إلى أن ‏معالجة المشكلة النفسية قد تحسن النوم، كما أن ‏تحسينه قد يكون جزءاً أساسياً من التعافي.‏

المهدئات.. راحة مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة

وحذرت فنري من استخدام المهدئات من دون إشراف ‏طبي، إذ قد توفر راحة مؤقتة من دون معالجة أسباب ‏القلق أو الاكتئاب واضطرابات النوم، وقد يؤدي ‏استخدام بعض الأدوية إلى الاعتماد والتحمل الدوائي ‏وأعراض انسحابية عند إيقافها فجأة.‏

وأكدت أهمية طلب المساعدة مبكراً، لأن الإنسان قد ‏يتكيف مع المعاناة النفسية حتى تصبح جزءاً من ‏حياته، رغم أن الحالة قد تكون قابلة للعلاج. ‏

وتشمل الخطوة الأولى الاعتراف بأهمية الصحة ‏النفسية وعدم الانتظار حتى تتفاقم الأعراض، فيما قد ‏يتضمن العلاج تقييم الحالة وتشخيصها والعلاج ‏النفسي وتنظيم النوم والدعم الاجتماعي وتغيير أنماط ‏الحياة، إلى جانب الأدوية عند الحاجة، للحد من تفاقم ‏المشكلة وتأثيرها في العمل والعلاقات والحياة اليومية.‏

سلوكيات الأطفال.. مؤشرات تستحق الانتباه

توضح الاختصاصية النفسية وتعديل سلوك الأطفال ‏والمراهقين وفاء غيبة أن الضغوط النفسية قد تظهر ‏في العلاقات الأسرية من خلال العصبية وسرعة ‏الانفعال والانسحاب وقلة الحوار، فيما قد تتجلى لدى ‏الأطفال في العناد والخوف واضطرابات النوم ‏والتعلق الزائد بالوالدين أو تراجع التحصيل الدراسي.‏

وأشارت غيبة إلى أن هذه السلوكيات قد تكون ‏مؤشرات على معاناة نفسية وليست بالضرورة دليلاً ‏على سوء التربية، مؤكدةً أهمية الانتباه إلى استمرار ‏الأعراض وشدتها وتأثيرها في الحياة اليومية، ‏والتدخل المتخصص عند تفاقمها أو ظهور سلوك مؤذٍ ‏للنفس أو عدواني شديد.‏

وأوضحت غيبة أن دور الأسرة يبدأ بالاستماع من ‏دون لوم أو التقليل من المشاعر، محذرةً من عبارات ‏مثل «أنت تبالغ» أو «كن أقوى» التي قد تزيد ‏العزلة. ‏

وشددت على تشجيع الشخص على طلب المساعدة من ‏دون ضغط أو وصمة، موضحةً أن الأسرة مصدر ‏للأمان والدعم وليست بديلاً عن المعالج المختص.‏

‏764 مركزاً للرعاية الأولية يقدم خدمات الصحة ‏النفسية

بينت إدارة الصحة النفسية أن الخدمات تشمل العلاج ‏في العيادات الخارجية والإقامة في المشافي للحالات ‏الشديدة، بإشراف أطباء نفسيين وأطباء عامين مدربين ‏على برنامج رأب الفجوة في الصحة النفسية، إضافة ‏إلى الدعم النفسي الفردي والتوعية عبر المحاضرات.‏

وأوضحت أن نحو 764 مركزاً للرعاية الصحية ‏الأولية يقدم هذه الخدمات حالياً، مع العمل على توسيع ‏التغطية لتشمل جميع المراكز في سوريا. ‏

كما تقدم ثلاثة مشافٍ، هي ابن خلدون في حلب وابن ‏سينا وابن رشد في دمشق، خدمات الإقامة والعلاج ‏للحالات الشديدة، بالتوازي مع تجهيز أربعة مشافٍ ‏أخرى تمهيداً لافتتاحها.‏

وفيما يتعلق بالاحتياجات النفسية في سوريا، أشار ‏تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في تموز ‌‏2025 إلى أن التقديرات تشير إلى أن شخصاً من كل ‌‏10 أشخاص يعاني حالة نفسية خفيفة إلى متوسطة، ‏مقابل شخص من كل 30 يُحتمل أن يعاني حالة أشد. ‏

ووفق التقرير، ارتفعت مراجعات الاكتئاب بنسبة 81 ‏بالمئة، ومراجعات اضطرابات التكيف واضطراب ما ‏بعد الصدمة بنسبة 568 بالمئة بين عامي 2022 ‏و2023، فيما بقيت الحالات المسجلة خلال عام ‌‏2024 أعلى من مستويات ما قبل زلزال شباط ‌‏2023.‏

سانا

Related Articles

Back to top button