
لا يحمل نهائي كأس العالم 2026 في الساعة الحادية عشرة من مساء غد الأحد بتوقيت الإمارات بين الأرجنتين وإسبانيا مواجهة بين بطلي أمريكا الجنوبية وأوروبا فحسب، بل يجمع أيضاً بين مدرستين كرويتين مختلفتين، تؤكد الأرقام أن لكل منهما طريقته الخاصة في الوصول إلى القمة.
وبينما يخوض ليونيل ميسي النهائي الثالث في مسيرته المونديالية يسجل لامين يامال ظهوره الأول في المشهد الأكبر، لتتحول المباراة إلى مواجهة بين الخبرة والشباب، وبين منتخب يجيد استثمار الفرص، وآخر يفرض سيطرته عبر التنظيم والاستحواذ.
ولأن الأرجنتين خاضت مباراتين امتدتا إلى الأشواط الإضافية فقد لعبت 60 دقيقة أكثر من إسبانيا خلال البطولة، لذلك جاءت معظم المقارنات الإحصائية محسوبة بمعدل كل 90 دقيقة، لضمان دقة القراءة الفنية.
الفاعلية الهجومية
يتصدر المنتخب الأرجنتيني قائمة أقوى خطوط الهجوم في البطولة بعدما سجل 19 هدفاً، وهو أعلى رصيد بين جميع المنتخبات، ويعود ذلك إلى الجودة العالية في إنهاء الفرص أكثر من كثرتها،
وواصل بطل العالم سلسلة تهديفية استثنائية، بعدما سجل هدفين على الأقل في 13 مباراة متتالية في كأس العالم، منذ خسارته أمام السعودية 1-2 في افتتاح مونديال 2022.
ورغم أن إسبانيا سددت كرات أكثر فإنها سجلت 13 هدفاً فقط، وهو رقم يتطابق تقريباً مع معدل أهدافها المتوقعة، ما يعكس أنها أنهت فرصها وفق المعدلات الطبيعية من دون فعالية هجومية استثنائية.
وتكشف الأرقام فارقاً مهماً بين المنتخبين، فالأرجنتين سجلت هدفاً إضافياً واحداً فقط من داخل منطقة الجزاء مقارنة بإسبانيا، لكنها تفوقت بوضوح في التسديدات البعيدة بعدما أحرزت خمسة أهداف من خارج المنطقة، بينما لم يسجل الإسبان أي هدف من هذه المسافة طوال البطولة.
الدفاع متين
إذا كانت الأرجنتين تتفوق هجومياً فإن إسبانيا فرضت نفسها أفضل منظومة دفاعية في البطولة، واستقبل منتخب لويس دي لا فوينتي هدفاً واحداً فقط، وكان ذلك خلال الفوز على بلجيكا بنتيجة 2-1 في ربع النهائي، أي أقل بستة أهداف كاملة مما استقبلته الأرجنتين.
ورغم تلقي المنتخب الأرجنتيني سبعة أهداف فإن الأرقام تشير إلى أنه لم يكن سيئاً دفاعياً، إذ إن ثلاثة منتخبات فقط تعرضت لعدد أقل من التسديدات،
بينما كانت إسبانيا الوحيدة التي امتلكت معدل أهداف متوقعة ضدها أقل لكل 90 دقيقة، ولكن حتى مع هذه المؤشرات الإيجابية يبقى الدفاع الإسباني في مستوى مختلف تماماً.
والمثير أن إسبانيا، رغم خوضها مباريات أكثر من 44 منتخباً في البطولة، سجلت أفضل معدل دفاعي إجمالي بلغ 2.1، متقدمة حتى على أوروغواي صاحبة ثاني أفضل معدل دفاعي 2.4، رغم خروجها من دور المجموعات،
كما تكشف خريطة التسديدات التي واجهها المنتخب الإسباني أن المنافسين نادراً ما حصلوا على فرص عالية الجودة، إذ نجحت المنظومة الدفاعية في إبعاد الخصوم عن مناطق الخطورة وإجبارهم على محاولات منخفضة الاحتمالية.
الضغط والعمل البدني
رغم السمعة الفنية التي يتمتع بها المنتخب الإسباني فإن أحد أبرز أسرار نجاحه يكمن في الجانب البدني، ورغم أن الأرجنتين قطعت مسافة إضافية بلغت نحو 13.5 كيلو متراً، نتيجة خوض الأشواط الإضافية، فإن إسبانيا تفوقت في معدل الجري والسرعات العالية لكل 90 دقيقة،
ولم يتفوق عليها في استعادة الكرة داخل الثلث الهجومي سوى منتخب أوروغواي بقيادة مارسيلو بيلسا، بمعدل 7.7 استعادة للكرة.
وفي المقابل ركضت جميع المنتخبات التي واجهت الأرجنتين أكثر منها، بفارق إجمالي بلغ 17 كيلو متراً خلال البطولة، لكن ذلك لم يمنع منتخب ليونيل سكالوني من الفوز في جميع تلك المباريات،
ويعكس هذا الفارق فلسفة الأرجنتين، التي تعتمد على الاقتصاد في الجهد، وإدارة إيقاع المباراة أكثر من الضغط المستمر، وهو ما قد يمنحها أفضلية بدنية رغم لعبها 60 دقيقة إضافية، خصوصاً بعد إراحة عدد من لاعبيها الأساسيين في الجولة الأخيرة من دور المجموعات أمام الأردن.
الاستحواذ والفوز
فرض المنتخبان شخصيتهما على معظم مباريات البطولة من خلال الاستحواذ، لكن الأرقام تثبت أن السيطرة على الكرة ليست شرطاً لتحقيق الانتصار، واكتفت إسبانيا بنسبة 51 % من الاستحواذ أمام فرنسا في نصف النهائي،
بينما فازت الأرجنتين على الجزائر بثلاثية رغم امتلاكها الكرة بنسبة 48 % فقط، وهذا يعكس قدرة المنتخبين على تغيير أسلوبهما وفق طبيعة المباراة، بعيداً عن التمسك بالاستحواذ كونه هدفاً في حد ذاته.
واعتمدت إسبانيا بصورة أكبر على الكرات العرضية طوال البطولة، لكن اللافت أن الأرجنتين طورت هذا السلاح تدريجياً مع تقدم الأدوار،
وبعد تنفيذ 13 كرة عرضية فقط خلال أول أربع مباريات ارتفع الرقم إلى 51 كرة عرضية في آخر ثلاث مباريات، وكان آخرها العرضية التي صنع منها لاوتارو مارتينيز هدف الفوز أمام إنجلترا في نصف النهائي.
صراع السماء والأرض
تمتلك إسبانيا أفضل معدل نجاح في المواجهات الهوائية خلال البطولة، وهو ما يمنحها أفضلية واضحة في الكرات العالية، ولكن عند احتساب جميع الالتحامات، تبدو النسب متقاربة بين المنتخبين، وهو ما يشير إلى أن الأرجنتين كانت أكثر قوة في المواجهات الأرضية، مقابل تفوق إسباني في الكرات الهوائية.
ولم يكن أي من المنتخبين يعتمد بصورة كبيرة على المراوغات الفردية مقارنة ببقية المنتخبات، إذ سجل 25 منتخباً معدل مراوغات أعلى من إسبانيا لكل 90 دقيقة،
بينما حاولت الأرجنتين المراوغة بوتيرة أقل، لكنها جاءت ضمن أكثر المنتخبات نجاحاً، إذ لم يتفوق عليها سوى منتخب كرواتيا بنسبة نجاح بلغت 63 %.
ميسي ولامين
تختلف الصورة تماماً عندما يتعلق الأمر بالنجمين ليونيل ميسي ولامين يامال، إذ نفذ المنتخبان معاً 209 مراوغات خلال البطولة، كان نصيب الثنائي وحده 90 مراوغة، أي ما يعادل 43 % من إجمالي محاولات الفريقين.
ويتصدر لامين يامال قائمة أكثر اللاعبين مراوغة في كأس العالم 2026، بينما لا يتفوق عليه في عدد مرات حمل الكرة والتقدم بها سوى البرازيلي فينيسيوس جونيور، بعدما سجل كل منهما 42 انطلاقة ناجحة بالكرة.
وتكشف الأرقام أن المباراة النهائية ستجمع بين فريقين يملكان أدوات مختلفة للوصول إلى اللقب، فالأرجنتين تبدو الأكثر فاعلية أمام المرمى، وتجيد استثمار أنصاف الفرص والتحولات السريعة،
بينما تقدم إسبانيا النسخة الدفاعية الأكثر اكتمالاً في البطولة، مدعومة بمنظومة ضغط واستحواذ تقلص فرص المنافسين إلى الحد الأدنى.
وسيكون الحسم مرهوناً بالسؤال الأهم.. هل تنتصر الفاعلية الأرجنتينية أمام المرمى أم تفرض المنظومة الإسبانية الصلبة إيقاعها لتقود «لا روخا» نحو لقب عالمي جديد؟
البيان















