
كيف يمكن لشخصٍ لا يكاد يعرف شيئاً عن الذكاء الاصطناعي أن يفكر في آثاره على البشرية؟ إنّ عدم فهمي لآثار الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يمنعني من السعي لفهمها. لعل المساعي التي أقوم بها قد تفيد آخرين.
إذن، إليكم السؤال الذي أود طرحه: «الذكاء الاصطناعي.. نعمة، أم نقمة، أم فقاعة؟» وبعد التفكير في الإجابات، هل هناك أي خيارات يمكن للبشرية اتخاذها بشكلٍ واقعي لضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي أقرب إلى النعمة منه إلى الفقاعة؟ أم أننا محكومون بأن نُجرّ خلف عربة الذكاء الاصطناعي أينما ذهبت؟
إن الإجابة عن سؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي مجرد فقاعة ستساعد في تمهيد الطريق للإجابة عن الأسئلة الأخرى. إذن، ما الذي قد يعنيه أن يكون الذكاء الاصطناعي فقاعة؟ هناك احتمالان:
-الاحتمال الأول: إنّ شيئاً مهماً يحدث بالفعل، لكن الأسواق عاجزة عن تقدير العوائد، ما يدفعها إلى حالة عامة من جنون المضاربة. وهذا بدوره يغذي طفرة غير مستدامة – وغير مربحة إلى حد ما في الاستثمار.
وعاجلاً أو آجلاً، ستنفجر هذه الفقاعة، وستنهار أسعار الأسهم، وستفلس العديد من الشركات القديمة والجديدة، وسيتراجع الاستثمار بقوة.
لكننا سنبقى، كما كنا بعد فقاعة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر وفقاعة الإنترنت في التسعينيات، ببنية تحتية مفيدة لكثيرين: خطوط السكك الحديدية في الحالة الأولى، وكابلات الألياف الضوئية في الحالة الثانية، ما يعني أنه يمكن لمثل هذه الفقاعات أن تغير العالم.
-الاحتمال الثاني: إن الذكاء الاصطناعي مجرد هراء. تتبادر إلى الذهن فقاعتا المسيسيبي وبحر الجنوب في أوائل القرن الثامن عشر (الأولى حدثت بفرنسا في 1719-1720. وبدأت كخطة اقتصادية طموحة لإنقاذ فرنسا من الديون، وانتهت بانهيار مالي) و(الثانية في إنجلترا عام 1720.
وشهدت انهياراً كارثياً لأسهم «شركة بحر الجنوب» بعد موجة مضاربة قياسية، ما تسبب في إفلاس عدد ضخم من المستثمرين). وقد ألحقتا الضرر ببعض الدول، لكنهما لم تحدثا تغييراً يذكر.
إذن، هل ما يحدث للذكاء الاصطناعي هو فقاعة حقاً، وإن كان كذلك، فأي نوعٍ من الفقاعات؟ الإجماع السائد، الذي أشاركه مبدئياً، هو أن الذكاء الاصطناعي حقيقة واقعة.
أما إن كنا على أعتاب الذكاء الاصطناعي العام، كما يقول ديميس هاسابيس من «جوجل ديب مايند» فلا علم لي بذلك. لكن نماذج اليوم تبدو مبهرة، لا سيما في دور «الوكيل».
علاوة على ذلك، وكما يشير مستثمر رأس المال المخاطر روبن دومينغيز إيبار في نشرته الإخبارية «ركن الذكاء الاصطناعي»، فإن بعض المزودين.
ولا سيما «أنثروبيك» يحققون قفزات هائلة في الإيرادات، ما يُفسر التقييمات الضخمة المتوقعة في الاكتتابات العامة الأولية. إذن، السوق بالفعل مليء بالفقاعات، لكن يبدو أن ذلك يستند إلى الواقع إلى حدٍ ما.
وقد قارن البعض بين الارتفاع الهائل في أسهم إنفيديا والأداء المشابه لشركة «سيسكو» خلال فترة فقاعة الإنترنت، لكنهم يتوقفون عند فرق واضح: فقد ارتفعت أرباح شركة إنفيديا بشكلٍ كبير، بينما تضاعف صافي دخل شركة سيسكو فقط خلال العامين المنتهيين في يوليو 2000.
علاوة على ذلك، تشير تحليلات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي يحدث بالفعل قفزة غير ظاهرة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة.
ويكاد يكون من المستحيل الجزم بصحة تقييم الأسواق لربحية الشركات الرائدة الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي. ومن المحتمل أيضاً ألا تستمر الأرباح التي نشهدها في إنفيديا أو حتى إيرادات أنثروبيك عندما تهدأ موجة الاستثمار والضجة الإعلامية حول الذكاء الاصطناعي. لكن في كل الأحوال الذكاء الاصطناعي ليس فقاعة، بل هو واقع ملموس.
الآن ننتقل إلى سؤال: «هل هو نعمة أم نقمة؟» وقد ناقشت هذا الأمر بالفعل مع شات جي بي تي – وماذا غيره؟ وبعد سلسلة من النقاشات، توصلت إلى سرد لأهم النعم والنقم على النحو التالي:
-النعم: رعاية صحية أفضل؛ تسريع وتيرة العلوم؛ إنتاجية أعلى؛ تعليم على نطاق واسع؛ تقدم أسرع في مجال المناخ والطاقة النظيفة؛ تحسين إمكانية الوصول والشمول (على سبيل المثال من خلال تحويل الكلام إلى نص والترجمة الآلية)؛ تحسين الخدمات العامة؛ تحسين وسائل النقل وبيئات العمل الآمنة؛ تعزيز الإبداع والتعبير الثقافي؛ وتحسين الوصول إلى المعرفة البشرية عالمياً.
-النقم: فقدان السيطرة والمساءلة البشرية؛ أسلحة فتاكة جديدة (لا سيما مسببات الأمراض، وأسلحة أخرى يمكن أن يقع بعضها في أيدي الإرهابيين؛ بطالة جماعية.
تركز هائل للسلطات؛ مراقبة جماعية، المزيد من التضليل والتلاعب؛ تهديدات جسيمة للأمن السيبراني؛ تداخل التحيز والتمييز المتخفي وراء «الموضوعية»؛ تآكل القدرات والمهارات البشرية؛ والتكاليف البيئية للأنظمة كثيفة الاستهلاك للموارد.
ما الذي يمكن أن نستنتجه من هذه القوائم التي تبدو منطقية تماماً؟ استنتاجي الأول هو أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد «تقنية متعددة الأغراض». وإذا تطور بالطريقة التي تبدو مرجحة، فقد يغير كل شيء تقريباً. لذلك، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي وجودي بالفعل.
الاستنتاج الثاني هو أن الذكاء الاصطناعي أطلق حتماً منافسة بين الشركات والحكومات. وأظن أن أي شيء تستطيع هذه التقنية فعله سيتم تجريبه. لذا، سنشهد سباقات محمومة على كل من الفوائد والمخاطر.
الاستنتاج الثالث أنه لا يمكن اعتبار الضوابط الناجحة نسبياً على انتشار الأسلحة النووية وتوفير الأدوية الجديدة سوابق، وذلك لأن الذكاء الاصطناعي لن يكون حكراً على الدول، مثلما كانت الأسلحة النووية (حتى الآن)، كما أنه ليس فئة واحدة من المنتجات، كالأدوية، بل هو متعدد الاستخدامات للغاية.
وكان من المهم أن يقترح «شات جي بي تي» أن تتوقف البشرية عن اعتبار القدرة التكنولوجية مرادفة للتقدم، الذي ينبغي أن يعني الازدهار في ظل ظروف «الأمان والحرية والشرعية». ويتفق البابا ليو مع هذا الرأي، إذ يقول: «لنبنِ من أجل الصالح العام». ولكن هل هذا ممكن؟ وإن كان كذلك، فكيف؟
فايننشال تايمز















