ثقافة وفنمحليات

مسجد الحنابلة.. تحفة أيوبيّة على سفح قاسيون

بين الأزقة القديمة في حيّ الصالحية بدمشق، وعلى السفح الجنوبي الشرقي لجبل قاسيون، يقف مسجد الحنابلة بوصفه أحد أبرز الشواهد المعمارية من العصر الأيوبي،

حيث يعكس بأسلوب بنائه ملامح مهمة من تطور عمارة المساجد في بلاد الشام، ويجسد التوازن بين الوظيفة الدينية والتنظيم المعماري للمكان ضمن الطراز الدمشقي الإسلامي التقليدي.

وعُرف المسجد بعدة أسماء، منها “الجامع المظفري” نسبة إلى الأمير مظفر الدين كوكبري، و”جامع الجبل” ارتباطاً بموقعه الجغرافي، كما يصفه بعض الباحثين وأهالي الصالحية باسم “الأموي الصغير”، لما يحمله من ملامح معمارية مستمدة من التقاليد الدمشقية القديمة.

ومع دخول الزائر إلى المسجد، تتكشف تفاصيل المكان تدريجياً، من الأروقة المسقوفة المحمولة على أعمدة حجرية، إلى المحراب المزين بالمقرنصات “زخارف معمارية إسلامية تشبه خلايا النحل” والزخارف النباتية،

وصولاً إلى المنبر الخشبي الذي لا يزال شاهداً على مهارة الصناع الدمشقيين قبل قرون، ليبقى المسجد فضاءً يجمع بين العبادة والعلم والذاكرة.

التخطيط المعماري

يوضح الباحث في التراثين العربي والإسلامي محمد صالح المعراوي في تصريح لسانا، أن مسجد الحنابلة ينتمي إلى نمط التخطيط التقليدي للمساجد الإسلامية، القائم على صحن مركزي مكشوف تحيط به الأروقة،

إضافة إلى حرم الصلاة في جهة القبلة، وهو من أكثر أنماط تخطيط المساجد شيوعاً في العمارة الإسلامية التقليدية.

ويشير المعراوي إلى أن الصحن يؤدي دوراً مهماً في تنظيم الحركة داخل المسجد، واستيعاب المصلين خلال الصلوات الجامعة وحلقات العلم، ويتوسطه حوض للوضوء يضفي بعداً جمالياً على الفضاء المعماري، ولا سيما مع انعكاس الضوء على سطح المياه.

ويحيط بالصحن حرم الصلاة والأروقة المسقوفة المحمولة على قناطر ترتكز على أعمدة ودعامات حجرية، ما يمنح المكان إيقاعاً بصرياً متناسقاً يبرز جمال العمارة الدمشقية الإسلامية.

النظام الإنشائي

يبين المعراوي أن سقف حرم المسجد يعتمد على نظام إنشائي متقن، إذ يقسم إلى ثلاث جملونات خشبية “أسقف مثلثة مائلة لتصريف المطر والثلج”، تغطيها طبقات تقليدية عازلة لحمايتها من الأمطار،

بينما يرتكز السقف على عقود حجرية وركائز ضخمة تتيح تغطية مساحات واسعة دون الحاجة إلى القباب، ما يمنح الحرم اتساعاً ووضوحاً بصرياً.

ويلفت إلى أن هذا الأسلوب يتقاطع مع تقاليد السقوف الخشبية المعروفة في العمارة الدمشقية، ومنها الجامع الأموي، بما يعكس استمرارية الأساليب البنائية المحلية خلال العصر الأيوبي.

أما عن العناصر المعمارية في المسجد، فيوضح أن محراب الجامع يشكل محور الارتكاز البصري في جدار القبلة، ويتوج بنصف قبة من المقرنصات الحجرية وفق الطراز الأيوبي الدمشقي، ما يمنحه عمقاً جمالياً واضحاً.

ويضيف: إن المحراب يحدده عمودان حجريان يحملان نصف القبة المقرنصة والقوس العلوي المزخرف بضفائر حجرية، تعلوهما تيجان نباتية مستوحاة من أوراق الأقانثا ذات الأوراق الكبيرة المسننة، وهي من الزخارف الشائعة في عمارة بلاد الشام.

المنبر الخشبي

NSR 9674 مسجد الحنابلة.. تحفة أيوبيّة على سفح قاسيون

يُعد المنبر الخشبي من أبرز عناصر المسجد، إذ تكشف الكتابة المنقوشة على واجهته أن صناعته تعود إلى سنة 604 هـ بأمر من الأمير مظفر الدين كوكبري، ما يجعله من أقدم المنابر الخشبية الباقية في دمشق.

ويتميز المنبر بزخارف نباتية أيوبية وحشوات هندسية دقيقة، إضافة إلى تشكيلات من الخط العربي المنقوش، وقد صُنع بطريقة التعشيق الخشبي دون استخدام الغراء أو المسامير، ما يعكس المستوى الحرفي المتقدم لفنون النجارة في العمارة الإسلامية.

نافذة جصية نادرة

من العناصر المتبقية في المسجد نافذة جصية تعود إلى الفترتين النورية والأيوبية، وتتميز بزخارف نباتية نادرة تبرز جماليات الفن الإسلامي في تلك المرحلة.

ويؤكد المعراوي أن أهمية مسجد الحنابلة لا تكمن في عناصره المعمارية منفردة فحسب، بل في التوازن الذي يحققه بين الصحن والحرم والأروقة ضمن تكوين معماري متكامل، يعكس دور المسجد بوصفه فضاءً روحياً وعلمياً واجتماعياً في آن واحد.

أقدم الروايات التاريخية

من جهته، يشير الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية حازم جوهر إلى أن أقدم الأخبار التي وصلت عن المسجد أوردها ابن كثير في حوادث سنة 598 هـ، حيث ذكر شروع الشيخ أبي عمر المقدسي في بنائه، وهي الرواية التي أكدها لاحقاً عبد القادر النعيمي في مؤلفاته حول مدارس دمشق ومساجدها.

ويضيف جوهر: إن المسجد عُرف بعدة تسميات حملت دلالات تاريخية وجغرافية مختلفة، منها “الجامع المظفري” نسبة إلى كوكبري، و”جامع الحنابلة” لارتباط وقفه بأتباع المذهب الحنبلي، إضافة إلى “جامع الجبل” المرتبط بموقعه عند سفح قاسيون.

علاقته بحي الصالحية

ارتبط مسجد الحنابلة بنشأة حيّ الصالحية، إذ يوضح الباحث في التراث الشعبي والتاريخ الدمشقي محيي الدين قرنفلة أن الحي تأسس حول تجمع العلماء الحنابلة القادمين من القدس، وعلى رأسهم آل قدامة، ما جعل المسجد مركزاً دينياً وعلمياً بارزاً ورمزاً لهوية الصالحية الاجتماعية.

وأشار قرنفلة إلى أن جامع الحنابلة يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية الدمشقية، لما يرتبط به من أجواء السكينة والوقار وحلقات العلم والطراز الأيوبي التقليدي، ولفت إلى إطلاق بعض أهالي الصالحية عليه تسمية الأموي الصغير لما يحمله من ملامح معمارية وروحية تذكّر بالجامع الأموي.

وأضاف: إن الحجارة المستخدمة في بناء المسجد يُرجّح أنها استُخرجت من سفوح جبل قاسيون، شأنه شأن كثير من أبنية الصالحية التاريخية المشيدة من الحجر المحلي، ما يجسد حضور ذلك الرابط الوجداني بين المسجد والجبل، كما يعكس العلاقة بين المكان والعلم والهوية التاريخية للصالحية.

ولا يزال مسجد الحنابلة حتى اليوم واحداً من أبرز معالم الصالحية التاريخية، وشاهداً على ازدهار العمارة الأيوبية واستمرار الحضور العلمي والروحي لدمشق عبر القرون.

سانا

Back to top button