محليات

الأسعار تواصل الارتفاع.. عوامل متداخلة تضغط على الوضع المعيشي

تشهد الأسواق السورية موجة ارتفاعات متواصلة في أسعار السلع، ضمن مسار يرتبط بتقلبات سعر الصرف وتكاليف الاستيراد والطاقة، وينعكس مباشرة على الوضع المعيشي. ومع استمرار هذه الزيادات، تتسع الضغوط على الأسر، في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية تتحكم بحركة الأسعار وتحدّ من استقرار السوق.

وكشفت جولة ميدانية لصحيفة “الثورة السورية” عن ارتفاعات ملحوظة ومتقلبة في أسعار المواد الغذائية، تراوحت بين 15 و20 بالمئة، شملت معظم السلع.

وارتفع سعر كيلوغرام السكر إلى نحو 10,300 ليرة قديمة، والأرز إلى ما بين 14,000 و17,000 ليرة، فيما بلغت البقوليات مثل العدس والحمص نحو 15,000 ليرة للكيلوغرام. كما صعد سعر لتر الزيت إلى 25,000 ليرة، والسمن إلى 90,000 ليرة للكيلوغرام، مع تفاوت بالأسعار حسب النوع والمنطقة.

وفي الخضروات والفواكه، وصل سعر البندورة إلى نحو 20,000 ليرة قديمة للكيلوغرام، والتفاح إلى 30,000 ليرة، في حين استقر سعر البطاطا عند حدود 8,000 ليرة، وانخفض الفول الأخضر إلى نحو 5,000 ليرة.

أما اللحوم، فسجلت مستويات مرتفعة، إذ بلغ سعر كيلو غرام لحم الخروف نحو 300,000 ليرة، مقابل نحو 200,000 ليرة للعجل، بينما تراجع سعر الفروج الحي إلى نحو 26,000 ليرة للكيلوغرام، واستقر سعر صحن البيض عند حدود 23,000 ليرة.

ظاهرة عالمية

تتزامن موجة ارتفاع الأسعار مع تراجع الليرة السورية إلى حدود 13 ألف ليرة مقابل الدولار، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار في السوق. ويؤكد مواطنون أن هذه الزيادات المتسارعة تجاوزت قدرتهم الشرائية، في ظل أعباء إضافية تشمل ارتفاع فواتير الكهرباء، وهو ما يفاقم الضغوط المعيشية مع استمرار تقلبات سعر الصرف.

وقال رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية الدكتور مازن ديروان، لصحيفة “الصورة السورية”، إن ارتفاع الأسعار يرتبط بعوامل عالمية، في مقدمتها تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وما تسببه من زيادة في أسعار الطاقة، وانعكاس ذلك على تكاليف الشحن والإنتاج.

وأشار إلى أن هذه الظاهرة ذات طابع عالمي، ولا تقتصر على سوريا، لافتاً إلى أن ارتفاع التكاليف، لا سيما الطاقة، يشكل المحرك الرئيسي للأسعار، مع امتداد فترات الشحن أحياناً نتيجة تجنب مسارات غير آمنة، ما يضيف أعباء إضافية.

وأكد ديروان أن استقرار سعر صرف الليرة السورية يمثل هدفاً استراتيجياً للحكومة والمصرف المركزي، مشيراً إلى أن الجهود المبذولة تسير في هذا الاتجاه.

وفي ما يتعلق بزيادة الأعباء الاقتصادية، اعتبر أن هذه المسؤولية تتوزع على مختلف الأطراف، موضحاً أن قدرة الحكومة على التدخل مرتبطة بمواردها، وأن أي توسع في الإنفاق قد ينعكس عبر أدوات مثل الضرائب. ولفت إلى أن الحروب والصدمات الاقتصادية تفرض كلفاً عامة تنعكس على مختلف الفئات.

ورأى ديروان أن الاستقرار يرتبط بعوامل موضوعية تشمل انتظام سلاسل الإمداد واستقرار سعر الصرف وتكاليف الإنتاج، مشيراً إلى أن آليات التسعير الإداري لا تحقق نتائج مستدامة في ظل هذه الظروف.

أما فيما يخص شبكة الأمان الاجتماعي، فأوضح أن توسيعها يتطلب موارد مالية كبيرة، وهو ما يواجه تحديات في الوضع الراهن، مشيراً إلى أن مسار التعافي يرتبط بتنشيط بيئة الأعمال، واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع فرص العمل بما يسهم في تحسين مستويات الدخل.

عوامل متداخلة

من جهته، أكد عضو غرفة تجارة دمشق لؤي الأشقر، أن مسار الأسعار المتصاعد يمثل تحدياً اقتصادياً واسع التأثير على مختلف الشرائح، موضحاً أن هذه الزيادات ترتبط بعوامل متداخلة، أبرزها الأزمات الإقليمية التي رفعت تكاليف النقل والمواد الأولية، إلى جانب شح بعض السلع، فضلاً عن تأثير ارتفاع أسعار النفط والطاقة على السلع المصنعة والمستوردة.

وقال الأشقر لصحيفة “الثورة السورية” إن المستهلك يتحمل العبء الأكبر مع تراجع قدرته الشرائية، في وقت تمتد فيه الضغوط إلى التجار والصناعيين نتيجة صعوبات تأمين المواد الأولية وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ما ينعكس على القدرة التنافسية.

آلية السوق

رأى نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق، أن تحديد أسعار السلع والخدمات يخضع لآلية السوق، التي تتأثر بعوامل الجودة والموقع الجغرافي وتكاليف تقديم الخدمة، موضحاً أن هذه العوامل تضع إطاراً لتسعير السلع وفق اعتبارات موضوعية.

وقال الحلاق لصحيفة “الثورة السورية” إن الارتفاعات السعرية ترتبط أساساً بزيادة التكلفة في بلد المنشأ أو بارتفاع سعر الصرف للسلع المستوردة، لافتاً إلى أن تعدد المورّدين يعزز دور المنافسة في ضبط الأسعار ضمن حدودها الاقتصادية.

وأضاف أن هناك هامشاً طبيعياً يسمح بامتصاص جزء من الارتفاعات، إلا أن هذا الهامش يتراجع مع زيادة التكاليف، ما يدفع إلى تعديل الأسعار. كما أوضح أن انخفاض حجم المبيعات يرفع الأعباء التشغيلية ويؤثر على التوازن السعري، في حين يسهم ارتفاع أسعار المحروقات في زيادة تكاليف الإنتاج والنقل.

وشدد على أن تقلبات سعر الصرف تشكل عاملاً محورياً في معادلة التكلفة، مع انتقاله إلى حدود 13 ألف ليرة، ما يزيد من الضغوط على السوق. وخلص إلى أن تداخل هذه العوامل يفاقم التحديات الاقتصادية، ويستدعي معالجة أسبابه لضمان استقرار السوق.

تعدد أسعار الصرف

من جانبه، أوضح أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة، أن استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق يترافق مع تذبذب سعر الصرف، ما يؤدي إلى حالة من الفوضى في تحديد قيم السلع والخدمات، مشيراً إلى أن تعدد أسعار صرف الدولار بين السوق الرسمي والموازي وقطاعات أخرى ينعكس مباشرة على مستويات الأسعار ويزيد من أعباء المعيشة.

وقال حبزة لصحيفة “الثورة السورية” إن تعدد أسعار الصرف بات عاملاً رئيساً في تباين الأسعار، حيث تختلف تسعيرة السلعة الواحدة تبعاً لسعر الصرف المعتمد، ما يوسع فجوة الأسعار ويفتح المجال لاعتماد تسعير أعلى في بعض الحالات.

وشدد على أن استقرار الأسعار يرتبط بتوفر السلع في الأسواق وثبات سعر الصرف، إذ يسهم هذان العاملان في تهدئة السوق والحد من الارتفاعات غير المبررة.

وفي هذا السياق، دعا حبزة إلى تدخل حكومي فعّال عبر طرح مواد بأسعار منافسة، بما يعزز توازن السوق ويحد من ارتفاع الأسعار، معتبراً أن هذا الدور ينسجم مع آليات السوق من خلال دعم المنافسة وتحسين قدرة المستهلك على الوصول إلى السلع.

سياسات المركزي

من جهته، رأى الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور زكوان قريط، أن الارتفاع المستمر في الأسعار وتذبذب سعر صرف الليرة يمثلان تحدياً اقتصادياً كبيراً يواجه المواطن السوري، موضحاً أن هذه الظاهرة المعقدة تنبع من مجموعة من العوامل المتداخلة، ويعد فهم هذه الأسباب الخطوة الأولى نحو إيجاد حلول فعالة.

وقال قريط لصحيفة “الثورة السورية”، إن السياسات النقدية والمصرفية التي اتبعها المصرف المركزي تلعب دوراً رئيساً في هذا التدهور. فقد أدت بعض القرارات، مثل تلك المتعلقة بطرح العملة الجديدة، إلى حالة من الارتباك في سوق الصرف، حيث بدا أن الليرة تتأثر بالتوجهات الرسمية أكثر من الأساسيات الاقتصادية.

وأضاف أن سياسات ضبط السيولة وكبح السحوبات، رغم هدفها المعلن بتثبيت سعر الصرف، أعاقت حركة الاقتصاد وعمليات التعافي، بل دفعت الكثير من المعاملات المالية إلى خارج النظام المصرفي الرسمي، لتتم عبر الحوالات وشركات الصرافة.

وأوضح أن العوامل الخارجية والتجارية تسهم بشكل كبير في الضغوط التضخمية، موضحاً أن الاعتماد على الواردات، يجعل الاقتصاد السوري أكثر عرضة لتأثيرات تقلبات أسعار صرف العملات الأجنبية.

كما أشار إلى أن العقوبات الدولية وصعوبة التحويلات المالية تشكل عبئاً إضافياً، لافتاً إلى أنه رغم بعض التخفيف الاسمي للعقوبات، لا تزال المصارف الأجنبية تتحفظ في التعامل مع المصارف السورية، ما يعقّد عمليات التحويل الدولية.

واعتبر قريط أن هذا التعقيد، إلى جانب المخاوف المرتبطة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، يجعل من الصعب على الاقتصاد السوري استيعاب المساعدات وتحويلات المغتربين، ما يزيد الضغط على سعر الصرف والأسعار.

وتلعب العوامل النفسية والمضاربة دوراً مهماً في تذبذب سعر الصرف، إذ يتأثر السوق بشكل كبير بالعناوين الإخبارية والتوقعات، ما يخلق حالة من عدم اليقين ويزيد من التقلبات، بعيداً عن المؤشرات الاقتصادية الحقيقية، وفق قريط.

وأشار إلى أن المواطن السوري يواجه صعوبات معيشية بالغة، حيث تتسع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة، موضحاً أن المبالغ التي يتقاضاها المواطن كحد أدنى للأجور لا تغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من تكاليف المعيشة الأساسية، ما يضطر الغالبية العظمى إلى الاعتماد على مصادر دخل إضافية.

واعتبر أن قدرة الدولة على لجم التضخم تواجه تحديات كبيرة، إذ تعتمد تقديرات الموازنة العامة على افتراضات نمو اقتصادي متفائلة لا تتوافق مع تقديرات المنظمات الدولية، كما أن المصرف المركزي يعاني من تردد في سياساته وفقدان الثقة في النظام المصرفي، ما يحد من فعالية الأدوات النقدية التقليدية.

وشدد على أن معالجة الأزمة الاقتصادية تتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة، مشيراً إلى ضرورة استعادة الثقة في النظام المصرفي، وتسهيل التحويلات المالية، ودعم الإنتاج المحلي، وتوفير شبكة أمان اجتماعي فعالة، وتعزيز الشفافية. وأكد أن وضع معيشة المواطنين وسبل عيشهم يجب أن يكون الأولوية القصوى لتحقيق النهوض الاقتصادي المنشود.

الثورة السورية – وفاء فرج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى