ثقافة وفن

سور دمشق.. سجل حضاري حي يروي تاريخ المدينة

يُعدّ سور دمشق شاهداً تاريخياً بارزاً على تطور المدينة وتفاعلها مع حضارات متعددة تعاقبت عليها عبر العصور، حيث يعكس في بنائه وتحولاته ملامح تلك المراحل التاريخية المختلفة، ما جعله جزءاً أساسياً من هويتها التاريخية والثقافية وذاكرتها الحية.

ولم يكن السور مجرد بناء حجري، بل سجلّ مفتوح تختزن جدرانه حكايات تمتد من الأزمنة الغابرة حتى يومنا هذا، وتعكس ما شهدته دمشق من أحداث وتحولات عبر التاريخ.

تعاقب العصور

في حديثه عن سور دمشق، يشير الباحث في التراث الشعبي محي الدين قرنفلة، في تصريح لسانا، إلى أن جذور السور تعود إلى العصر الآرامي في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، حيث بدأت ملامح بنائه الأولى.

ويضيف قرنفلة: إنه مع تعاقب العصور شهد السور تحولات مهمة، إذ أُعيد ترميمه في الفترة اليونانية عقب دخول الإسكندر المقدوني، قبل أن يتعزز بناؤه في العهد السلوقي.

أما في العهد الروماني، فقد بلغ سور دمشق مرحلة متقدمة من التطور، حيث أُعيد تشييده بصورة أكثر متانة، واتخذت المدينة شكلاً مستطيلاً تقريباً، مع إنشاء أبوابها الشهيرة، مثل باب شرقي، وباب توما، وباب الجابية، وباب كيسان، وباب السلام، وباب الفراديس، وباب الصغير، التي لا تزال حتى اليوم جزءاً من هوية دمشق القديمة.

ولم يقتصر دور السور على كونه معلماً تاريخياً، وفق قرنفلة، بل شكّل خط الدفاع الأول عن المدينة، إذ شهد العديد من الحروب وأعمال الترميم، ولا سيما في العهدين البيزنطي والأموي.

ويُعدّ العصر الأموي من أبرز المراحل التي شهدت أعمال إعادة بناء واسعة للسور، أسهمت في تعزيز مكانته ووظيفته الدفاعية والعمرانية، ولا يزال السور حتى اليوم يحتفظ بمكانته كرمز ثقافي ووطني، مستقطباً الزوار من مختلف أنحاء العالم للاطلاع على تاريخ دمشق العريق.

أحياء داخل وخارج السور

في قلب هذا الامتداد التاريخي، يحتضن السور داخله أحياء دمشقية عريقة، مثل العمارة والقيمرية والبزورية والشاغور الجواني، حيث تتداخل البيوت الدمشقية القديمة مع الأسواق التقليدية، وتبرز ضمن هذا النسيج معالم بارزة، كالمسجد الأموي وسوق الحميدية، في مشهد يجسد استمرارية الحياة في المدينة عبر القرون.

وخارج السور، امتدت المدينة تدريجياً لتشمل أحياءً مثل الميدان، والشاغور البراني، والقنوات، وساروجة الجديدة، وركن الدين، والصالحية، والعمارة البرانية، والمهاجرين، حيث تشكّلت ملامح عمرانية جديدة، مع احتفاظ كل منطقة بطابعها الخاص، في صورة تعكس تطور دمشق واتساعها العمراني عبر الزمن وفق قرنفلة.

ذاكرة المكان وهوية المدينة

يستحضر سور دمشق في ذاكرة أبنائها معاني تتجاوز الحجر والتاريخ، إذ يقول وائل السمان، أحد كبار السن في حي الشاغور: “إن السور بالنسبة لهم ليس مجرد أثر قديم، بل رفيق عمر عاشوا بقربه وكبروا وهم يشاهدونه يومياً”، مشيراً إلى أن القرب من السور يمنح شعوراً بالراحة والانتماء، وكأنه جزء من ذاكرتهم وتفاصيل حياتهم اليومية.

من جهته، يوضح هاني حسب الله، من أهالي حي القيمرية، أن السور يختصر تاريخاً طويلاً عاشته دمشق، لافتاً إلى أن ملامح الحضارات المختلفة ما زالت واضحة في بنائه وأبوابه، وهو ما يجعله معلماً عزيزاً على قلوبهم، ويجذب الزوار للتعرف على تاريخ المدينة.

أبعاد تاريخية ورمز للاستمرارية

يبلغ محيط سور دمشق حالياً نحو 4500 متر، ويتراوح ارتفاعه بين 6 و10 أمتار، فيما تختلف سماكته بحسب المواقع، إذ تصل إلى نحو 270 سنتيمتراً عند باب كيسان.

ويبقى سور دمشق أكثر من مجرد أثر تاريخي، فهو فضاء حي تختلط فيه الذاكرة بالمكان، ورمز للصمود والاستمرارية، حافظ على حضوره رغم ما مرّ به من تحديات، ليظل شاهداً على مدينة لا تزال تنبض بالحياة.

سانا

زر الذهاب إلى الأعلى