محليات

الغلاء في سوريا.. صدمة الأسواق العالمية وانكماش الإنتاج المحلي

في وقت تسجل فيه أسعار الغذاء العالمية أعلى مستوياتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، تتسع تداعيات الغلاء داخل السوق السورية، وسط ضغوط معيشية متصاعدة تطال مختلف جوانب الحياة اليومية.

وبين ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن عالمياً، وتراجع الإنتاج المحلي وتقلبات السوق الداخلية، تبدو الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد موجة تضخم عابرة، مع تزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للأسر.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، في تقرير، الجمعة، إن مؤشر أسعار الغذاء الذي يقيس التغيرات في سلة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، ارتفع في نيسان بنسبة 1.6 بالمئة على أساس شهري ليصل إلى 130.7 نقطة،

وهو أعلى مستوى يسجّله منذ شباط 2023، وذلك بسبب حرب إيران والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الذي تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة.

وسجلّت الزيوت النباتية أكبر زيادة بنسبة 5.9 بالمئة نتيجة ارتفاع أسعار زيوت الصويا ودوار الشمس واللفت وزيت النخيل، إضافة إلى تنامي الطلب المرتبط بسياسات الوقود الحيوي.

وأوضح كبير الخبراء الاقتصاديين في “الفاو” ماكسيمو توريرو، أن زيادة أسعار الزيوت النباتية مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة، التي تؤدي بدورها إلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي المصنوع باستخدام مواد عضوية، مثل النباتات الغنية بالزيوت.

وكانت “الفاو” قد حذرت في منتصف نيسان الماضي من أن استمرار التوترات في مضيق هرمز جراء الحرب في المنطقة قد يفضي إلى “كارثة عالمية” تهدد قطاعي الغذاء والزراعة، وذلك نتيجة تعطيل إمدادات الطاقة والأسمدة، ما سيؤدي إلى قفزات سعرية حادة وتقليص حجم المحاصيل عالمياً.

المدخلات وحالة اللايقين

ارتفعت أسعار الحبوب بنسبة 0.8 بالمئة خلال نيسان، وسط مخاوف مرتبطة بالطقس وارتفاع تكاليف الأسمدة، في حين قفزت أسعار اللحوم بنسبة 1.2 بالمئة لتسجّل مستويات قياسية بسبب محدودية أعداد الأبقار الجاهزة للذبح في البرازيل،

بينما هبطت أسعار السكر 4.7 بالمئة بفضل توقعات وفرة الإمدادات في البرازيل والصين وتايلاند، بحسب “الفاو”.

ويرى الباحث في شؤون الاقتصاد والتنمية المستدامة الدكتور عصام شيخ الأرض، أن المؤشر “لا يعكس بالضرورة أزمة نقص محاصيل راهنة، بقدر ما يرسم صورة صدمة مدخلات إنتاج مستقبلية”،

موضحاً لصحيفة “الثورة السورية”، أن “السعر لا ينتظر الحصاد ليعاقب المستهلك، بل يستبق الكارثة المتوقعة عبر المراهنة على ندرة المدخلات وارتفاع تكاليفها”.

ويحدد شيخ الأرض عاملين رئيسيين يقفان وراء الموجة العالمية لارتفاع الأسعار:

  1. صدمة المدخلات المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والخدمات اللوجستية، بالتزامن مع تعطل سلاسل النقل نتيجة التوترات في مضيق هرمز.
  2. حالة “اللايقين” الجيوسياسي التي تدفع المستوردين والمضاربين إلى التزود المبكر وتكديس المخزون تحسباً لأي اضطرابات إضافية، ما يسهم في تضخيم موجة الغلاء الحالية.

ويضيف أن الحرب الأميركية تمثل “المحرك الأساسي” الذي أفرز ثلاث مسارات متداخلة تشمل: أزمة الطاقة، وتعطل النقل والخدمات اللوجستية، وارتفاع تكاليف الأسمدة.

ويشير إلى أن تراجع الإنتاج الزراعي جاء نتيجة مباشرة لهذه العوامل، في ظل ارتفاع التكاليف وتزايد مخاوف المزارعين من المستقبل، ما يدفعهم إلى تقليص المساحات المزروعة، ويعمّق حلقة التوقعات السلبية التي تنعكس على الأسعار والإنتاج معاً.

وكانت “الفاو” قد تحدثت عن توقعات بانخفاض مساحات زراعة القمح في 2026، مع تحول المزارعين إلى محاصيل أقل كثافة في استخدام الأسمدة، نظراً لارتفاع أسعار هذه المدخلات.

انعكاس على سوريا

في قراءة للوضع السوري وتأثيرات أزمة الغذاء العالمية، يرى شيخ الأرض، أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية محلياً يعكس أزمة بنيوية مركبة، ولا يمكن تفسيرها على أنها انعكاس للتضخم العالمي فقط.

ويشير إلى أن أرقام الأمم المتحدة تكشف أن 91 بالمئة من الأسر السورية تعاني من انعدام الأمن الغذائي بسبب انهيار القدرة الشرائية الذي يختصر الفجوة بين توفر السلعة واستحالة الوصول إليها. وتضطر الأسر إلى تخصيص أكثر من نصف دخلها للطعام أو اللجوء إلى الاستدانة كآلية بقاء.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي في تقريره لشهر شباط 2026، أن أكثر من 80 بالمئة من العائلات السورية لا تزال غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية المتنوعة والكافية، رغم حدوث تحسن تدريجي في مؤشرات الأمن الغذائي.

وبحسب نتائج مسح الأمن الغذائي لعام 2025، بلغت نسبة الأسر التي تتمتع بالأمن الغذائي حوالي 18.4 بالمئة من إجمالي الأسر في سوريا (باستثناء المخيمات)، مقارنة بـ 11 بالمئة في عام 2024، بينما تنخفض هذه النسبة إلى حوالي 4.2 بالمئة بين الأسر التي تعيش في المخيمات.

ويُرجع شيخ الأرض الارتفاع الحاد في الأسعار محلياً إلى مجموعة عوامل خارجية وداخلية متشابكة.

فعلى المستوى الخارجي، تتمثل أبرز الأسباب في أزمة الطاقة والأسمدة الناتجة عن تعطل الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى سياسات الوقود الحيوي التي حوّلت الزيوت النباتية من مادة غذائية إلى عنصر يدخل في إنتاج الطاقة، ما زاد الضغوط على أسعارها عالمياً.

أما داخلياً، فيشير إلى أن تراجع الإنتاج الزراعي وخروج مساحات واسعة من الأراضي عن الخدمة دفعا سوريا تدريجياً نحو الاعتماد المتزايد على استيراد الغذاء. كما أسهم ارتفاع تكاليف الأسمدة والبذور والمحروقات في زيادة كلفة الإنتاج المحلي، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع في الأسواق.

ويحذر الخبير من أن الأزمة تجاوزت حدود الغلاء المعيشي، لتتحول إلى أزمة أمن غذائي حادة تمس بنية المجتمع، وتشمل تآكل الطبقة الوسطى، وتفاقم معدلات سوء التغذية، خاصة بين الأطفال، وتزايد اعتماد الأسر على “استراتيجيات يائسة”، مثل بيع الممتلكات واللجوء إلى الاقتراض غير المنتج.

وبينما تراهن الأسواق العالمية على مستقبل غير مؤكد، تدفع سوريا، بحسب شيخ الأرض، ثمناً مضاعفاً. فإلى جانب الصدمات الخارجية من طاقة وأسمدة وخدمات لوجستية، تتفاعل عوامل داخلية في ضعف القدرة الشرائية وتراجع الإنتاج المحلي.

ومع توقعات “الفاو” بانخفاض مساحات زراعة القمح عام 2026، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من الضغوط المعيشية والغذائية محلياً، في حين يكون المجتمع الدولي أمام اختبار يتعلق بمدى التعامل مع جذور الانهيار البنيوي، الذي يجعل أي موجة غلاء عالمية تنعكس داخل سوريا بأزمات معيشية وغذائية أشد وطأة.

هشاشة السوق المحلية

يتفق الخبير الاقتصادي الدكتور محمد مسلط البراك، مع شيخ الأرض على أن ارتفاع أسعار الغذاء في سوريا لا يمكن اعتباره حدثاً معزولاً، إذ يرتبط بتراكم عوامل خارجية وداخلية تعمل في آنٍ واحد على إضعاف جانب العرض ورفع كلفة الإنتاج.

ويقول البراك لصحيفة “الثورة السورية”، إن “الأثر الأشد.. يأتي من هشاشة السوق المحلية واعتمادها المرتفع على الاستيراد وتقلب سعر الصرف”.

ويوضح أن الأسباب التي تقف وراء ارتفاع الأسعار في سوريا تنقسم إلى ثلاثة محاور رئيسية متداخلة:

  1. الصدمة الخارجية: إذ ارتفعت الأسعار العالمية للغذاء إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاث سنوات، مدفوعة بزيادة أسعار الزيوت النباتية واللحوم وبعض السلع الزراعية، مع ضغوط إضافية ناجمة عن تكاليف الطاقة والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في إيران وما يرافقها من اضطرابات في سلاسل الإمداد. ويشير إلى أن أي سوق مستوردة، ومنها سوريا، تتأثر بهذه الصدمات بشكل مباشر عبر قنوات الشحن والتأمين والوقود والأسمدة.
  2. ضعف الإنتاج المحلي: حيث يفاقم تراجع البنية التحتية الزراعية وارتفاع أسعار المدخلات من الأسمدة والبذور والمحروقات هذا الواقع، ما يدفع المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التحول إلى محاصيل أقل كلفة. ويؤكد أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يرفع تكلفة الزراعة نفسها، “فتنتقل الزيادة من الحقل إلى المستهلك مباشرة”.
  3. تشوهات السوق المحلية: إذ تلعب تقلبات سعر الصرف، واحتكار بعض السلع، وضعف المنافسة دوراً أساسياً في تسريع وتيرة الغلاء داخل السوق السورية. ويشير إلى أنه كلما ارتفعت كلفة الاستيراد أو النقل أو التمويل، تميل الأسعار المحلية إلى الارتفاع بوتيرة تفوق أي تحسن في مستويات الدخل.

وفيما يتعلق بالنتائج المترتبة على هذا الواقع، يشدد البراك على أن النتيجة المباشرة تتمثل في تآكل القوة الشرائية لدى الأسر، لا سيما ذوي الدخل المحدود، مع ازدياد العجز عن تأمين السلة الغذائية الأساسية.

كما يؤدي الغلاء، بحسب البراك، إلى جملة من التداعيات، أبرزها تقليص الاستهلاك وتراجع المبيعات، وارتفاع الضغوط الاجتماعية، إضافة إلى اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار.

وعلى المستوى الأوسع، يحذر البراك من أن استمرار اضطراب الطاقة والنقل والتجارة قد ينعكس سلبياً على الأمن الغذائي، ويزيد احتمالات نقص بعض السلع أو تذبذب توفرها. وفي المدى المتوسط، قد يشهد القطاع الزراعي مزيداً من التراجع إذا استمرت كلفة الإنتاج بالارتفاع دون تقديم دعم فعلي للمزارعين.

أما أبرز التداعيات، بحسب قوله، فتكمن في انتقال الأزمة من مستوى الأسعار إلى مستوى المعيشة والأمن الغذائي، وهو ما يجعلها أزمة اجتماعية بقدر ما هي أزمة اقتصادية.

وبحسب “التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام 2026” الصادر في 24 من الشهر الماضي عن تحالف يضم وكالات تابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين، شهدت سوريا خلال عام 2025 تراجعاً في عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بنحو مليوني شخص مقارنة بعام 2024،

في حين لا يزال نحو 7.2 ملايين شخص يعانون من انعدام أمن غذائي حاد، بما يمثل 29 بالمئة من السكان، مقابل 39 بالمئة في 2024، وذلك بالتوازي مع جهود حكومية للحد من تضخم أسعار الغذاء، وخفض الرسوم، وزيادة الأجور

ورغم ذلك، لا تزال عوامل الجفاف الشديد، والظروف الاقتصادية الصعبة، والتوترات المحلية، إلى جانب الآثار الممتدة للحرب منذ 2011، تمثل ضغوطاً مستمرة على الأمن الغذائي، وفق التقرير.

الثورة السورية – عبد الحميد غانم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى