
أعاد حادث التصادم المباشر بين حافلتين على طريق دير الزور – دمشق في منطقة السخنة، الذي أودى بحياة 35 شخصاً وأصاب 30 آخرين من المدنيين ومنتسبي قوى الأمن الداخلي، تسليط الضوء مجدداً على واقع أحد أهم الطرق الحيوية في سوريا،
وسط استجابة حكومية واسعة للتعامل مع تداعيات الحادث، وتجدد المطالب بتسريع إعادة تأهيل الطريق الذي يشهد حوادث متكررة نتيجة تهالك بنيته التحتية واتساع رقعته الصحراوية.
وفور وقوع الحادث، سارعت فرق الإسعاف والجهات المختصة إلى الموقع لإخلاء الضحايا ونقل المصابين، فيما نفذت وزارة الدفاع عملية إخلاء طبي جوي عاجلة بواسطة عدد من الحوامات إلى مستشفى حمص العسكري، نظراً إلى صعوبة الموقع وبعده عن المراكز الطبية المتخصصة.
استجابة حكومية واسعة
وجّه السيد الرئيس أحمد الشرع بتسخير جميع الإمكانات اللازمة للتعامل مع تداعيات الحادث المروري، ورعاية المصابين، والوقوف إلى جانب أسر الضحايا.
كما نعى الرئيس الشرع ضحايا الحادث من أبناء سوريا، من منتسبي قوى الأمن الداخلي والمدنيين، سائلاً الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم أسرهم الصبر والسلوان، متمنياً الشفاء العاجل للمصابين.
وأفادت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بأن فرق الاستجابة من مديريتي حمص ودير الزور توجهت إلى موقع الحادث فور تلقي البلاغ عند الساعة 11:52 من صباح السبت، وباشرت أعمال الإسعاف والإنقاذ ونقل المصابين، بالتنسيق مع وزارات الصحة والدفاع والداخلية.
وشارك في الاستجابة سبع فرق من الدفاع المدني السوري، ضمت فرق إسعاف وإنقاذ وإطفاء، عملت على إخلاء المصابين والضحايا، وتأمين موقع الحادث وتنظيف الطريق وإعادة فتحه أمام حركة المرور، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة المنطقة المحيطة.
كما أعلنت وزارة الصحة رفع جاهزيتها إلى الدرجة القصوى في المستشفيات ومديريات الصحة وبنوك الدم بمحافظتي حمص وريف دمشق، واستنفار منظومة الإحالة والإسعاف والطوارئ، لإخلاء المصابين ونقلهم إلى المراكز الطبية المختصة.
كذلك وجّه وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي جميع المستشفيات الجامعية في المحافظات السورية إلى الاستنفار الكامل، بالتنسيق مع وزارة الصحة والجهات المعنية، بما يضمن سرعة الاستجابة وتقديم الخدمات العلاجية اللازمة.
وجرى تحويل عدد من المصابين إلى مستشفيات دير الزور، فيما نُقل آخرون إلى مستشفى تدمر، قبل تحويلهم إلى مستشفيات حمص لاستكمال العلاج، وفق الخطة الإسعافية المعتمدة.
تعازٍ رسمية وتضامن عربي
عقب الحادث، توالت بيانات التعزية والمواساة من مختلف مؤسسات الدولة، حيث أعربت الوزارات والمحافظات والهيئات الرسمية عن تضامنها مع أسر الضحايا، وتمنت الشفاء العاجل للمصابين، مؤكدةً الوقوف إلى جانب ذويهم ومواصلة تقديم الرعاية للمصابين.
وشملت بيانات التعزية وزارات الخارجية والمغتربين، والداخلية، والدفاع، والطوارئ وإدارة الكوارث، والطاقة، والثقافة، والمالية، والتنمية الإدارية، والسياحة، والشؤون الاجتماعية والعمل، والنقل، إضافة إلى الهيئة العامة للموانئ البرية والبحرية، والهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، والجهاز المركزي للرقابة المالية، ومجلس الشعب، والمصرف المركزي.
كما صدرت بيانات مماثلة عن محافظات حلب وحمص وحماة ودير الزور وطرطوس ودمشق وريف دمشق وإدلب، فيما أعلنت محافظة ريف دمشق تعليق الفعاليات والاحتفالات والافتتاحات الجديدة، والامتناع عن نشر المواد ذات الطابع الاحتفالي لمدة يومين، تضامناً مع الضحايا وذويهم.
كذلك توالت رسائل التعزية من عدد من الدول العربية، إذ أعربت مصر وقطر والأردن عن تضامنها مع سوريا في هذا المصاب، وقدمت التعازي إلى الحكومة والشعب السوري وأسر الضحايا، مع التمنيات بالشفاء العاجل للمصابين، حيث أكدت وزارة الخارجية المصرية تضامن القاهرة الكامل مع سوريا، فيما تقدمت السفارة القطرية في دمشق ببيان تعزية باسم دولة قطر، وأكدت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية وقوف المملكة إلى جانب سوريا في هذا الظرف.
وحظي الحادث أيضاً بتفاعل دولي، إذ تقدم السفير الفرنسي لدى سوريا جان باتيست فافر بخالص التعازي إلى الحكومة السورية والشعب السوري وأسر الضحايا، فيما أعرب السفير التركي في دمشق نوح يلماز عن تعازيه للشعب السوري، وأبدى نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق أسف الأمم المتحدة للحادث، مقدماً التعازي لأسر الضحايا ومتمنياً الشفاء العاجل للمصابين.
إرث طريق متهالك
كشف الحادث مجدداً واقع طريق دير الزور– دمشق، الذي يمثل الشريان البري الرئيسي الواصل بين المنطقة الشرقية وبقية المحافظات، ويعاني منذ سنوات تراجعاً في بنيته التحتية وغياب أعمال التأهيل الشاملة، ما جعله يشهد حوادث متكررة أودت بحياة العشرات.
ويُعد طريق دير الزور – دمشق أحد أبرز الطرق التي ورثتها الحكومة الجديدة عن النظام المخلوع، إذ لم يشهد على مدى سنوات أعمال تطوير أو إعادة تأهيل جوهرية، رغم أهميته الاستراتيجية والاقتصادية.
وخلال سنوات الثورة، استخدمه النظام المخلوع على نطاق واسع لتحريك الأرتال والتعزيزات العسكرية، في وقت تراجعت فيه أعمال الصيانة والاستثمار في البنية التحتية، ما أدى إلى تفاقم التشققات والهبوطات وتدهور عناصر السلامة المرورية على امتداده.
وترك هذا الواقع أمام الحكومة الجديدة تحدياً كبيراً يتمثل في إعادة تأهيل أحد أطول المحاور البرية في البلاد، ضمن شبكة واسعة من الطرق المتضررة التي تحتاج إلى خطط مرحلية وإمكانات مالية وفنية كبيرة.
واقع يهدد السلامة المرورية
ويرى أبناء المنطقة أن تهالك البنية التحتية وضيق الطريق وغياب الخدمات الأساسية، إلى جانب المخالفات المرورية، حوّل هذا المحور إلى أحد أكثر الطرق خطورة في البلاد.
وفي تفاصيل الحادث، قال الناشط محمد حسن العايد لـ«الثورة السورية» إن التصادم وقع بين حافلتين، إحداهما تقل مدنيين، والأخرى تقل منتسبين إلى وزارة الداخلية.
وأوضح العايد أن هذا الحادث ليس الأول على الطريق، ولن يكون الأخير إن لم تُعالج أسبابه الجذرية بجدية وحزم، مشيراً إلى أن الطريق متهالك ويعاني تشققات وهبوطاً في طبقات الإسفلت، ولم يشهد أعمال صيانة حقيقية منذ سنوات طويلة.
ورأى أن ما جرى هو “نتيجة لعدم إدراك خطورة إهمال هذا الطريق الحيوي وعدم معالجته جذرياً”، من خلال توسيعه وفصله إلى مسارين مستقلين، وتوفير الصيانة الدورية والإنارة والأكتاف الجانبية ومخارج الطوارئ.
ولفت إلى أن المشكلة لا ترتبط بالحالة الفنية للطريق وحدها، إذ تمثل السلامة المرورية وثقافة القيادة الآمنة عنصرين مهمين في منظومة النقل، إلا أن العوامل الهيكلية تبقى الأكثر حسماً وتأثيراً، وفي مقدمتها ضيق الطريق وتدهور حالته الفنية، إلى جانب غياب الحواجز الوقائية، وضعف الإشارات التحذيرية، وانعدام نقاط التوقف الآمن.
واعتبر أن الأولوية اليوم هي معالجة البنية التحتية المتداعية وإعادة تأهيل الطريق من أساسه، “لأن الحديث عن توعية السائقين لا يحقق الغاية المطلوبة ما دام الطريق غير صالح للاستخدام الآمن”، وفق رأيه.
ورأى العايد أن غياب نقاط الإسعاف والإنقاذ يفاقم المشكلة، لافتاً إلى أن تدمر وقراها ومنطقة البادية السورية “تعاني عزلة صحية وخدمية خانقة”، في حين لا يمتلك مستشفى تدمر الوطني، وهو الأكبر والأهم في المنطقة، طاقة استيعابية تزيد على بضع عشرات من الأسرّة.
وأوضح أن مستشفى تدمر لا يستطيع استيعاب هذا العدد الكبير من الإصابات الحرجة دفعة واحدة، ولا سيما أنه يعاني نقصاً حاداً في الكوادر الطبية المؤهلة، والأجهزة والمعدات اللازمة للعمليات الإسعافية والجراحية، فضلاً عن نقص الأدوية والمستهلكات الطبية الأساسية.
أما المراكز الصحية الأصغر في القرى المجاورة، فإمكاناتها محدودة ولا تستطيع التعامل إلا مع الحالات البسيطة، ما يعني، وفق العايد، أن النظام الصحي في المنطقة غير مؤهل للتعامل مع طارئ بهذا الحجم.
كما أشار إلى المنطقة تعاني غياباً شبه تام للمنظمات الصحية وفرق الإسعاف المتخصصة، إضافة إلى ضعف شبكات الاتصال، ما يعيق التنسيق السريع ونقل المعلومات بين فرق الإنقاذ والمستشفيات.
ولفت إلى أن تدمر تبعد عن حمص نحو 200 كيلومتر، وعن دمشق أكثر من 240 كيلومتراً، وعن الرقة نحو 200 كيلومتر أيضاً، ما يعني أن أي مصاب يحتاج إلى علاج عاجل سيواجه رحلة طويلة وخطرة، تتراجع خلالها فرص نجاته مع كل دقيقة تمر.
طريق يفتقد مقومات السلامة
يصف عدد من مستخدمي طريق دمشق – دير الزور هذا الطريق بـ«طريق الموت»، نتيجة الحوادث المتكررة وتهالك بنيته التحتية وغياب وسائل السلامة المرورية.
وفي هذا السياق، قال خليل الشيخ، وهو سائق يعمل على خط نقل الركاب بين دير الزور ودمشق، لـ«الثورة السورية» إن واقع الطريق يجعل السفر عليه محفوفاً بالمخاطر، فرغم كونه طريقاً دولياً، لا يتجاوز عرضه ستة أمتار، وهو ما وصفه بأنه “مصيبة حقيقية.”
وأضاف أن كل رحلة عمل تتحول إلى مصدر قلق وخوف، حتى إن المسافر يشعر وكأنه يودع أهله قبل الانطلاق.
وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الطريق، ولا سيما من دير الزور إلى ما قبل تدمر بقليل، يفتقر إلى شبكات الاتصال والإنترنت، كما يخلو من النقاط الطبية والإسعافية، ما يزيد خطورة أي حادث يقع على هذا المحور.
وأوضح أن هذا الواقع قد يحول دون وصول المصاب إلى نقطة طبية أو مستشفى في الوقت المناسب، ما قد يؤدي إلى وفاته قبل تلقي العلاج.
وطالب الشيخ بإنشاء طريق مزدوج للذهاب والإياب، وتعزيز إجراءات السلامة المرورية من خلال تركيب رادارات لضبط المخالفات، إلى جانب توفير النقاط الطبية.
وأوضح أن الرادارات يجب أن ترصد تجاوز السرعة المحددة، ولا سيما السرعات التي تتجاوز 120 كيلومتراً في الساعة، إضافة إلى مخالفات استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة وعدم الالتزام بارتداء حزام الأمان.
ولم ينفِ الشيخ مسؤولية السائقين، لافتاً إلى أن استخدام الهاتف أثناء القيادة والسرعة الزائدة من أبرز المخالفات التي تسهم في وقوع الحوادث.
الطريق ليس العامل الوحيد
وبحكم طبيعة عمله، يسافر الصحفي بكر الطه بصورة متكررة على طريق دير الزور – دمشق، وأكد في حديثه لـ«الثورة السورية» أن الطريق سيئ ويحتاج إلى صيانة وإعادة تأهيل كاملة وتحويله إلى طريق مزدوج.
ورغم اتفاقه على سوء حالة الطريق وما يعانيه من مشكلات، شدد الطه على أن تحميل الطريق وحده مسؤولية الحوادث ليس دقيقاً، إذ ترتبط المشكلة أيضاً بسلوك بعض السائقين، ولا سيما سائقي الصهاريج والشاحنات، وأحياناً الحافلات، الذين يتسابقون فيما بينهم، ما يؤدي إلى وقوع حوادث سير.
وأشار إلى أنه تعرض شخصياً لحادثة مشابهة عندما كان في طريقه ليلاً من دمشق إلى دير الزور، رغم أنه لا يفضل السفر ليلاً بسبب أضواء الزينون.
وأضاف أنه بعد تجاوزه تدمر فوجئ بأربعة أضواء شديدة أمامه، في حين كان من المفترض أن يرى ضوءي مركبة واحدة، ما اضطره إلى الانحراف نحو جانب الطريق لتجنب الاصطدام.
وتبين له لاحقاً وجود شاحنتين كان سائقاهما يتسابقان على الطريق، من دون مراعاة وجود مركبات أخرى، مؤكداً أنه لولا انحرافه إلى جانب الطريق لوقعت كارثة.
على قائمة التأهيل
عقب تحرير البلاد، وتولي الحكومة الجديدة مسؤولياتها، وضعت إعادة تأهيل شبكة الطرق الدولية ضمن أولوياتها، إلا أن حجم الأضرار المتراكمة واتساع شبكة الطرق التي تحتاج إلى إعادة تأهيل يفرضان تنفيذ المشاريع بصورة مرحلية، وفق الإمكانات الفنية والمالية المتاحة، مع إعطاء الأولوية للمحاور الأكثر استخداماً وتأثيراً في حركة النقل بين المحافظات.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة النقل إطلاق سبع مناقصات داخلية وخارجية لتنفيذ مشاريع إعادة تأهيل شبكة الطرق الدولية في سوريا، خلال مؤتمر صحفي عقده وزير النقل يعرب بدر في 14 تموز الجاري، خُصص لعرض إجراءات وشروط المناقصات وخطة الوزارة لتطوير شبكة الطرق.
وأوضح بدر أن المشاريع تشمل إعادة تأهيل طرق نصيب – دمشق، ودمشق – حمص، وحمص – حلب، مع وصلة سراقب – إدلب، بما يشكل محور «M5» الواصل بين الحدود التركية والأردنية، كما تتضمن المشاريع إنشاء فرع ثانٍ لطريق دمشق – تدمر وطريق تدمر – دير الزور، لتحويلهما إلى طريق مزدوج، ضمن خطة شاملة لتحديث شبكة النقل البري في البلاد.
وأشار بدر إلى أن استدراج العروض الخارجية يهدف إلى تحقيق أعلى معايير الجودة الفنية والاستفادة من الخبرات العالمية في التنفيذ والإشراف، مؤكداً أن المشاريع تهدف إلى الإسراع في تأهيل شبكة الطرق الدولية، وربط مختلف المناطق السورية، ونقل الخبرات الهندسية إلى كوادر المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية والجهات السورية المعنية بتنفيذ الطرق.
ويأتي إدراج طريق دمشق – تدمر – دير الزور ضمن هذه المشاريع لمعالجة التحديات المتراكمة التي تعانيها بنيته التحتية بعد سنوات طويلة من غياب أعمال التطوير والصيانة الشاملة.
ختاماً، يعيد الحادث تسليط الضوء على أهمية تعزيز إجراءات السلامة المرورية على طريق دمشق – دير الزور، بالتوازي مع تنفيذ مشاريع إعادة تأهيله، للحد من تكرار الحوادث على أحد أهم المحاور التي تربط المحافظات الشرقية ببقية المناطق السورية.
الثورة السورية – رغد خضور















