محليات

خريطة الدمار في حلب.. ماذا عن حجم الخسائر والتحديات؟

أصدرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة تقريراً لتقييم الأضرار في محافظة حلب، ضمن خارطة طريق للتعافي وإعادة الإعمار، وذلك في إطار سلسلة تقارير ميدانية تُعدّها الوزارة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، ليكون هذا التقرير الثاني بعد محافظة درعا.

ويقدّم التقرير تقييماً شاملاً لحجم الأضرار في مختلف القطاعات، مستنداً إلى مسوحات ميدانية ومعايير دولية، بما يهدف إلى تحديد أولويات التدخل ووضع أسس عملية لمرحلة التعافي وإعادة البناء في المحافظة.

منهجية علمية ومسح واسع

وحول منهجية التقييم، أوضح مدير العلاقات العامة في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، علي حمد، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن الوزارة اعتمدت مقاربة علمية دقيقة، جمعت بين معايير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) ومعايير البنك الدولي، وهما مرجعيتان دوليتان معتمدتان في تقييم الأضرار.

وبيّن أن الدراسة استفادت من تجارب دولية في مناطق شهدت ظروفاً مشابهة للحالة السورية، ما عزز دقة التقييم، حيث جرى تصنيف الأضرار إلى ثلاث فئات: دمار كلي، دمار جزئي، وأضرار طفيفة، بهدف توحيد معايير التقييم وتوجيه جهود التعافي بشكل أكثر فعالية.

وأشار إلى أن المسوحات شملت معظم جغرافيا المحافظة، مع استمرار العمل في بعض المناطق التي تعذّر الوصول إليها سابقاً بسبب الظروف الميدانية، على أن تُدرج ضمن تحديثات لاحقة لقاعدة البيانات.

وأضاف: إن العمل الميداني بدأ منذ عدة أشهر، وواجه تحديات أمنية ولوجستية، ما استدعى اعتماد أسلوب مزدوج يجمع بين الرصد المباشر في المناطق المستقرة، والرصد التراكمي في المناطق الأكثر تعقيداً، ما أتاح بناء قاعدة بيانات زمنية شاملة تغطي الأضرار منذ بداية الأزمة، مع إمكانية تحديثها مستقبلاً.

حجم الأضرار

وفي ما يتعلق بالأضرار في القطاع السكني، أشار حمد إلى أن عدد المساكن المتضررة بلغ 197,133 مسكناً، حيث أظهرت الدراسة أن نسبة الدمار الكلي في الوحدات السكنية وصلت إلى 58.7 بالمئة من إجمالي المساكن المتضررة.

أما على مستوى السكان، فأوضح أن مئات آلاف المواطنين تأثروا بشكل مباشر بهذه الأضرار، سواء عبر النزوح القسري أو العيش في مساكن متضررة جزئياً، على أن يتم الإعلان عن التقديرات النهائية عند استكمال البيانات.

وفي القطاع الصحي، بيّن أن تسع مستشفيات تضررت، ما يشكل نحو 17.6 بالمئة من مستشفيات المحافظة، إلى جانب تضرر 98 مركزاً صحياً ومستوصفاً، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قدرة القطاع الصحي في تقديم خدماته.

وأشار إلى أن هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الضرر في البنية التحتية، بل تشير أيضاً إلى التحديات التي واجهها العاملون في القطاع الصحي، في ظل نقص الكوادر والمعدات، واضطرار بعضهم إلى تقديم الخدمات في ظروف استثنائية.

وفي القطاع التعليمي، كشف التقرير عن تضرر 1,477 مدرسة بدرجات متفاوتة، وهو ما يمثل نحو نصف مدارس المحافظة، ما أثر بشكل مباشر على العملية التعليمية.

وفي ريف حلب الجنوبي، جرى تنفيذ أعمال لتحسين البيئة التعليمية في بعض المدارس، شملت إعادة تأهيل الغرف الصفية وتجهيز المرافق الخدمية، بهدف رفع جاهزية المدارس وتوفير بيئة مناسبة للطلاب.

كما أشار التقرير إلى تضرر 91 فرناً بنسبة 30.5 بالمئة، ما انعكس على تأمين مادة الخبز، خاصة مع عودة عدد من السكان، الأمر الذي استدعى تدخل الجهات المعنية لإعادة تأهيل الأفران ودعم المخابز.

وفي ما يتعلق بدور العبادة، تضرر 1,118 مسجداً بنسبة 29.8 بالمئة، إضافة إلى 11 كنيسة بنسبة 14 بالمئة، ما يعكس حجم التأثير الذي طال البنية الاجتماعية، في مدينة عُرفت بتنوعها الثقافي والديني.

البنى التحتية

امتد الضرر ليشمل مختلف قطاعات البنية التحتية، حيث تضررت شبكة الطرق، ما أعاق حركة التنقل وإيصال المساعدات.

وفي قطاع الكهرباء، تعرضت أبراج الضغط العالي والمحولات لأضرار كبيرة، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أحياء واسعة لفترات طويلة، واضطرار السكان للاعتماد على مصادر بديلة كالمولدات والطاقة الشمسية.

أما شبكات المياه والصرف الصحي، فقد تعرضت لأضرار جسيمة، ما أدى إلى نقص المياه الصالحة للشرب في بعض المناطق، وظهور مشكلات بيئية وصحية نتيجة تضرر شبكات الصرف.

كما تأثرت البنية التحتية للاتصالات بشكل كبير، ما أدى إلى صعوبات في التواصل، وأثر على تنسيق جهود الإغاثة.

وفي ما يتعلق بالأنقاض، أشار التقرير إلى انتشار مكبات الركام في مختلف أنحاء المحافظة، والتي تشكل تحدياً بيئياً وهندسياً، نظراً لاحتوائها على مواد خطرة وتأثيرها على الصحة العامة.

الاقتصاد المحلي والتعافي

لم تغفل الدراسة الأثر الذي طال الاقتصاد المحلي، حيث تضررت آلاف المنشآت الصناعية والتجارية، بما في ذلك مناطق صناعية مثل الشيخ نجار، والأسواق القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي، إضافة إلى المحال التجارية.

وأوضح حمد أن الهدف الأساسي من الدراسة هو توجيه جهود التعافي وفق أولويات واضحة، تبدأ بقطاع التعليم، ثم الصحة، تليها الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق، باعتبارها ركائز أساسية لاستقرار السكان.

وأشار إلى أن الخطة الزمنية لإعادة الإعمار ستُبنى على احتياجات المواطنين الفعلية، مع العمل على تنفيذها بشكل تدريجي ومنهجي.

وفي ما يتعلق بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، أوضح حمد أن هذا التعاون يندرج ضمن الدعم الفني والاستشاري، والاستفادة من الخبرات الدولية في مجالات التقييم والتخطيط.

وأضاف: إن هذا الدعم شمل تدريب الكوادر الوطنية وتزويدها بمنهجيات حديثة، ما أسهم في إنجاز نسبة كبيرة من المسوحات رغم التحديات.

ومن أبرز هذه التحديات، الصعوبات الأمنية في بعض المناطق، وانتشار الألغام والمتفجرات، وعدم استقرار الأبنية المتضررة، إضافة إلى تضرر الطرق وانقطاع الاتصالات في فترات متفرقة، ما أعاق الوصول إلى بعض المواقع.

ختاماً، يعكس تقرير تقييم الأضرار في محافظة حلب صورة شاملة لحجم التحديات التي تواجه عملية التعافي في سوريا عموماً، كما يشكل في الوقت ذاته أساساً علمياً لتخطيط مرحلة إعادة الإعمار.

وبينما تكشف الأرقام حجم الدمار، فإنها تضع أيضاً إطاراً عملياً لإعادة البناء، وفق أولويات تستند إلى احتياجات السكان، وبالتعاون مع خبرات دولية، بما يمهد لمرحلة جديدة في مسار التعافي.

الثورة السورية- لينا شلهوب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى