محليات

اللشمانيا في حلب.. أكثر من 13 ألف إصابة وحملة واسعة للمكافحة

مع تزايد الإصابات المسجلة بمرض اللشمانيا في محافظة حلب خلال الأشهر الأخيرة، عاد هذا المرض الجلدي إلى واجهة التحديات الصحية والخدمية، في ظل اتساع انتشاره في عدد من الأحياء السكنية والمناطق الريفية.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات حول العوامل التي أسهمت في تفشي المرض، ومدى كفاية الإجراءات الوقائية والمكافحة للحد من انتشاره وحماية السكان، ولا سيما مع ارتباطه بعوامل بيئية وخدمية تتطلب معالجة متكاملة ومستدامة.

ويجمع عدد من أهالي حلب الذين التقتهم “الثورة السورية” على أن تراجع مستوى النظافة العامة وانتشار النفايات والحشرات أسهما في زيادة انتشار اللشمانيا، مؤكدين أن معالجة بؤر تكاثر الحشرة الناقلة تمثل الخطوة الأساسية للحد من الإصابات.

ورأى أحمد الأحمد أن كثرة الجور الفنية ومرابط الأبقار في بعض مناطق ريف حلب ساعدت على زيادة انتشار الحشرة، كما أشارت رشا رزق الله إلى أن المناطق المهدمة تشكل بيئة مناسبة لتكاثرها، في حين شدد عبد الله رسلان على أهمية وضع خطة مستدامة لترحيل النفايات بشكل يومي وتحسين الواقع البيئي في المدينة.

من جانبه، أكد سلطان تركاوي أن الحد من انتشار المرض يتطلب تحسين الواقع البيئي والخدمي، من خلال معالجة مشكلات الصرف الصحي والحد من تراكم النفايات وإزالة مصادر تكاثر الحشرات، إلى جانب توفير العلاجات بكميات كافية لضمان وصولها إلى جميع المناطق التي تنتشر فيها الإصابات.

زيادة ملحوظة في الإصابات

وفي تصريح لـ”الثورة السورية”، أفاد الدكتور عبد الله عبد الباري، رئيس دائرة برامج الصحة العامة في مديرية صحة حلب، بأن عدد الإصابات بمرض اللشمانيا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 بلغ 13154 إصابة، مقارنة بـ10072 إصابة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقدر بنحو 30 بالمئة.

وأوضح عبد الباري أن ارتفاع عدد الإصابات يرتبط بعودة السكان إلى مناطقهم، حيث تتوافر بيئة مناسبة لتكاثر ذبابة الرمل الناقلة للمرض نتيجة وجود الأنقاض والركام وشبكات الصرف الصحي المكشوفة.

ولفت إلى أن الإصابات تتركز في عدد من أحياء مدينة حلب، أبرزها الحيدرية والفردوس وقاضي عسكر والأشرفية والشيخ مقصود، إلى جانب تسجيل معدلات إصابة مرتفعة في منبج والسفيرة ودير حافر والباب والأتارب.

وأكد أن الأدوية اللازمة لعلاج المرض متوفرة مجاناً في المراكز العلاجية، مشيراً إلى أن أبرز الاحتياجات الحالية تتمثل في زيادة عدد مراكز التشخيص والعلاج، ولا سيما في مناطق الريف.

وأضاف أن مديرية الصحة بدأت تنفيذ حملة رش وتوعية ضمن حملة “معاً لمكافحة اللشمانيا”، حيث تعمل فرق جوالة مدربة على رش المنازل، مع متابعة نتائج الحملة من خلال رصد الإصابات الجديدة وقياس مدى استجابة المرضى لتوصيات فرق التوعية.

حملة تستهدف 200 ألف منزل

ولمواجهة انتشار المرض، أطلقت محافظة حلب حملة شاملة تحت شعار “معاً لمكافحة اللشمانيا”، بهدف الحد من انتشاره والقضاء على الحشرة الناقلة له، في أول حملة من نوعها على مستوى المحافظة من حيث شموليتها واتساع نطاقها الجغرافي.

وانطلقت الحملة في السادس من حزيران الجاري بإشراف محافظة حلب، وبمشاركة مديرية الصحة ومجلس مدينة حلب ومديرية الطوارئ وإدارة الكوارث ومديرية الخدمات الفنية ومنظمات المجتمع المحلي، ضمن خطة تجمع بين المكافحة الحشرية والتوعية الصحية وتحسين الواقع البيئي.

وأوضح مدير دائرة إعلام المحافظة مأمون الخطيب أن الفرق الميدانية باشرت أعمالها في مختلف أحياء المدينة ومناطق الريف، من خلال تنفيذ عمليات رش للمبيدات لمكافحة أنثى ذبابة الرمل الناقلة للمرض، وتشمل الإجراءات رش الجدران والأسطح الداخلية للمنازل بالمبيدات ذات الأثر المتبقي، إضافة إلى تنفيذ الرش الضبابي في الشوارع والأحياء السكنية للقضاء على الحشرات الطائرة.

وتستهدف الحملة نحو 100 ألف منزل في مدينة حلب و100 ألف منزل في مناطق الريف، ويشارك في تنفيذها أكثر من 800 متطوع من المجتمعات المحلية والفرق الصحية الجوالة، فيما أكد القائمون عليها أن المواد المستخدمة معتمدة وفق المعايير الفنية والصحية.

كما تتضمن الحملة، التي تستمر شهراً قابلاً للتمديد، برامج توعية تدعو الأهالي إلى اتباع إجراءات الوقاية الشخصية والمحافظة على النظافة العامة، وحث المصابين أو المشتبه بإصابتهم على مراجعة مراكز العلاج فور ظهور أي آفة جلدية.

وكان محافظ حلب عزام الغريب قد أكد في تصريح سابق أن ملف اللشمانيا يتصدر أولويات العمل الميداني، مشيراً إلى وضع خطة متكاملة تشمل حملات مكثفة لمكافحة الحشرات الناقلة، وإجراء عمليات تنظيف وتعقيم للمناطق المهددة وتأهيل المواقع المتضررة، إلى جانب تأمين الأدوية والمعدات اللازمة وتحسين خدمات النظافة العامة.

عوامل تعزز انتشار اللشمانيا

ومن وجهة نظر طبية، قالت الدكتورة آذار خضره، اختصاصية الأمراض الجلدية، لـ”الثورة السورية”، إن الارتفاع الكبير في إصابات اللشمانيا خلال العامين الأخيرين يرتبط بمجموعة من العوامل،

أبرزها تدهور البنية التحتية الصحية والبيئية نتيجة السنوات الماضية، والنزوح، والعيش في مناطق تفتقر إلى خدمات الصرف الصحي، إضافة إلى تراكم النفايات والأنقاض التي توفر بيئة مناسبة لتكاثر ذبابة الرمل الناقلة للمرض.

وأضافت أن ضعف برامج المكافحة والرش والمراقبة الوبائية، وصعوبة الوصول إلى التشخيص والعلاج المبكر، فضلاً عن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل أسهمت في إطالة موسم نشاط الحشرة الناقلة وزيادة فرص انتشار المرض.

وأوضحت أن الارتفاع الملحوظ في أعداد الإصابات في حلب يعكس تحديات صحية وبيئية متراكمة، لكنه لا يعني بالضرورة وجود أزمة وبائية شاملة، إذ يعد مرض اللشمانيا من الأمراض المرتبطة بشكل وثيق بالظروف البيئية والمعيشية.

وأكدت أن حقن أملاح الأنتيموان الخماسية داخل الآفة يعد العلاج الأساسي للحالات المحدودة، إلى جانب العلاج الجهازي في بعض الحالات الخاصة واستخدام الآزوت السائل، محذرة من أن تأخير العلاج قد يؤدي إلى زيادة حجم القرحات وارتفاع خطر العدوى البكتيرية الثانوية وتشكل ندبات دائمة، ولا سيما في إصابات الوجه.

وأضافت أن أخطر المضاعفات المحتملة تتمثل في العدوى الثانوية التي تظهر على شكل احمرار وألم وتقيح في الآفة، إضافة إلى احتمال انتشار العدوى في بعض أنواع اللشمانيا الحشوية، وهي الأقل شيوعاً في سوريا، حيث قد تمتد الإصابة إلى الكبد والطحال ونخاع العظم.

ولفتت إلى أن من أكثر الأخطاء شيوعاً بين المصابين تأخير مراجعة الطبيب، أو اللجوء إلى وصفات شعبية غير مثبتة، أو استخدام مواد مهيجة تؤدي إلى حروق والتهابات إضافية، فضلاً عن استخدام الأدوية دون تشخيص طبي أو إيقاف العلاج قبل استكماله.

وشددت على أهمية الوقاية من لدغات ذبابة الرمل باستخدام الناموسيات والشبك الناعم على النوافذ والأبواب، وارتداء الملابس طويلة الأكمام خلال ساعات المساء، واستعمال طاردات الحشرات الموصى بها،

إلى جانب المحافظة على نظافة محيط المنازل والتخلص المنتظم من النفايات والردميات، ومراجعة المراكز الصحية عند ظهور أي حبة أو قرحة جلدية لا تلتئم خلال أسابيع.

وأكدت خضره أن حملات الرش تسهم في خفض أعداد ذبابة الرمل لفترة محددة، لكنها لا تكفي وحدها للقضاء على المرض، ما لم تترافق مع تحسين خدمات النظافة العامة وإزالة الأنقاض والردميات وتعزيز أعمال الصرف الصحي والكشف المبكر عن الإصابات.

وفي ظل استمرار ارتفاع الإصابات، تبدو حملات الرش والتوعية خطوة مهمة للحد من انتشار اللشمانيا، إلا أن تحقيق نتائج مستدامة يتطلب معالجة العوامل البيئية والخدمية التي أسهمت في توفير بيئة مناسبة لتكاثر الحشرة الناقلة،

ومن هنا، فإن نجاح الجهود المبذولة يبقى مرهوناً باستدامة الإجراءات الوقائية، وتعزيز خدمات النظافة والصحة العامة، وتكامل الأدوار بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي للحد من انتشار المرض وحماية السكان.

الثورة السورية- رغد خضور

Related Articles

Back to top button