محليات

كلفة المواصلات.. عبء متصاعد يستنزف دخل العاملين والطلاب

مع الارتفاع المتواصل في تكاليف المواصلات، لا سيما بعد زيادة أسعار المحروقات، بات الوصول إلى أماكن العمل عبئاً يومياً يثقل كاهل العاملين وشرائح واسعة أخرى، من بينها طلاب الجامعات، في ظل فجوة واضحة بين الأجور ونفقات المواصلات.

وقد حوّل هذا الواقع التنقل إلى بند أساسي يستهلك جزءاً كبيراً من الدخل الشهري، ويعيد رسم معادلة العمل لدى شريحة واسعة من العاملين بين المدن والأرياف.

وتواجه شريحة واسعة من العمال في سوريا يومياً معادلة صعبة بين تأمين متطلبات المعيشة الأساسية وتكاليف الوصول إلى أماكن العمل، في ظل الفجوة بين الأجور والنفقات.

ويقول عامر سمارة، موظف في أحد المقاهي، لصحيفة “الثورة السورية” إنه يبدأ يومه بإعادة حسابات متكررة لمعادلة باتت مرهقة، إذ تستنزف المواصلات أكثر من نصف الراتب الشهري، لا سيما مع ارتفاع كلفة التنقل من الأرياف إلى المدن، فيما لا يكفي المتبقي لتغطية الاحتياجات الأساسية حتى نهاية الشهر.

ويضيف: “صرنا نعمل فقط لنؤمّن ثمن المواصلات للوصول إلى العمل”.

وكانت المؤسسة العامة لنقل الركاب، أصدرت قراراً يقضي برفع تعرفة النقل الداخلي بنسبة تراوحت بين 15 و20 بالمئة. ووفق التسعيرة الجديدة، ارتفعت أجرة الحافلة في دمشق إلى 3500 ليرة قديمة (35 ليرة جديدة)، فيما تخطت في بعض مناطق ريف دمشق حاجز 10 آلاف ليرة (100 ليرة جديدة) للرحلة الواحدة.

وفي المحافظات الأخرى، مثل حلب وحمص وحماة واللاذقية، فقد تراوحت التعرفة بين 2000 و3500 ليرة (20–35 ليرة جديدة).
وجاء القرار عقب أيام قليلة من رفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 17 بالمئة ونحو 30 بالمئة، حيث ارتفع سعر لتر المازوت أول إلى 0.88 دولاراً بدلاً من 0.75 (نحو 17.3 بالمئة)، ولتر البنزين “90” إلى 1.1 دولار بدلاً من 0.85 (نحو 29.4 بالمئة)، وليتر البنزين “95” إلى 1.15 دولار بدلاً من 0.91 (نحو 26.4 بالمئة).

أما سيارات الأجرة، فتبدأ التعرفة داخل المدينة من 10 آلاف ليرة (100 ليرة جديدة) لأقصر مسافة، وسط امتناع بعض السائقين عن التوجه إلى مناطق معينة وانتقائية في اختيار الركاب والوجهات والأجور، ما يضع كثيراً من المواطنين أمام صعوبة في الاتفاق على التعرفة.

ويقول سمارة إن سيارات الأجرة أصبحت “لمن استطاع إليها سبيلاً”، نظراً لارتفاع تكلفتها وخضوعها لمزاجية بعض السائقين في اختيار الزبائن والوجهات والأسعار.

وعند احتساب كلفة تنقل موظف يقيم في إحدى ضواحي دمشق ويعمل في وسط العاصمة باستخدام الحافلة، يتضح أنه ينفق نحو 312 ألف ليرة (3120 ليرة جديدة) شهرياً في حال التزامه بالعمل لمدة 26 يوماً. أما في حال الاعتماد على وسيلتي نقل، فقد ترتفع الكلفة لتتجاوز نصف مليون ليرة (5000 ليرة جديدة).

وفي هذا السياق، يوضح خبير قطاع النقل عامر ديب، لصحيفة “الثورة السورية”، أن الموظف الذي يتقاضى ما بين 150 و200 دولار شهرياً، يخصص ما بين 70 و80 دولاراً منها لتكاليف المواصلات، ما يشكّل عبئاً ثقيلاً على الدخل، لا سيما في الأسر التي تضم طلاباً جامعيين.

ويشير ديب إلى أن هذا الواقع يفرض على كثير من العائلات إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، فيما يضطر بعض الطلاب إلى التغيب عن الدراسة أو قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام، ويتجه آخرون إلى التعليم عن بعد كخيار بديل، بينما قد تصل الضغوط المالية في بعض الحالات إلى حدّ الانقطاع عن الدراسة.

الأجور بين المحافظات

بين المحافظات يبدو المشهد أكثر وضوحاً، إذ تتراوح أجرة الراكب من دمشق إلى حلب بين 120 و150 ألف ليرة (1200–1500 ليرة جديدة)، فيما تبلغ بين دمشق واللاذقية 120 و135 ألف ليرة (1200–1350 ليرة جديدة).

وترى رزان حبش، طالبة جامعية، أن أجور النقل بين المحافظات باتت غير منطقية، لا سيما لطلاب الجامعات الذين يدرسون في محافظات أخرى، مشيرة إلى أن ارتفاع التكاليف يدفع بعضهم إلى العمل إلى جانب الدراسة من أجل استكمال تعليمهم، وإلا فقد يضطرون إلى التوقف عن الدراسة.

بالمقابل، يوضح سائق الحافلة (البولمان) عدنان عويسي لصحيفة “الثورة السورية” أن الواقع بات إشكالياً بالنسبة للمواطن والسائق معاً، إذ إن سعر ليتر المازوت أصبح أكثر من ضعفه مقارنة بالسابق،

ما يستدعي برأيه رفع أسعار التذاكر بشكل أكبر، غير أن الزيادة جاءت جزئية فقط. ويضيف أن كلفة تغيير زيت المحرك كانت سابقاً نحو 80 ألف ليرة (800 ليرة جديدة)، فيما ارتفعت اليوم إلى نحو مليون ونصف ليرة (15 ألف ليرة جديدة).

النقل البديل

مع دخول سيارات الأجرة الكهربائية إلى السوق السورية، ورغم ما تحمله من وعود بتكلفة تشغيل أقل وإمكانية ضبط التعرفة عبر عداد إلكتروني يحدّ من هامش المساومة، فإن انتشارها لا يزال محدوداً،

إذ لم يتجاوز عدد السيارات المجهزة بها بضع عشرات، فيما تبقى محطات الشحن الكهربائي في دمشق شبه معدومة، مع انحصار الخدمة ضمن نطاق العاصمة.

ويرى ديب أن التوجه نحو بدائل النقل المتاحة، مثل التطبيقات أو الدراجات النارية التي جرى تقييد استخدامها داخل المدن، لا يحقق وفراً ملموساً في الكلفة، إذ تبقى الفروقات محدودة.

ويعتبر أن إدخال السيارات والحافلات الكهربائية يمثل خياراً استراتيجياً، شريطة التوجه نحو إنشاء مصانع تجميع بنسبة تصل إلى نحو 70 بالمئة، وتأمين البنية التحتية لمحطات الشحن، إلى جانب دعم المصارف لتمويل مشاريع النقل الأخضر، الذي يمكن أن يسهم لاحقاً بنحو 30 بالمئة من الاقتصاد الكلي، مع خفض في التكاليف يقارب 30 بالمئة نتيجة تقليل الاعتماد على المحروقات.

أما على المدى القريب، فيدعو ديب إلى تعزيز النقل الداخلي بين الريف والمدينة عبر توسيع أسطول النقل العام، وإدخال باصات حديثة على خطوط ثابتة وبأسعار مازوت مدعومة، بما يخفف الاعتماد على النقل الخاص مرتفع الكلفة.

كما يقترح تفعيل خطوط نقل جامعي ومدرسي مخصصة بأسعار رمزية، بما يساهم في تخفيف العبء عن الأسر والحد من احتمالات التسرب الدراسي.

وفي السياق نفسه، يشدد على أهمية التدرج في تعميم العداد الرقمي بدءاً من دمشق وصولاً إلى باقي المحافظات، باعتباره أداة لضبط التعرفة وتقليص الفوارق، مع ضرورة وجود رقابة فاعلة، بالتوازي مع ضمان هامش ربح عادل للسائقين.

الثورة السورية – مجد عبيسي

Related Articles

Back to top button