اقتصادمحليات

رفع أسعار الوقود يربك المشهد الاقتصادي في سوريا

تصطف عشرات سيارات الأجرة في شوارع العاصمة السورية وساحاتها الرئيسة بحثا عن الزبائن بعد رفع الأجرة تبعا لارتفاع أسعار البنزين، فيما تبدو الأسواق التجارية كالحريقة والحميدية والصالحية والحمراء بحالة ترقب لنتائج رفع الأسعار تبعا لقرار وزارة الطاقة زيادة أسعار المشتقات النفطية.

والسبت الماضي، حددت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية أسعار المشتقات النفطية اعتبارا من يوم الأحد، للتر البنزين 95 بـ195 ليرة سورية وكان سعره 152 ليرة ( الدولار يعادل نحو 135 ليرة سورية)، والبنزين 90 بـ 185 ليرة سورية ، والمازوت بـ175 ليرة سورية بعد أن كان السعر القديم 125 ليرة .

ضغط على مرفق النقل

يقول موسى -سائق إحدى سيارات الأجرة بدمشق– تراجع عملنا بشدة بعد رفع سعر البنزين نحو 25 في المئة، موضحا أن الزيادة مختلفة هذه المرة ولا يستطيع معظم سائقي وزبائن الأجرة تحملها.

وأوضح موسى -وهو أب لثلاثة أطفال- أنه يضطر للتوقف في الأسواق والشوارع الرئيسة بحثا عن ركاب، والدخول في جدل طويل مع الراكب حول التعرفة، لافتا إلى أن “الوضع صعب جدا والمدخول تراجع أكثر من 50 في المئة خلال اليومين الأولين من رفع الأسعار فقط”.

كما رفع سائقو حافلات النقل العام “السرافيس” التعرفة تبعا لزيادة سعر المازوت، يقول أبو مجد إن تعرفة النقل بين مسكنه في ضاحية قدسيا (غربي دمشق) ووسط العاصمة ارتفعت من 65 ليرة إلى 75 ليرة ، مشيرا إلى ارتفاع تعرفة النقل بنسب قريبة على جميع خطوط العاصمة وريفها.

ورأى أبو مجد -وهو أب لطالب جامعي- أن تلك المبالغ باتت مرهقة للعائلات وأصحاب الوظائف خصوصا أنها تأتي ضمن سلسلة من غلاء الأسعار بشكل متتال.

جمود في الأسواق

وفي سوق الحميدية العريق، يشكو باعة وتجار من تأثير الزيادة على حركة البيع، على الرغم من مرور فترة قصيرة على إقرارها.

ويرى أبو راكان -تاجر دمشقي- أن رفع أسعار المحروقات جاء في توقيت يعاني فيه المواطن السوري من تراجع حاد في قدرته الشرائية،

مضيفا لـ “سوريا الآن” أن الأسواق تواجه مشكلة ركود واضحة، كما أن ضعف إمكانات المواطنين يجبر التجار على البيع بحد أدنى من الربح لافتا إلى وجود بضائع “لا تحتمل الانتظار ولا بد من الإسراع في بيعها خصوصا المواد الغذائية منها”.

وأضاف أن الضرر لحق بكل أطراف الدورة الاقتصادية: المواطن والمنتج والتاجر وحتى الحكومة التي “ليس من مصلحتها حالة الشلل والجمود في الأسواق”.

لكن أبو راكان يتوقع ألا تطول هذه الضائقة داعيا إلى “تحرك حكومي يحد من تأثيرات هذا الغلاء إن لم تتحسن أسعار المشتقات عالميا”.

وأكدت وزارة الطاقة أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية جاء نتيجة ارتفاع ‏‏‏‏‏‏‏‏استثنائي في كلفة تأمين هذه المشتقات عالميا، بالتزامن مع صيانة مصفاة بانياس، مشيرة ‏‏‏‏‏‏‏‏إلى أن التعديل مؤقت، ويهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات وتوافرها في السوق ‏‏‏‏‏‏‏‏المحلية.‏

ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي

ولا يختلف المشهد كثيرا في حقول الحسكة الزراعية التي قدمت موسم قمح استثنائيا، يقول عبد الكريم -أحد ملاك الأراضي في القامشلي- إن الأمر يبدو ضبابيا للموسم القادم، مضيفا لـ”سوريا الآن” أنه شخصيا لم يتسلم حتى اليوم مستحقاته من تسليم إنتاجه من القمح،

متسائلا: “كيف سنحضر للموسم القادم ولدينا التزامات مالية لأصحاب الحصادات ومحطات الوقود والبذار؟”.

ورأى عبد الكريم في زيادة أسعار الوقود “ضربة كبيرة للفلاحين” مشيرا إلى أن رفع سعر المازوت بنحو 40 في المئة ثقيل جدا على القطاع الزراعي.

وتجاوز إنتاج سوريا من القمح 3 ملايين طن لموسم عام 2026، بحسب وزارة الزراعة السورية، استحوذت محافظة الحسكة على نحو 37 في المئة من إجمالي إنتاج القمح، تليها محافظتا الرقة وحلب بنسبة 18 في المئة لكل منهما.

بدوره، قال بسام الحسين -مدير العلاقات العامة في اتحاد الفلاحين السوريين- إن رفع أسعار الوقود ينعكس ارتفاعا حادا في تكاليف مدخلات الإنتاج الزراعي، مضيفا لـ”سوريا الآن” أن ارتفاع سعر الديزل وحوامل الطاقة عموما، يؤثر في عمليات الري ونقل الإنتاج وأجور الفلاحة.

وقال الحسين “لا توجد أرقام تقديرية لحجم ذلك التأثير”، لافتا إلى “أننا نتعامل مع قطاع واسع يقوم على العرض والطلب كما أن قرار رفع الأسعار لم يمر عليه سوى أيام، فضلا عن أن المزارعين يعانون أساسا من وفرة المعروض”.

وأعرب الحسين عن أمله في ألا تطول الأزمة حتى لا يكون التأثير مديدا في النشاط الزراعي، مشيرا إلى أن “ارتفاع أسعار المشتقات النفطية سيزول بزوال أسبابها المرتبطة خصوصا بأزمة مضيق هرمز وباب المندب”.

سلسلة ارتفاعات متتالية

اقتصاديا، يبرر باحثون ورجال أعمال قرار الحكومة رفع أسعار حوامل الطاقة، لكنهم يلفتون، في المقابل، إلى ضرورة البحث عن حلول تخفف من وطأة ذلك الارتفاع، وإشراك قطاع الأعمال في اتخاذ قرارات اقتصادية مصيرية.

ويقول محمد الحلاق -نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية- إن التأثير السلبي طال كل قطاعات الاقتصاد بدرجات متفاوتة،

مضيفا في تصريح لـ”سوريا الآن” أن “سائقي سيارات الأجرة، مثلا، رفعوا تعرفة النقل تبعا لرفع سعر البنزين”، موضحا أنهم بهذا الرفع الاضطراري “خسروا شريحة واسعة من الزبائن لا تقدر على دفع تلك التعرفة”.

وقال الحلاق إنها “سلسلة متكاملة تطال السائق والراكب وطالب الجامعة والصناعي والحرفي والفلاح وكل شخص يعيش في مجتمعنا نظرا لدخول حوامل الطاقة في كل تفاصيل العملية الاقتصادية”.

وأضاف الحلاق أن رفع سعر المحروقات أدى إلى منظومة ارتفاعات متتالية مجهولة النهاية، مشيرا إلى ضرورة الانتظار أسبوعين إلى شهر حتى يتوازن السوق وتظهر تكلفة الارتفاعات على مختلف القطاعات.

تغييب قطاع الأعمال

وأكد الحلاق أن التكاتف المجتمعي ضروري لكنه غير كاف في مواجهة هذه الأزمة، مشيرا إلى دور حكومي محوري خصوصا فيما يتعلق بدراسة آثار القرار والتنسيق مع الوزارات الأخرى واستشارة قطاع الأعمال في القرارات الاقتصادية الكبرى.

وأشار إلى أن وزارة المالية رفعت الرواتب والأجور للقطاع العام قبل عدة أشهر، لافتا إلى أهمية القرار، لكنه انتقد “تغييب قطاع الأعمال ووزارة الشؤون الاجتماعية عنه”، مشيرا إلى أن مثل تلك القرارات “تربك منظومة العمل وشبكات الحماية الاجتماعية”.

وأكد الحلاق أن الاقتصاد منظومة متكاملة تتطلب أن يكون المجتمع منتجا ويوفر المدخول لأفراده مع القدرة على الإنفاق، مشيرا إلى أن تبني التنافسية لا يكفي للحديث عن اقتصاد السوق، مؤكدا أهمية خلق شبكات حماية وتكاتف مجتمعي ومسارات قابلة للتطبيق بين الوزارات.

ورأى الحلاق أن منطق السوق يقول إن المشتقات النفطية ترتفع عند ارتفاعها عالميا وتنخفض عند زوال أسباب الارتفاع، آملا أن تعود للانخفاض بأسرع وقت لما سببته من أضرار وضغوط على ملايين السوريين.

 الجزيرة

Related Articles

Back to top button