اقتصاد

الدين الأمريكي.. أزمة صامتة تهدد الاستقرار المالي

قفز الدين العام الأمريكي متجاوزاً حاجز 39 تريليون دولار، مسجلاً مستويات تاريخية، وذلك في مشهد يعكس اختلالاً عميقاً في معادلة المالية العامة الأمريكية،

لا سيما بعد الوصول إلى هذا المستوى خلال أقل من خمسة أشهر فقط من تسجيل 38 تريليون دولار، و37 تريليون دولار قبل ذلك بشهرين، ما يعكس وتيرة تراكم غير مسبوقة، إلا في أزمنة الحروب والأزمات الكبرى.

وسجل الدين زيادة قدرها 2.8 تريليون دولار منذ تولي ترامب منصبه قبل 14 شهراً، وسجلت الزيادة الأخيرة في شهر فبراير وحده 308 مليارات دولار، بسبب ارتفاع مدفوعات الفائدة وخدمة الدين العام، إضافة إلى الإنفاق الحكومي، بما في ذلك وزارة الحرب.

يضع هذا التسارع الاقتصاد الأمريكي أمام مفارقة حادة، بين قوة اقتصادية هي الأكبر عالمياً، لكنها تعتمد بشكل متزايد على الاستدانة لتمويل إنفاقها، في ظل عجز مالي آخذ في الاتساع بوتيرة قوية.

وبينما تتعالى التحذيرات من المؤسسات البحثية والاقتصاديين، يؤكد محللون أن هذا المسار «غير قابل للاستدامة»، لا سيما من زاوية الكلفة المستقبلية على الأجيال القادمة.

وما يضفي خطورة أكبر على هذا المشهد، إلى جانب حجم الدين، هو تسارع وتيرته، فوفق تقديرات مؤسسات رقابية، قد يلامس الدين 40 تريليون دولار قبل انتخابات الخريف، بحسب تقديرات مؤسسة بيترسون، والتي تحذر من أن هذا الإيقاع السريع يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة صانعي السياسات على كبح جماح الإنفاق، أو إعادة ضبط البوصلة المالية.

في الخلفية، ترسم التوقعات الرسمية الصادرة عن مكتب الميزانية في الكونجرس، صورة أكثر قتامة، فالعجز الفيدرالي مرشح للارتفاع إلى نحو 1.9 تريليون دولار خلال العام المالي 2026، مع اتجاهه لتجاوز 3 تريليونات دولار خلال العقد المقبل.

أما نسبة الدين إلى الناتج المحلي، فقد تتجاوز 120 % بحلول 2036، متخطية مستويات تاريخية سُجلت عقب الحرب العالمية الثانية، وهو ما يعكس انتقال الدين من كونه أداة تمويل، إلى عبء هيكلي مزمن.

أزمة حرجة

يرى كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، أن «الدين الأمريكي في مرحلة حرجة، لكنها ليست تهديداً فورياً، بل خطر هيكلي طويل الأجل»، مشيراً إلى أن «الولايات المتحدة لا تواجه حالياً أزمة سيولة مباشرة، لكنها تتجه تدريجياً نحو منطقة عدم الاستدامة المالية، وهو وضع خطير جداً»، في تقديره.

ويضيف لـ «البيان»: الدولار لا يزال قوياً، ويحتفظ بمكانته عملة احتياطية أولى، والطلب على سندات الخزانة الأمريكية مرتفع، خصوصاً من البنوك المركزية والمستثمرين الباحثين عن الأمان. كما أن الاقتصاد الأمريكي أكثر مرونة، مقارنة بأوروبا والصين، لكن حجم الدين يشكل تهديداً كبيراً، خصوصاً مع سرعة تراكمه خلال السنوات الأخيرة.

ويزيد ارتفاع معدلات التضخم، مع صعود أسعار النفط، من حساسية الوضع المالي. كما أن استمرار أسعار الفائدة مرتفعة، من شأنه أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في مدفوعات الفائدة على الدين، ربما تتجاوز الإنفاق العسكري، أو تقترب من الإنفاق على الرعاية الصحية، ما يهدد الأمن القومي الاقتصادي، ويؤثر في حياة المستهلك الأمريكي.

ويستطرد صليبي: «ارتفاع الدين يعني إصدار سندات أعلى وفائدة أعلى، وتكلفة خدمة دين أكبر، ما يؤدي إلى عبء أكبر على الموازنة الأمريكية.. وكسر هذه الحلقة صعب دون تضخم مرتفع أو تقشف أو نمو اقتصادي قوي جداً»،

موضحاً أن تراجع الطلب الخارجي، خصوصاً من الصين، التي قلصت حيازتها من السندات الأمريكية، وتحولت نحو أصول بديلة، مثل الذهب، يزيد من الضغط على الأسواق.

بينما السيناريو المستبعد في تقديره، هو التخلف عن السداد، بسبب قدرة الولايات المتحدة على إصدار العملة. أما السيناريو الأكثر واقعية، فهو ما يعرف بـ «الركود المالي»، حيث تكون الفائدة أقل من معدل التضخم، ما يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدين، ويؤثر في الأسواق بشكل عام.

خدمة الدين

غير أن البُعد الأكثر إثارة للقلق، يكمن في تكلفة خدمة هذا الدين، فمدفوعات الفائدة وحدها مرشحة لتجاوز تريليون دولار في السنة المالية 2026 (ثلاثة أضعاف مبلغ الفوائد في 2020 مع بداية جائحة كورونا)، وهو معدل يقترب من موازنات قطاعات سيادية كالدفاع.

خلال الربع الأول فقط من العام المالي الجاري، تجاوزت مدفوعات الفائدة «الإنفاق الدفاعي»، في إشارة رمزية إلى تحوّل أولويات الإنفاق تحت ضغط الدين، وفقاً لتحليل لجنة الميزانية الفيدرالية (CRFB) في فبراير.

يضع هذا الواقع الولايات المتحدة أمام معادلة صعبة، إما الاستمرار في تمويل النمو عبر الديون، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تضخمية وضغوط على أسعار الفائدة، أو الدخول في مسار تصحيحي، قد يتطلب قرارات سياسية مؤلمة، تشمل خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب.

السياسات الاقتصادية

محلل الأسواق المالية في First Financial Markets، دانيال البنا، يقول لـ «البيان» إن «الدين الأمريكي في تزايد مستمر كل سنة، ويشكل عبئاً متفاقماً على الاقتصاد»، لافتاً في الوقت نفسه إلى الخلافات داخل الكونجرس حول الموازنة، تؤدي أحياناً إلى شلّ الحكومة أو إغلاق جزئي.

ويضيف: «الدين العام الكبير يتفاقم نتيجة تراجع الاقتصادات العالمية، بالإضافة إلى تباطؤ الاقتصاد الأمريكي نفسه، وعوامل مثل رفع الفوائد والسياسات المالية السابقة.. هذه السياسات، إضافة إلى الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت خلال إدارة بايدن، أسهمت في زيادة الضغوط على الاقتصاد الأمريكي، وتعقيد إدارة الدين العام».

ويتابع: «حجم الدين الأمريكي تجاوز الناتج المحلي الإجمالي، وهذا أمر يثير القلق»، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة معروفة بقوة اقتصادها، لكن تصنيف وكالات مثل موديز وفيتش على السندات الأمريكية والاقتصاد، يعكس مخاطر محتملة، وهذه المخاطر لا تؤثر كثيراً على المدى القصير، لكنها على المدى الطويل، خلال السنوات المقبلة، قد تخلق تحديات كبيرة.

ويضيف: «كما أن ارتفاع أسعار النفط نتيجة الأزمات الجيوسياسية، ومع بقاء معدلات التضخم فوق المستوى المستهدف 2 %، عوامل تبطئ من وتيرة خفض الفوائد».

تأثيرات ارتفاع الدين

ويستعرض مكتب محاسبة الحكومة بعض تأثيرات ارتفاع الدين الحكومي في الأمريكيين، بما في ذلك زيادة تكاليف الاقتراض لشراء المساكن والسيارات، وانخفاض الأجور نتيجة قلة الأموال المتاحة للاستثمار من قبل الشركات، وارتفاع أسعار السلع والخدمات.

كما يحذر المدافعون عن الميزانية المتوازنة من أن الاتجاه طويل الأجل للاقتراض المستمر، ودفع المزيد من الفوائد، سيجبر الأمريكيين على مواجهة مقايضات مالية أصعب في المستقبل.

كما يمثل مسار ارتفاع التكاليف مصدر قلق. فقد ارتفع الدين الفيدرالي تحت إدارات كل من الجمهوريين والديمقراطيين، مدفوعاً في المقام الأخير بالحروب، والإنفاق الكبير خلال الأوبئة، وخفض الضرائب.

العجز

وبحسب موقع بيانات الخزانة الأمريكية المالية، بلغ إجمالي الإنفاق الحكومي في السنة المالية 2025 نحو 7.01 تريليونات دولار، بينما بلغ إجمالي الإيرادات 5.23 تريليونات دولار، ما أسفر عن عجز قدره 1.78 تريليون دولار، بانخفاض 41 مليار دولار عن السنة المالية السابقة.

وقال كوش ديساي، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن انخفاض العجز يرجع إلى زيادة إيرادات الضرائب الفردية، و«جهود إعادة هيكلة الحكومة»، التي قلصت العمالة الفيدرالية إلى أدنى مستوى منذ 1966، وتشديد الإجراءات ضد «الاحتيال في برامج الرفاهية الفيدرالية»، مضيفاً أنه مع استمرار تأثير هذه المبادرات وغيرها، سيستمر عجز أمريكا، ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في التوجه في الاتجاه الصحيح.

تجدر الإشارة إلى أن الدين القومي، أو الدين العام، هو إجمالي المبلغ الذي تدين به الحكومة الوطنية للمقرضين داخل البلاد وخارجها.

50 تريليون دولار الدين خلال 3 سنوات

حذر الخبير الاقتصادي بيتر شيف، من أن الدين القومي تجاوز 39 تريليون دولار، وقد يرتفع إلى مستويات أعلى بكثير إذا استمرت الظروف الحالية، حيث تشير تعليقاته إلى أن العجز المتزايد والتمويل المتزايد التكلفة، هما الضغوط الرئيسة التي تشكل التوقعات المستقبلية.

وقال الخبير في منشور على منصة «إكس»، «تجاوزت الديون الأمريكية 39 تريليون دولار، بزيادة قدرها 2.8 تريليون دولار منذ تولي ترامب منصبه قبل 14 شهراً. ولكن مع ارتفاع تكاليف الحرب، وارتفاع أسعار الفائدة، وبدء الركود الاقتصادي، سترتفع عجز الميزانية بشكل كبير. وقد تصل الديون الوطنية إلى 50 تريليون دولار، قبل أن يغادر ترامب منصبه».

وتؤكد البيانات الحالية حجم الاختلالات القائمة حتى قبل استيعاب التكاليف الجيوسياسية الجديدة بالكامل. حتى وقت كتابة هذا التقرير،

تُظهر الأرقام أن إجمالي الدين القومي يبلغ 39,004,693,266,993 دولاراً، إلى جانب عجز في الميزانية الفيدرالية يبلغ حوالي 1.69 تريليون دولار، وإجمالي إنفاق يتجاوز 7.10 تريليونات دولار.

وتشير نفس مجموعة البيانات إلى أن الدين لكل مواطن يبلغ 113,607 دولارات، ولكل دافع ضرائب 357,068 دولاراً، في حين تبلغ عائدات الرسوم الجمركية حوالي 353 مليار دولار، ما يسلط الضوء على الفجوة الهيكلية بين التدفقات الداخلة والالتزامات.

زر الذهاب إلى الأعلى