
مع عودة نحو 400 ألف مهجّر إلى مدينة حمص منذ تحريرها، يواجه الأهالي تحديات متزايدة في ملف النظافة، مع تراكم النفايات والركام الناتج عن الدمار الذي لحق بالأحياء خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، في وقت تواجه فيه مديرية النظافة في مجلس المدينة صعوبات كبيرة في تلبية الاحتياجات المتزايدة.
ويتشابه واقع النظافة ومكافحة الحشرات في معظم أحياء المدينة، مع تفاوت نسبي بين منطقة وأخرى، وتكشف شهادات الأهالي في هذا التقرير عن مخاوف من تداعيات بيئية وصحية نتيجة محدودية الإمكانات وانتشار رمي النفايات بصورة عشوائية، إلى جانب مطالبات للجهات المعنية باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية.
واقع النظافة في أحياء حمص
أكدت منى الأبرش، من سكان حي الحميدية وسط المدينة، لـ”الثورة السورية”، أن تنظيف الشوارع يتم بجهود فردية من سكان الحي، في ظل غياب عمال النظافة التابعين للبلدية،
مشيرة إلى أن عدد الحاويات لا يتناسب مع عدد السكان، ما يدفع الأهالي إلى رمي أكياس القمامة بجوارها بعد امتلائها، إضافة إلى تأخر وصول سيارات الترحيل، الأمر الذي يدفع بعض السكان أحياناً إلى إشعال النفايات بالقرب من الحاويات.
وأشارت الأبرش إلى مخاوف من انتشار الأوبئة والأمراض نتيجة تكاثر الحشرات والقوارض، إضافة إلى انتشار الكلاب الشاردة التي تشكل مصدر قلق للأطفال، لافتة إلى تحول شارع العباس بن الوليد، المعروف باسم “الملجأ”، عند مدخل حي وادي السايح، إلى مكب لمخلفات الردم،
رغم أنه شارع حيوي يفصل بين مسجد خالد بن الوليد في حي الخالدية وحي الحميدية، ورأت أن من بين الحلول الممكنة تفعيل الغرامات بحق المخالفين، وزيادة عدد عمال النظافة، مؤكدة استعداد السكان للتعاون مع البلدية.
وفي حي بابا عمرو والأحياء الجنوبية المجاورة، قال مختار الحي حسن عبد الوهاب لـ”الثورة السورية”: إن واقع النظافة بعد عودة أعداد كبيرة من المهجّرين يفوق الإمكانات المتاحة، مضيفاً: رغم محدودية الموارد، نواصل التواصل مع الجهات المعنية لتحسين الواقع الخدمي، من خلال المطالبة بحملات لترحيل الأنقاض وتسريع أعمال إعادة الإعمار، إلا أن نقص حاويات القمامة ما يزال يشكل أزمة، شأنه شأن معظم الأحياء المتضررة.
وأضاف عبد الوهاب، وهو من المهجّرين العائدين، أن الجميع يدرك حجم التحديات، موضحاً أن تجاوزها يتطلب استمرارية العمل والتعاون بين السكان والمؤسسات الخدمية، إلى جانب استمرار المبادرات الشعبية التطوعية، وقال: “نرجو تكثيف الجهود، خاصة مع اشتداد الحرارة، ولا سيما في مجال رش المبيدات الحشرية”.
من جهته، أكد خالد حبوس، الإعلامي والمهجّر العائد، ومن سكان حي الوعر غربي حمص، لـ”الثورة السورية”، أن واقع خدمات النظافة متردٍ في الحي، وكذلك في الحدائق الشعبية بمنطقتي الغابة والمسبح، اللتين تعدان متنفساً للأهالي خلال فصل الصيف، مشيراً إلى أن الأعشاب اليابسة والشوك الأصفر يرتفعان إلى نحو متر، ما يعيق دخول الأهالي إلى الحدائق.
وذكر أن نحو 90 بالمئة من حاويات القمامة متهالكة، إما بسبب القصف الذي تعرضت له أو نتيجة قدمها، فيما تتراكم النفايات حولها، ما يسهم في انتشار الحشرات والأمراض، لافتاً إلى غياب المبادرات الحكومية والشعبية الخاصة بالنظافة في حي الوعر، المعروف أيضاً باسم “حمص الجديدة”.
وفي أحياء حمص الشرقية، تحدث الناشط الإعلامي حذيفة العربي لـ”الثورة السورية” عن معاناة العائدين إلى حي كرم الزيتون نتيجة تراكم النفايات بصورة كبيرة، ما دفع السكان إلى تنظيف محيط منازلهم ومحالهم التجارية بجهودهم الذاتية.
وأوضح أنهم فوجئوا بغياب خدمات البلدية عن هذه المنطقة الحيوية، وعدم وجود عمال نظافة، إضافة إلى وجود حاويتين فقط في الشارع الممتد بين دوار الفاخورة ودوار الأصيل، وسط انتشار رمي النفايات بصورة عشوائية، وزيادة المشكلة بسبب نبش القمامة، إلى جانب الدمار الواسع، وتهالك الأرصفة، وانتشار الحفر، وغياب الإنارة.
ونوّه العربي إلى أن السكان استنفدوا إمكاناتهم الذاتية، وأن حملات التوعية وحدها لم تعد كافية، لأن حجم المشكلة يتجاوز قدرة الأهالي على معالجتها من دون تدخل حكومي، رغم أن أصحاب المحال التجارية يدفعون رسوم النظافة.
وأضاف أن مطلبهم الأساسي يتمثل في تخصيص عمال نظافة للحي، حتى لو كان عددهم محدوداً، مشيراً إلى وجود عمال نظافة في الأحياء المجاورة، ومتسائلاً عن أسباب استمرار إهمال الحي الذي تعرض لدمار واسع خلال سنوات الثورة.
وفي الأحياء الأقل تضرراً، مثل الغوطة والحمرا والدبلان وسط المدينة، أفاد عدد من السكان لـ”الثورة السورية” بأن واقع النظافة لا يلبي احتياجاتهم، موضحين أن الآليات المتوافرة غير كافية، إذ تمر سيارة جمع النفايات مرة واحدة يومياً، وهو ما لا يغطي حجم النفايات المتراكمة.
وأضافوا أن عمال النظافة يقتصر عملهم على تفريغ الحاويات، في حين تبقى النفايات المتراكمة بجوارها وعلى أطراف الطرقات من دون معالجة، وإن أزيلت أحياناً فتكون المعالجة محدودة وسريعة.
كما نوّه السكان إلى عدم غسل الحاويات بصورة دورية، ما يزيد من انبعاث الروائح الكريهة وتكاثر الحشرات، مبينين أن معظم الحاويات قديمة وصغيرة الحجم ولا تكفي لاستيعاب كمية النفايات. وأضافوا أنهم لم يلحظوا حتى الآن تنفيذ حملات لرش المبيدات الحشرية، رغم ارتفاع درجات الحرارة وتراكم النفايات، الأمر الذي حول الأحياء إلى بيئة ملائمة لتكاثر الحشرات والقوارض، بما يشكل تهديداً مباشراً للصحة العامة.
أعمال مديرية النظافة في حمص
بدوره، قال مدير مديرية النظافة في مجلس مدينة حمص، المهندس عماد الصالح، لـ”الثورة السورية”: إن المديرية تعمل حالياً على جمع وترحيل أكثر من 1200 طن من النفايات يومياً إلى مطمر النصر، حيث تعالج ميكانيكياً وفق نظام الطمر الصحي داخل خلية مخصصة لهذا الغرض.
وأوضح أن تنفيذ هذه الأعمال يتم بواسطة 58 سيارة ضاغطة، إضافة إلى آليات من نوع “بوب كات” (Bobcat) وقلابات، إلى جانب كوادر المديرية، التي تضم نحو 240 عاملاً وسائقاً وفنياً وحارساً.
وأضاف الصالح أن المديرية تعاقدت مع شركة متخصصة في أعمال النظافة لتعويض النقص في الآليات والكوادر، حيث توفر الشركة نحو 400 عامل نظافة، إلا أن هذا العدد ما يزال غير كاف لتغطية كامل مساحة المدينة، التي تمتد على نحو 8000 هكتار.
وذكر أن من أبرز الصعوبات التي تواجه العمل ارتفاع متوسط أعمار عمال النظافة، نتيجة توقف التوظيف وعدم إجراء مسابقات لتعيين كوادر جديدة، مشيراً إلى أن المديرية تواصل أعمال كنس الشوارع الرئيسية والأسواق، إضافة إلى تنفيذ حملات مكافحة الحشرات باستخدام المبيدات الرزازية والضبابية.
من جهته، قال المدير التنفيذي لشركة الفارس للنظافة، نور الدين الفارس، لـ”الثورة السورية”: إن الشركة تنفذ أعمال النظافة والخدمات البيئية في عدد من أحياء مدينة حمص وفق خطط عمل يومية ومنظمة، تشمل ترحيل النفايات، وكنس الشوارع وغسلها، وتنظيف الحدائق والساحات العامة، وإزالة المكبات العشوائية عند الحاجة.
وأوضح الفارس أن تنفيذ هذه الأعمال يتم بالتنسيق المستمر مع مجلس مدينة حمص، وفق العقد رقم /1/، وبالتعاون مع محافظة حمص، بما يضمن توزيع الورش والآليات وفق الأولويات والاحتياجات الفعلية في مختلف المناطق، مضيفاً أن حجم الاحتياجات في مدينة تعرضت لسنوات طويلة من القصف والدمار يتطلب جهوداً وإمكانات أكبر، لذلك تعمل الشركة باستمرار على تطوير أسطول الآليات وتعزيز كوادرها بما يواكب متطلبات المرحلة.
أبرز التحديات في عمل النظافة
وأوضح المهندس عماد الصالح أن أبرز التحديات تتمثل في تهالك آليات مديرية النظافة بسبب انتهاء عمرها التشغيلي، إذ تعود أحدث الآليات إلى عام 2006، إلى جانب محدودية أعدادها، في وقت شهدت فيه المدينة توسعاً سكانياً كبيراً، ولا سيما بعد التحرير، حيث ارتفع عدد السكان وازداد النشاط التجاري والسكني، ما فرض أعباء إضافية على المديرية.
ونوّه الصالح إلى أن عدم التزام عدد محدود من المواطنين بقواعد النظافة يشكل عبئاً إضافياً على عمل المديرية وعمالها، إضافة إلى وجود أعداد كبيرة من نبّاشي القمامة الذين يعمدون إلى تمزيق الأكياس ونثر محتوياتها في الشوارع والأحياء، ما يزيد من حجم العمل المطلوب.
وأشار أيضاً إلى تهالك البنية التحتية الخاصة بالنظافة، ولا سيما الحاويات، موضحاً أن المدينة تضم أكثر من 2500 حاوية. وخلال العام الماضي، جرى توزيع 275 حاوية جديدة، إضافة إلى 40 حاوية مقدمة من منظمات، ليصل إجمالي الحاويات الموزعة إلى 315 حاوية، منها 185 حاوية وضعت في مواقع جديدة، فيما استبدلت نحو 130 حاوية تالفة.
وأكد الصالح أن المديرية تحتاج إلى نحو 400 حاوية إضافية لاستبدال الحاويات التالفة، إضافة إلى 200 حاوية جديدة لتغطية المناطق التي شهدت عودة السكان، ولا سيما في الأحياء التي تعرضت للتدمير.
من جانبه، قال المدير التنفيذي لشركة الفارس إن أبرز التحديات تتمثل في اتساع رقعة المدينة، ووجود أحياء متضررة بصورة كبيرة، إضافة إلى تراكم الأنقاض والنفايات في عدد من المواقع، وارتفاع درجات الحرارة، مبيناً أن الشركة تواجه هذه التحديات عبر تكثيف الورش، وزيادة وتيرة العمل، وتطوير خطط الاستجابة بما يحقق أفضل النتائج ضمن الإمكانات المتاحة.
وأكد الفارس أن الشركة تولي مكافحة الحشرات اهتماماً كبيراً، من خلال تنفيذ برامج دورية لرش المبيدات في المواقع التي تستدعي ذلك، بالتنسيق مع الجهات المختصة، مع إعطاء الأولوية للأحياء ذات الكثافة السكانية أو التي تشهد تجمعات للنفايات.
وأضاف: “نعمل على إزالة مسببات انتشار الحشرات عبر تكثيف أعمال النظافة وترحيل النفايات بصورة مستمرة، لأن الوقاية تبدأ بالحفاظ على بيئة نظيفة”.
المبادرات التطوعية وحملات النظافة
إلى جانب الأعمال اليومية، أطلقت شركة الفارس عدداً من المبادرات التطوعية وحملات النظافة في أحياء مختلفة من مدينة حمص، شملت تنظيف الحدائق، وإزالة الأعشاب اليابسة والأشواك، وتنظيف المقابر والساحات العامة، وذلك بالتعاون مع فعاليات أهلية وجمعيات تطوعية وعدد من المتطوعين.
وأكد نور الدين الفارس أن هذه المبادرات لاقت تفاعلاً إيجابياً من الأهالي، وحظيت بدعم من الجهات الرسمية، وأسهمت في تعزيز ثقافة المشاركة المجتمعية والحفاظ على النظافة العامة.
وأعرب الفارس عن أسفه، قائلاً: “ما زلنا نلاحظ أن مستوى التعاون من بعض الأهالي ليس بالمستوى المأمول، وهو ما يؤثر في جهود الحفاظ على نظافة المدينة”،
داعياً الجميع إلى الالتزام بمواعيد رمي النفايات المحددة، من الساعة الثامنة مساءً حتى الساعة الثامنة صباحاً، وعدم رميها خارج الحاويات أو في غير الأوقات المخصصة، مؤكداً أن نجاح أعمال النظافة مسؤولية مشتركة بين الجهات المنفذة والمواطنين، للحفاظ على مدينة حمص نظيفة وصحية.
وفي هذا السياق، قال الناشط الإعلامي أمير عبد الباقي، من سكان حي البياضة شمال المدينة، لـ”الثورة السورية”: إن واقع النظافة في الحي سيئ نتيجة السلوكيات المجتمعية، إضافة إلى كثافة الركام، ولا سيما في شارع السبيل 2، الذي يتعذر على سيارات النظافة الوصول إليه.
وذكر أن الشركات المتعاقدة مع مجلس المدينة تبذل جهوداً كبيرة في أعمال النظافة، إلا أن بعض الممارسات المجتمعية تزيد من حجم الأعباء، كما أن عودة أعداد كبيرة من المهجّرين فاقمت حجم المشكلة.
وأشار عبد الباقي إلى أن الناشطين نفذوا عدداً من مبادرات النظافة، لكنها لم تلقَ تجاوباً كافياً من السكان، كما لفت إلى أنهم طالبوا البلدية بزيادة عدد الحاويات، من دون الاستجابة لهذا الطلب حتى الآن. وأضاف أن حي البياضة ما تزال تنتشر فيه أعلام ورموز النظام المخلوع على الجدران وواجهات المحال التجارية وأعمدة الكهرباء، وهو ما يعكس محدودية التفاعل مع مبادرات التنظيف والتأهيل.
وناشد المشاركون في هذا التقرير، عبر صحيفة “الثورة السورية”، مجلس مدينة حمص التدخل العاجل ووضع خطة طوارئ لمعالجة هذا الملف، من خلال تزويد مديرية النظافة بآليات إضافية، وزيادة عدد العمال، وتكليفهم بتنظيف محيط الحاويات والشوارع، وليس الاكتفاء بتفريغ الحاويات.
كما طالبوا بغسل الحاويات بصورة دورية، واستبدال القديمة منها بأخرى جديدة وأكبر حجماً، وتفعيل برنامج منتظم لرش المبيدات الحشرية، مؤكدين أن النظافة حق أساسي للمواطن، وأن مدينة حمص تستحق بيئة نظيفة تليق بحجم تضحيات أهلها، معربين عن أملهم في رؤية خطوات عملية لمعالجة هذا الواقع في أقرب وقت.
ويبرز ملف النظافة باعتباره جزءاً من مسار التعافي وإعادة الإعمار، إذ إن المدن التي تستعيد خدماتها الأساسية بصورة متوازنة تكون أكثر قدرة على استيعاب العائدين، وتحسين الظروف المعيشية، وتعزيز النشاط الاقتصادي والاجتماعي،
ومن هنا، فإن الاستثمار في هذا القطاع يسهم في توفير بيئة أكثر أماناً وصحة للسكان، ويحد من المخاطر البيئية التي قد تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار تراكم المخلفات.
ويبقى تحسين واقع النظافة في حمص مسؤولية تتقاسمها الجهات المعنية والمواطنون، في ظل الحاجة إلى خطط تنفيذية مستدامة تستند إلى الإمكانات المتاحة وتسعى إلى تطويرها تدريجياً.
ومع استمرار أعمال إعادة التأهيل وعودة الأهالي إلى مناطقهم، تظل المحافظة على مدينة نظيفة ومنظمة هدفاً أساسياً، يعكس مستوى الاهتمام بالخدمات العامة، ويهيئ بيئة أكثر ملاءمة لمرحلة التعافي التي تشهدها المدينة.
الثورة السورية – عائشة صبري














