اقتصاد

خريطة جديدة للتجارة العالمية.. إفريقيا محور بديل للملاحة البحرية

تشهد حركة التجارة العالمية إعادة تشكيل واسعة لمسارات الشحن البحري، بفعل تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية،

حيث أدى إغلاق مضيق هرمز والاضطرابات في البحر الأحمر إلى دفع شركات النقل البحري إلى البحث عن بدائل جديدة، جعلت من القارة الإفريقية محوراً متقدماً في حركة سفن الحاويات العالمية.

تحولات إجبارية في مسارات الشحن

وأجبرت التطورات الأخيرة شركات الشحن على إعادة رسم خطوط الإمداد، عبر اعتماد مسارات برية وبحرية بديلة لنقل السلع الغذائية والبضائع المصنعة إلى دول الخليج، بعد تعذر إيصال جزء كبير منها عبر الطرق البحرية التقليدية.

وفي هذا السياق، تحول ميناء جدة في السعودية إلى مركز إقليمي رئيسي، حيث تصل إليه السفن التابعة لشركات كبرى مثل “إم إس سي” و”سي إم إيه سي جي إم” و”ميرسك” و”كوسكو” عبر قناة السويس، قبل أن تُنقل البضائع براً عبر الشاحنات إلى وجهات خليجية تشمل الشارقة والبحرين والكويت، التي شهدت انقطاعاً جزئياً في الإمدادات البحرية خلال الشهرين الماضيين.

نقلت وكالة فرانس برس اليوم الجمعة عن أرتور باريلاس دو تيه، المؤسس المشارك لشركة الشحن “أوفرسي” قوله: “إن ميناء جدة غير قادر على استيعاب كل هذه الكميات من الواردات، ويلوح في الأفق ازدحام شديد فيه”، في إشارة إلى الضغوط المتزايدة على البنية اللوجستية في المنطقة.

وبحسب بيانات مؤسسة رصد حركة السفن “كيبلر مارين ترافيك”، رست إحدى عشرة سفينة حاويات في جدة الأربعاء الماضي، بينما كانت تسع سفن أخرى تنتظر، بمتوسط انتظار بلغ يوماً ونصف اليوم قبل تفريغ الحمولات، مقارنة بـ17 ساعة في الأسبوع السابق.

موانئ بديلة وتوسع في الممرات الإقليمية

وفي محاولة لتجاوز الاختناقات، لجأت شركات الشحن إلى استخدام موانئ بديلة، أبرزها ميناء صحار في سلطنة عمان، وميناء خورفكان وميناء الفجيرة في الإمارات، وهي موانئ تقع خارج نطاق مضيق هرمز ومتصلة بطرق برية إلى المدن الداخلية.

كما يُستخدم ميناء العقبة في الأردن منفذاً لنقل البضائع باتجاه بغداد والبصرة في العراق، بينما يتيح ممر تركي نقل البضائع إلى شمال العراق عبر البر.

الالتفاف حول إفريقيا

وعلى صعيد الشحن بين آسيا وأوروبا، تتجه سفن الحاويات بشكل متزايد إلى تجنب المرور عبر مضيق باب المندب وقناة السويس، بعد تصاعد هجمات ميليشيا الحوثي منذ تشرين الثاني 2023، لتسلك طريقاً أطول حول القارة الإفريقية عبر رأس الرجاء الصالح.

ويقول محلل سوق الحاويات في شركة “كيبلر” رونان بوديه: “إن تغيير مسار السفن أصبح منهجياً” منذ استئناف هجمات ميليشيا الحوثي،

في حين أوضح خبير سلاسل التوريد في شركة “إيفيسو” إيف غيلو أن “اليوم يتم تحويل 70% من تدفقات الشحن التي كان من المقرر أن تمر عبر البحر الأحمر في عام 2023 عبر رأس الرجاء الصالح”.

وتشير بيانات “بورت ووتش” التابعة لصندوق النقد الدولي إلى تضاعف حركة سفن الحاويات عبر رأس الرجاء الصالح بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال ثلاث سنوات، مقابل انخفاضها بأكثر من النصف عبر باب المندب وقناة السويس.

ارتفاع التكاليف وتغيرات هيكلية

وأدت هذه التحولات إلى زيادة مدة الشحن بين آسيا وأوروبا بنحو أسبوعين، مع ارتفاع استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 30 و50%، وزيادة عدد السفن العاملة للحفاظ على وتيرة الإمداد نفسها.

كما ارتفعت أسعار الشحن، حيث سجل مؤشر دروري ارتفاعاً بنسبة 14% في نيسان 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

وفي المقابل، سجلت بعض الموانئ الإفريقية نمواً ملحوظاً، إذ تعامل ميناء طنجة المتوسط في المغرب مع 11 مليون حاوية قياسية في عام 2025 بزيادة 8.4%.

خسائر إقليمية في العائدات

في المقابل، تكبدت مصر خسائر كبيرة نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس، التي تُعد أحد أبرز مصادر الدخل القومي، حيث خسرت نحو 7 مليارات دولار في عام 2024، بانخفاض يتجاوز 60% مقارنة بعام 2023، وفق تقديرات متخصصة.

وتشير هذه المعطيات إلى تحول عميق في بنية التجارة العالمية، حيث فرضت الأزمات الجيوسياسية واقعاً جديداً على سلاسل الإمداد، جعل من القارة الإفريقية محوراً استراتيجياً في حركة الشحن الدولي، وسط ارتفاع التكاليف وتغير الخرائط التقليدية للملاحة البحرية.

زر الذهاب إلى الأعلى