
مع بداية كل عام دراسي يفترض أن تكون الحقيبة الجديدة جزءاً من فرحة الأطفال بالعودة إلى مقاعد الدراسة، لكن هذه الفرحة تختلف لدى عدد من التلاميذ في سوريا الذين يتسلّم معظمهم كتباً مستعملة، قد يكون بعضها ممزقاً أو مهترئاً أو يتضمن حلولاً وكتابات لتلاميذ سابقين، ما يجعل التلاميذ الجدد أقل حماسة واندفاعاً للتفاعل مع الدروس في شكل يضمن تحصيلهم العلمي الجيد.
والملاحظ أيضاً أن بعض التلاميذ لم يحصلوا على كل الكتب المقررة رغم أنهم باشروا التوجه إلى الصفوف، ما قد يشعرهم بأن حالتهم تحتلف عن باقي زملائهم الذين قد يمتلكون كتباً جديدة.
يوضح محمد الراعي وهو مدير مدرسة ابتدائية حكومية في مدينة جبلة بريف اللاذقية أن المستودعات الرئيسية التابعة للتربية في المحافظات تزود المدارس كل عام بأعداد محدودة من الكتب الجديدة لا تكفي لجميع الطلاب، ومنذ سنوات طويلة يعتمد نظام توزيع الكتب على إعطائها للطالب بداية العام كعهدة على أن تسلم في نهاية العام بحالة جيدة.
ويضيف أن “المدرسة كانت تلجأ لاستبدال الكتب المهترئة جداً بأخرى جديدة مع استخدام نسخ قديمة أيضاً بحيث يستلم الطالب في نهاية المطاف مجموعة كتب موزعة بين القديم والجديد.
لكن خلال السنوات الأخيرة ونتيجة إهمال النظام السابق للمدارس تراجعت نسخ الكتب الجديدة وبقيت المدارس تداور الكتب القديمة بين الطلاب في كل عام حتى وصلنا اليوم إلى كتب لا تصلح للاستخدام فعلاً، كما تزامن الأمر مع زيادة أعداد الطلاب الوافدين الى المدارس بعد سقوط النظام بسبب عودة اللاجئين، ما خلق تحدياً كبيراً لتأمين الكتب”.
ويؤكد الراعي أن الحاجة اليوم أكبر لزيادة طباعة ملايين النسخ من الكتب الجديدة، مؤكداً أن النسخ التي بين يد الطلاب كثير منها لم يعد صالحاً للاستخدام.
يحمل الطفل في الصف الأول ابتدائي محمد خياط (7 سنوات) كتبه المدرسية المستعملة ويعود بها إلى المنزل وعلامات الاستياء بادية على وجهه. في المنزل تبدأ والدته محاولة ترميم هذه الكتب وتجليدها بأمل أن تصبح أكثر ملاءمة لطفل يُفترض أن يستخدمها طوال عام دراسي كامل.
لا تختلف حال فاطمة نعنوع (9 سنوات)، وهي تلميذة في الصف الثالث، كثيراً عن تلاميذ آخرين، إذ لم تضم حقيبتها سوى كتاب واحد جديد، في حين أن باقي الكتب في حالة متردية. ومع ارتفاع تكاليف المستلزمات المدرسية وتراجع القدرة الشرائية للأسر يُصبح شراء مجموعة كتب جديدة أمراً يفوق قدرة كثير من العائلات.
من جهتها، تقول سناء عيطة، وهي أم لثلاثة أطفال في سن الدراسة، لـ”العربي الجديد”، إن تسلّم أبنائها كتباً مهترئة أو ناقصة يضع الأسرة أمام خيارين صعبين، هما إرسال الأطفال إلى المدرسة مزودين بهذه الكتب، أو شراء نسخ جديدة ذات أعباء مالية كبيرة.
وتوضح أن الأسرة التي لديها ثلاثة أبناء في المدرسة قد تحتاج إلى نحو 10 آلاف ليرة سورية، أي ما يقارب معظم راتب موظف حكومي لشهر كامل، لشراء كتب جديدة لهم.
ولا تقتصر المشكلة بحسب الأهالي على الحالة السيئة لبعض الكتب، بل تشمل أيضاً عدم حصول بعض الطلاب على كل الكتب المقررة، ما يدفع الأسر إلى البحث عن النسخ الناقصة في المكتبات والأسواق وشرائها على نفقتهم الخاصة.
في المقابل، قال وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو، أمام مجلس الشعب، إن “الوزارة طبعت خلال العام الحالي 41 مليون كتاب جديد مقارنة بـ28 مليون كتاب العام الماضي. نعمل وفق الإمكانات المتاحة لتسليم جميع الطلاب كتباً جديدة، مع إعطاء الأولوية لتلاميذ الصفوف الأولى”.
لكن إدارات بعض المدارس كشفت أن كتباً كثيرة مستعملة ومهترئة وأن هناك نقصاً في بعض النسخ، في وقت زاد عدد الطلاب في سورية هذا العام.
وتقول المرشدة النفسية هيام مثبوت، لـ”العربي الجديد”، إن “تأثير الكتاب المدرسي المهترئ يتجاوز مظهره الخارجي، خصوصاً لدى الأطفال في الصفوف الأولى، وبالتأكيد أن فرحتهم وحماستهم تتراجعان عندما يحصلون على كتب ممزقة أو ناقصة”.
تضيف مثبوت: “قد يشعر الأطفال بحرج أمام زملائهم الذين حصلوا أو اشتروا كتباً جديدة، خصوصاً أن الكتب تمثل للتلاميذ الصغار جزءا من تجربتهم المدرسية، وليس فقط مجرد وسيلة لتلقي المعلومات، والمشكلة الأخرى تتعلق بالكتب المستعملة التي تتضمن إجابات وحلولاً جاهزة للتمارين داخلها كتبها طلاب سابقون، ويعطل ذلك فرصة التلاميذ الجدد في التفكير والتحليل ومحاولة الوصول إلى الحلول بأنفسهم، ويحوّل بعض التمارين إلى إجابات محفوظة بدلاً من أن تكون أدوات للتعلم”.
ولم توزع الكتب المدرسية في العديد من المدارس رغم مرور نحو أسبوعين على بداية العام الدراسي.
يشير المدرّس في ريف جبلة جنوبي اللاذقية، أحمد مهنا، إلى وجود نقص واضح في حصص المدارس من كتب جديدة في هذا العام الذي يشهد زيادة عدد الطلاب، علماً أن المدارس تعاني أيضاً من تراجع عدد الكتب القديمة الصالحة للاستخدام.
ويوضح مهنا أن “جزءاً من الكتب القديمة يصبح غير صالح للتوزيع بسبب كثرة الاستخدام والتلف إضافة إلى عدم استرجاع بعض الكتب من الطلاب في نهاية العام الدراسي. تحاول المدارس الإفادة من الكتب المتاحة وتوزيعها بما يتناسب مع عدد الطلاب، لكن حجم التلف والنقص في الكتب الجديدة يحدّان من تلك القدرة. إدارات المدارس تلزم الطلاب بترميم الكتب وإصلاح أغلفتها قبل إعادتها، وتفرض غرامة تعادل قيمة الكتاب في حال فقدانه بهدف الحفاظ على المخزون وتأمين الكتب للدفعات الدراسية اللاحقة”.
حسام رستم













