
تواصل مخلفات الحرب تهديد حياة السكان في محافظة حلب، مع تسجيل حوادث جديدة خلال العام الحالي أوقعت وفيات وإصابات في عدد من مناطق الريف والمدينة، أثناء العودة إلى المنازل والعمل في الأراضي الزراعية والرعي وترميم الأبنية.
ولا تنحصر آثار الألغام والذخائر غير المنفجرة في الخسائر البشرية، إذ ترتبط إزالتها بإمكانية عودة السكان إلى مناطقهم، ورفع الأنقاض وفتح الطرق وتأهيل المنازل والبنى التحتية، ما يضع تأمين المواقع في مقدمة الأعمال اللازمة قبل بدء عدد من مشاريع التعافي وإعادة الإعمار.
وتعمل مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في حلب عبر فرق متخصصة بالذخائر والمسح والإزالة والتوعية، لمتابعة البلاغات وتحديد المناطق الخطرة والتعامل مع مخلفات الحرب، بالتوازي مع تنفيذ أعمال إزالة الأنقاض وفتح الطرق.
حوادث متواصلة تحصد الضحايا
سجلت مناطق مختلفة من محافظة حلب خلال العام الحالي حوادث ناجمة عن الألغام ومخلفات الحرب، طالت أطفالاً ومزارعين وسكاناً في المدينة والريف، وأوقعت وفيات وإصابات متفاوتة.
وفي أوائل شهر آب الجاري، تعرض طفل يبلغ من العمر 11 عاماً لبتر في يده نتيجة انفجار لغم أثناء عبثه بجسم من مخلفات الحرب في بادية حلب، فيما توفي رجل وأصيب طفلان خلال تموز جراء انفجار لغم أرضي في منطقة بلان قرب بلدة بيانون بالريف الشمالي.
وشهد الشهر نفسه وفاة شخصين وإصابة ثالث بجروح خطرة إثر انفجار لغم أرضي بجرار زراعي في قرية مصطفى الحمادة قرب سد تشرين بريف حلب الشرقي، فيما أصيب شخص في حزيران نتيجة انفجار لغم أثناء عمله على حفارة آبار في قرية عرب حسن بريف حلب الشرقي.
وسبق ذلك تسجيل حوادث خلال آذار ونيسان، بينها وفاة ستة أشخاص وإصابة آخرين بانفجار ألغام ومعدات صواريخ داخل منزل في مدينة الأتارب بريف حلب الغربي، وإصابة خمسة أطفال بانفجار لغم في حي جمعية الزهراء بمدينة حلب.
ولم تبدأ هذه الحوادث خلال العام الحالي، إذ شهد عام 2025 وقائع مماثلة في قرى ومناطق عدة من ريف حلب، طالت عائدين إلى منازلهم وعائلات توجهت إلى الأراضي الزراعية وأطفالاً أثناء الرعي، إضافة إلى حادثة وقعت خلال ترميم منزل في قرية منيان بريف حلب الغربي.
ومن أبرز تلك الحوادث وفاة أربعة أفراد من عائلة واحدة وإصابة خمسة آخرين، معظمهم أطفال، بانفجار لغم في قرية عرب حسن بريف منبج أثناء توجههم إلى حقل زراعي في نيسان 2025، فيما أصيب سبعة أشخاص في الشهر نفسه بانفجار لغم في منطقة سد تشرين أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم.
فرق متخصصة للمسح والإزالة
وتابعت «الثورة السورية» الإجراءات التي تنفذها مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في حلب للتعامل مع مخلفات الحرب، إذ أوضح قائد عمليات الطوارئ وإدارة الكوارث في حلب فيصل محمد علي، في تصريح خاص، أن المديرية تعمل عبر فرق متخصصة بالذخائر، إلى جانب فرق المسح والإزالة والتوعية، لمتابعة البلاغات المتعلقة بالمناطق الخطرة.
وأشار علي إلى أن الجهود تتركز في المناطق التي تعرضت للحصار والقصف والدمار، فيما تتابع الفرق البلاغات الواردة حول المناطق الملوثة في المدينة والريف، لافتاً إلى أن الأعمال تركزت أخيراً في منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية، بالتوازي مع متابعة العمل في ريف المحافظة.
وأوضح أن التعامل مع الذخائر والمواد غير المنفجرة يجري وفق الإجراءات المعتمدة والتدريب الذي تلقته الفرق المتخصصة، إلى جانب إزالة الأنقاض والسواتر الترابية وفتح الطرق وتنفيذ الطلبات الواردة من الجهات الحكومية.
وأضاف أن فرق الذخائر المتخصصة تعمل ضمن مركزين رئيسيين، إلى جانب فرق المسح والإزالة والتوعية، بهدف تأمين سلامة السكان ودعم أعمال إعادة الإعمار.
وبيّن أن العمل يبدأ بمسح المواقع وتحديد المناطق الخطرة، ثم وضع العلامات التحذيرية وتنفيذ أنشطة التوعية وإبلاغ السكان بكيفية التصرف عند العثور على أجسام مشبوهة، بالتوازي مع التعامل الآمن مع الذخائر والمواد غير المنفجرة.
إزالة المخلفات تسبق العودة والإعمار
وأشار علي إلى استمرار مشاريع إزالة الأنقاض، موضحاً أن المديرية أنهت مشروعاً في منطقة أعزاز، فيما تجري حالياً أعمال إزالة الأنقاض في منطقة سمعان الشمالية.
وأوضح أن إزالة الأنقاض وفتح الطرق تساعد السكان على العودة، وتتيح البدء بإعادة تأهيل البنى التحتية والمنازل، وتمكّن النازحين من مباشرة أعمال إصلاح مساكنهم.
وفي آذار 2026، أطلقت محافظة حلب حملة لإزالة نحو 150 ألف متر مكعب من الأنقاض والسواتر الترابية في مناطق الليرمون وبني زيد والأشرفية والسكن الشبابي، بعد تفقد فرق الهندسة للمواقع وتأمينها والتأكد من خلوها من المتفجرات ومخلفات الحرب قبل بدء أعمال الإزالة.
ويربط هذا التسلسل أعمال إزالة الأنقاض بتأمين المواقع من المخلفات الخطرة، إذ تسبق عمليات المسح والتعامل مع الأجسام المشبوهة دخول الآليات وبدء أعمال رفع الركام وفتح الطرق.
وفي نيسان 2026، وثقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملية إزالة متفجرات في قرية برلهين بريف حلب، مشيرة إلى أن مخلفات الحرب تحد من وصول السكان إلى الأراضي الزراعية والمدارس والمرافق الصحية.
وفي الشهر نفسه، أوضحت الأمم المتحدة أن معالجة المخاطر المتفجرة تساعد على إعادة الأراضي إلى الاستخدام الزراعي، واستئناف الأعمال والخدمات، وعودة الأطفال إلى المدارس، وتمثل شرطاً أساسياً للاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار والتنمية.
كما أطلق برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام «UNMAS» ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» مشروعاً مشتركاً لمعالجة مخاطر الذخائر غير المنفجرة وإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية في حلب وحماة وإدلب، بهدف مساعدة الأسر الزراعية على العودة الآمنة إلى أراضيها واستعادة سبل عيشها.
استجابات ميدانية تتجاوز إزالة الذخائر
وبالعودة إلى أعمال مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في حلب، أوضح علي أن فرق المديرية نفذت خلال تموز الماضي استجابات ميدانية شملت 1021 حريقاً توزعت على الأراضي الزراعية، و212 عملية خدمية، و381 عملية إسعاف.
كما تعاملت الفرق مع 97 حادث سير و22 عملية إنقاذ، إضافة إلى تنفيذ حملات توعية وإزالة ذخائر وفتح طرقات وتقديم المعلومات المتعلقة بالذخائر غير المنفجرة، فيما بلغ عدد عمليات التوعية 133 عملية.
وأكد علي أن فرق المديرية تتابع الاستجابات الطارئة بصورة مباشرة وميدانية، وتحافظ على جاهزيتها لتأمين المدنيين في مختلف المناطق.
وتظهر الحوادث المسجلة في حلب أن مخلفات الحرب تهدد السكان خلال أنشطة ترتبط بحياتهم اليومية، من العودة إلى المنازل والعمل في الأراضي الزراعية والرعي إلى ترميم الأبنية وفتح الطرق.
ومع استمرار مشاريع إزالة الأنقاض وتأهيل المناطق المتضررة، تتقدم عمليات المسح وتحديد المواقع الخطرة وإزالة الذخائر غير المنفجرة كخطوة لازمة لتأمين حركة السكان والآليات، بالتوازي مع وضع العلامات التحذيرية وتوعية الأهالي بكيفية التعامل مع الأجسام المشبوهة.
وتربط هذه الإجراءات ملف مخلفات الحرب مباشرة بمسار التعافي في حلب، إذ يرتبط توسيع عودة السكان واستئناف الزراعة وتأهيل المنازل والبنى التحتية بقدرة الفرق المختصة على تأمين المناطق المتضررة وإزالة الأخطار التي خلفتها سنوات الحرب.
الثورة السورية – لينا إسماعيل













