اقتصاد

قصة الاكتتاب التاريخي لـ«سبيس إكس».. وتوقعات الدمج مع «تسلا»

قبل دقائق من افتتاح التداولات في بورصة ناسداك صباح الجمعة، وقف إيلون ماسك أمام حشد من الموظفين المحتفلين في مدينة الشركة التابعة لـ «سبيس إكس» بولاية تكساس،

إذ كانت شركة صناعة الصواريخ التي أسسها على وشك دخول الأسواق العامة بقيمة سوقية تقارب 2 تريليون دولار، لتصبح فوراً سادس أكبر شركة أمريكية من حيث القيمة السوقية.

وقال ماسك، الذي يقترب من عيد ميلاده الـ 55، مخاطباً العاملين في الشركة أنه في السنوات الأولى لتأسيس «سبيس إكس» كان يمنحها «أقل من 10 % فرصة للنجاح».

وأضاف: «لو أخبرني أحد آنذاك أن هذا سيحدث يوماً ما، لقلت له إنك تدخن شيئاً قوياً للغاية، حيث كنت مقتنعاً بأن هذه الشركة ستفشل».

وأسس ماسك «سبيس إكس» عام 2002، قبل أن يحولها إلى شركة عملاقة، تضم اليوم 22 ألف موظف بدوام كامل.

وبات ماسك الآن أول تريليونير في العالم بعد أن نفذت شركته أكبر طرح عام أولي في التاريخ، حيث جمعت 75 مليار دولار، وهو رقم يعادل نحو ثلاثة أضعاف حجم ثاني أكبر اكتتاب في الولايات المتحدة، والذي سجلته شركة «علي بابا» عام 2014.

ويوجد حالياً عشر شركات أمريكية فقط تتجاوز قيمتها السوقية تريليون دولار، بينما يدير ماسك شركتين من بينها.

ورغم حديثه عن الشكوك التي راودته في بدايات الشركة، فإنه لم يُظهر أي تردد خلال الأيام التي سبقت الاكتتاب،

ففي جولة ترويجية مختصرة للمستثمرين، حددت «سبيس إكس» سعر السهم عند 135 دولاراً، وأبلغت المستثمرين بأن القرار إما القبول أو الرفض، من دون تحديد نطاق سعري لاختبار حجم الطلب أو الدخول في مفاوضات مع المستثمرين المحتملين.

وجاء ذلك رغم أن إيرادات الشركة لا تمثل سوى جزء بسيط من إيرادات شركات التكنولوجيا العملاقة، إضافة إلى تسجيلها خسارة بلغت 4.9 مليارات دولار خلال العام الماضي، فيما تجاوزت خسائرها التراكمية منذ تأسيسها 41 مليار دولار.

ومع إغلاق التداولات يوم الجمعة، بلغت القيمة السوقية لـ «سبيس إكس» نحو 2.1 تريليون دولار، ما يعني أن الشركة تُتداول عند مضاعف يبلغ 112 مرة من إيراداتها المسجلة خلال العام الماضي.

انتقادات

وقال لويد غريف المصرفي الاستثماري في شركة «غريف آند كو» بمدينة لوس أنجلوس: «لم يكن هذا الاكتتاب مسعراً وفقاً لقوى السوق التقليدية، بل تم تسعيره بناءً على ما أراده شخص واحد، وعندما يكون ذلك الشخص هو إيلون ماسك، فإنه يحصل على ما يريد».

وفي المقابل، أثارت الأرقام الفلكية المرتبطة بالاكتتاب وثروة ماسك المتنامية نقاشات واسعة حول فجوة الثروة المتزايدة في الولايات المتحدة، في وقت يواجه فيه المستهلكون معدلات تضخم مرتفعة، مرتبطة إلى حد كبير بحرب إيران.

وكتب السيناتور بيرني ساندرز عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت، والاشتراكي الديمقراطي المعروف، على وسائل التواصل الاجتماعي، أن وصول ماسك إلى هذه المكانة المالية، يمثل «دعوة للتحرك ضد مستويات التفاوت غير المسبوقة في الدخل والثروة التي نشهدها اليوم».

وكتب حاكم ولاية كاليفورنيا الديمقراطي، غافين نيوسوم، على منصة «إكس»، المملوكة لـ «سبيس إكس»، قائلاً: «الأمريكيون يكافحون لدفع تكاليف البقالة والوقود، بينما يصبح إيلون ماسك تريليونيراً».

ولم تقتصر الانتقادات على الجوانب الاقتصادية، بل امتدت إلى ملف الذكاء الاصطناعي، فقد نصبت مجموعة Safe AI Now -التي تضم قيادات من قطاعات التكنولوجيا والمؤسسات الدينية- مجسماً هوائياً ضخماً لماسك في ساحة تايمز سكوير بنيويورك، في محاولة للفت الانتباه إلى ما وصفته بسجل الشركة الضعيف في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي.

اكتتابات ضخمة

لكن هذه الانتقادات لم تؤثر في حماس وول ستريت، التي كانت تتطلع منذ سنوات إلى عودة قوية لسوق الاكتتابات العامة، بعد فترة ركود تاريخية، بدأت أواخر عام 2021.

وساهم الأداء القوي لسهم «سبيس إكس» -الذي أغلق مرتفعاً بنسبة 19 %، وظل متداولاً فوق سعر الطرح طوال الجلسة- في تعزيز الثقة بإمكانية تنفيذ اكتتابات ضخمة أخرى خلال العام الجاري، خصوصاً لشركتي الذكاء الاصطناعي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، اللتين تقترب القيمة السوقية لكل منهما في السوق الخاصة من تريليون دولار.

وقال روبرت غريفيلد الرئيس التنفيذي السابق لبورصة ناسداك، إنه «يراهن بالتأكيد» على أن شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» ستتجهان إلى الأسواق العامة خلال عام 2026، مشيراً إلى أن الشركتين أعلنتا هذا الشهر تقديم ملفات اكتتابهما الأولية بشكل سري.

اكتتاب فيسبوك يبدو صغيراً

وشهد اليوم الأول لتداول «سبيس إكس» انتقال أكثر من 500 مليون سهم بين المستثمرين، وهو رقم يقترب من حجم التداول الذي سجلته «فيسبوك» عند طرحها للاكتتاب العام في عام 2012، عندما تم تداول نحو 580 مليون سهم.

وكان اكتتاب «فيسبوك» قد سجل رقماً قياسياً في ذلك الوقت بجمع 16 مليار دولار، وعند نهاية أول يوم تداول لها، بلغت القيمة السوقية لـ «فيسبوك» نحو 100 مليار دولار فقط، أي ما يعادل واحداً على عشرين من القيمة الحالية لـ «سبيس إكس».

ومن أبرز أوجه التشابه بين الشركتين، هيمنة المؤسس على هيكل الملكية والتصويت، لكن حتى في هذا الجانب، تبدو «سبيس إكس» في مستوى مختلف تماماً، ففي وقت طرح «فيسبوك» للاكتتاب، كان الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ يسيطر على 56 % من حقوق التصويت،

أمّا في «سبيس إكس»، فتتجاوز حصة إيلون ماسك من القوة التصويتية 82 %، ما يمنحه نفوذاً شبه مطلق على مستقبل الشركة وقراراتها الاستراتيجية.

المستفيدون

وبالتأكيد، لم يكن إيلون ماسك وحده المستفيد من المكاسب المالية الهائلة التي نتجت عن الاكتتاب التاريخي لشركة «سبيس إكس».

ودفع الطرح العام حصة شركة «ألفابت» المالكة لـ «غوغل» إلى تجاوز حاجز 100 مليار دولار، بعدما كانت قد استثمرت نحو 900 مليون دولار في «سبيس إكس» عام 2015.

وارتفعت قيمة حصة شركة «فالور إكويتي بارتنرز»، التي يديرها الصديق المقرب لماسك أنطونيو غراسياس، إلى أكثر من 80 مليار دولار، علماً بأن الجزء الأكبر من هذه الحصة، يعود إلى عملاء الشركة الاستثمارية.

ولم تقتصر المكاسب على المؤسسات الاستثمارية الكبرى، إذ أفادت تقارير بأن الاكتتاب العام أدى إلى ظهور نحو 4400 مليونير جديد، بين الموظفين الحاليين والسابقين في «سبيس إكس»، بعد الارتفاع الكبير في قيمة الأسهم التي يمتلكونها.

وقادت عملية بيع الأسهم مجموعة من أكبر المؤسسات المالية في وول ستريت، وفي مقدمها «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي»، بمساندة من «بنك أوف أميركا» و«سيتي غروب» و«جي بي مورغان تشيس»، إلى جانب قائمة طويلة من البنوك الكبرى وشركات الخدمات المالية المتخصصة.

وحصل متعهدو التغطية على حق شراء أسهم إضافية، ضمن ما يُعرف بخيار التخصيص الإضافي «Greenshoe»، لكن وفق شرط طريف وغير مألوف،

إذ كتب المستثمر في رأس المال الجريء ستيف جورفيتسون، الذي استثمر في «سبيس إكس» عام 2009، في منشور على منصة «إكس»: «فقط إذا ارتدى جميع المصرفيين أحذية خضراء»، وأرفق منشوره بصورة لأحذية رياضية من «نايكي» باللونين الأخضر والأبيض تحمل شعار الشركة.

من جهته، وصف شون ماغواير الشريك في شركة «سيكويا» الاستثمارية، التي دخلت في «سبيس إكس» عام 2019، ماسك، بأنه «رائد أعمال استثنائي، يظهر مرة كل جيل».

وشبّه التأثير المتوقع لمركبة الإطلاق العملاقة «ستارشيب»، بالدور التاريخي الذي لعبته السكك الحديدية في تغيير الاقتصاد الأمريكي، كما أعرب عن ثقته بأن الشركة ستكون قادرة على تحقيق إيرادات بمئات المليارات من الدولارات بحلول عام 2030.

وأوضح ماغواير أن «سيكويا» قد توزع جزءاً من أسهمها على المستثمرين، إذا رأت أن التقييم السوقي للشركة تجاوز بشكل كبير مستويات النمو الفعلية، لكنه أكد في الوقت ذاته، أنه على المستوى الشخصي ينوي الاحتفاظ بأسهمه «إلى الأبد».

الرهان الكبير على «ستارشيب»

ورغم موجة التفاؤل العارمة، شكك عدد من المراقبين والمحللين في المنطق الذي يقف وراء التقييم الضخم الذي حصلت عليه «سبيس إكس»، فالشركة تعتمد بشكل أساسي على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، لتحقيق الجزء الأكبر من إيراداتها،

كما أنها تمثل النشاط الوحيد المربح داخل المجموعة، لكن المستثمرين لا يمنحون عادة شركات خدمات الإنترنت عريض النطاق مثل هذه المضاعفات القياسية في التقييم، مهما بلغت جودة الخدمة.

أما قطاع إطلاق الصواريخ، فلا يزال يستهلك كميات كبيرة من السيولة النقدية، ويعتمد بصورة كبيرة على نجاح صاروخ «ستارشيب» في تحقيق كفاءة اقتصادية أعلى بكثير من تلك التي توفرها حالياً عائلة صواريخ «فالكون».

وفي الوقت نفسه، تمثل وحدة الذكاء الاصطناعي، التي انضمت إلى الشركة عبر الاستحواذ على «إكس إيه آي» التابعة لماسك، عبئاً مالياً كبيراً في الوقت الراهن، بعدما اتجهت إلى تأجير قدرات حوسبية هائلة لشركات مثل «أنثروبيك» و«غوغل»، بهدف تحقيق إيرادات.

توصية ببيع السهم

وبعد دقائق فقط من بدء تداول السهم في بورصة ناسداك، أصدرت شركة الأبحاث المالية CFRA توصية ببيع السهم، وحددت سعراً مستهدفاً عند 115 دولاراً، وهو أقل من سعر التداول في السوق.

وأشار محللو الشركة إلى أن «سبيس إكس» تواجه توقعات تقييم مرتفعة للغاية، وأن تبرير هذه القيمة السوقية الضخمة، يتطلب إثبات الجدوى الاقتصادية لمشروع «ستارشيب»،

وتوسيع نطاق أعمال «ستارلينك»، وتحقيق عوائد ملموسة من استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الوصول في نهاية المطاف إلى تدفقات نقدية حرة ومستدامة بشكل منتظم.

وقال كيث سنايدر المحلل في شركة الأبحاث المالية CFRA، في مذكرة موجهة إلى العملاء: «يكمن مصدر قلقنا الرئيس في أن استراتيجية «سبيس إكس» طويلة الأجل، لا تزال تعتمد بشكل كبير على مشروع ستارشيب».

وأضاف أن الصاروخ العملاق قد يتحول إلى «عنق زجاجة» يعرقل عدداً من المبادرات والمشروعات التي تخطط الشركة لتنفيذها مستقبلاً.

وتستند الرهانات المتفائلة للمستثمرين أيضاً، إلى تقديرات ضخمة أعلنتها «سبيس إكس» بشأن حجم الأسواق التي تستهدفها، فالشركة تتحدث عن سوق إجمالية قابلة للاستهداف تبلغ 28.5 تريليون دولار، عبر قطاعات الفضاء والاتصالات والذكاء الاصطناعي.

ولا يشمل هذا الرقم مشاريع طموحة أخرى توصف عادة بأنها «رهانات قمرية»، أو بعيدة الاحتمال، مثل السياحة الفضائية، واستخراج المعادن من الكويكبات، والتصنيع في المدار الفضائي، كما لا يتضمن خدمات النقل إلى كوكب المريخ، التي تعد أحد أكثر أحلام إيلون ماسك طموحاً.

انتقادات واسعة

وأثار هذا الرقم الضخم انتقادات واسعة من بعض الخبراء الماليين، فقد قال أسواث داموداران أستاذ التمويل في جامعة نيويورك، خلال مقابلة مع برنامج «Squawk on the Street» على شبكة CNBC، يوم الجمعة، إن تقدير السوق الذي قدمته «سبيس إكس»،

جعله يعتقد أن نشرة الاكتتاب ربما كُتبت بواسطة «غروك»، روبوت الدردشة التابع لشركة xAI، وليس بواسطة مصرفي استثماري محترف.

وأضاف داموداران: «هذا أشبه بالهلوسة، سأشعر بالحرج حتى من نشر مثل هذا الرقم».

لكن شون ماغواير الشريك في شركة «سيكويا»، وأحد أكثر الداعمين المتحمسين لماسك، رفض تلك الانتقادات، وأكد تمسكه بالتوقعات المعلنة، قائلاً: «بل أستطيع القول إن هذا التقدير ربما يكون أقل من الواقع».

دمج «سبيس إكس» مع «تسلا»

ورغم أن إيلون ماسك يمثل الوجه الأبرز لـ «سبيس إكس»، فإن وصول الشركة إلى هذه المرحلة التاريخية، يعود بدرجة كبيرة إلى الدور الذي لعبته غوين شوتويل رئيسة العمليات التنفيذية في الشركة، وأحد أوائل الموظفين الذين انضموا إليها.

وفي مقابلة حصرية مع CNBC، قبل تنفيذ الاكتتاب العام، سُئلت شوتويل عما إذا كان رئيسها التنفيذي قد يفكر يوماً في دمج «سبيس إكس» مع «تسلا».

ويُعد هذا السيناريو محل تكهنات منذ سنوات، لكنه اكتسب زخماً أكبر، بعد أن قام ماسك بدمج «سبيس إكس» مع شركة الذكاء الاصطناعي xAI، بعدما سبق له تنفيذ خطوة مشابهة بين xAI ومنصة X.

ولم تستبعد شوتويل، التي أصبحت حصتها في «سبيس إكس» تساوي الآن أكثر من ملياري دولار، احتمال حدوث مثل هذه الصفقة مستقبلاً، لكنها أوضحت بجلاء، أن الأمر لا يمثل أولوية بالنسبة لها في الوقت الحالي.

وقالت خلال حديثها مع مورغان برينان من CNBC، في «ستاربيس»: «لا شك في وجود أوجه تكامل وتعاون محتملة بين تسلا وسبيس إكس في المستقبل. هناك تقاطع واضح في الأهداف التي نسعى جميعاً لتحقيقها على المدى البعيد.

لكن تركيزي الآن ينصب على استمرار العمل هنا، والحفاظ على عمليات الإنتاج، وتصنيع الصواريخ وإطلاقها، ونقل البشر إلى الفضاء، والوصول إلى محطة الفضاء الدولية، والأهم من ذلك، توفير خدمات الإنترنت عريض النطاق للأشخاص الذين لا يملكون إمكانية الوصول إليها».

أمّا ماسك نفسه، فقد بدا مستمتعاً إلى حد كبير باللحظة التاريخية التي عاشتها شركته يوم الجمعة. ففي الوقت الذي هيمن فيه اكتتاب «سبيس إكس» على عناوين الأخبار والتغطيات الاقتصادية، ظل نشطاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اكتفى في الغالب بإعادة نشر الرسائل ومقاطع الفيديو والصور التي نشرها مؤيدوه احتفاءً بنجاح الشركة.

ولم يكتب الكثير من التعليقات الشخصية خلال ذلك اليوم، لكنه حرص على توجيه رسالة واحدة عبر منصة «إكس»، عبّر فيها عن امتنانه للعاملين في شركته، وكتب ماسك: «أحب الأشخاص الرائعين في «سبيس إكس»، بما يفوق قدرتي على التعبير بالكلمات».

Back to top button