
سجّل الموسم الزراعي في محافظة حلب خلال عام 2026 تحولاً لافتاً، بعدما ارتفعت كميات إنتاج القمح واتسعت المساحات العائدة إلى الزراعة، في مؤشر على بدء تعافي أحد أهم القطاعات الاقتصادية والمعيشية في المحافظة بعد سنوات من الحرب والجفاف وتراجع الإنتاج.
وأسهمت الهطولات المطرية الوفيرة، إلى جانب تحسن الظروف الزراعية وعودة مساحات واسعة إلى العملية الإنتاجية، في رفع إنتاجية الأراضي المرويّة والبعلية، فيما تجاوزت كميات القمح المستلمة لدى المؤسسة السورية للحبوب في حلب 300 ألف طن، مقابل نحو 100 ألف طن خلال الموسم الماضي.
ورغم أن القمح كان المستفيد الأكبر، إلا أن التحسن الزراعي لم يقتصر عليه فقط، إذ سجلت زراعة البطاطا وعدد من الخضروات الصيفية نمواً جيداً، مع انخفاض تكاليف الري وتحسن احتياجات المحاصيل المائية، ما أعاد النشاط إلى حقول ريف حلب ورفع توقعات المزارعين بموسم أفضل من السنوات السابقة.
غير أن وفرة الإنتاج لم تنه التحديات التي تواجه المزارعين، إذ ما زالت أسعار الأسمدة والمبيدات والمحروقات وأجور النقل وصعوبات التسويق تقلص العائد، إلى جانب مخاطر الحرائق والآفات والحاجة إلى تحسين خدمات التخزين واستيعاب الكميات المسوقة.
وفي هذا التقرير، ترصد صحيفة «الثورة السورية» مؤشرات الموسم الزراعي في حلب، وأسباب القفزة المسجلة في إنتاج القمح، وانعكاساتها على المزارعين والأمن الغذائي، إلى جانب الإجراءات المتخذة لدعم الإنتاج وحمايته، والتحديات التي تحدد قدرة هذا التعافي على الاستمرار.
لماذا كان موسم 2026 استثنائياً؟
جاء التحسن المسجل في الموسم الزراعي بحلب نتيجة اجتماع عدة عوامل في وقت واحد، في مقدمتها وفرة الهطولات المطرية وتوزعها خلال مراحل نمو المحاصيل، ما رفع نسبة الرطوبة في التربة وخفف حاجة المزارعين إلى الري، ولا سيما في الزراعات البعلية التي تضررت بشدة خلال الموسم السابق.
وساعدت الأمطار على إعادة مساحات واسعة إلى الإنتاج في مناطق الاستقرار الزراعي الثانية والثالثة والرابعة، بعدما خرج جزء كبير منها من الخدمة خلال موسم 2024-2025 بسبب الجفاف وضعف الجدوى الاقتصادية للزراعة، في حين أسهم انخفاض الإصابات بالآفات وتحسن نمو المحاصيل في رفع متوسط إنتاج الهكتار.
وتزامن ذلك مع رفع جاهزية مراكز استلام الحبوب والصوامع، واعتماد 15 مركزاً في محافظة حلب لاستقبال القمح والشعير، إلى جانب تنظيم عمليات الحجز والتسويق عبر المنصة الإلكترونية، ما وفر قدرة أكبر على استيعاب الكميات المنتجة مقارنة بالموسم الماضي.
ولا تعود أهمية موسم 2026 إلى ارتفاع الإنتاج وحده، وإنما إلى أنه جمع بين تحسن الظروف المناخية وعودة الأراضي إلى الزراعة وارتفاع القدرة على تسويق المحصول، وهي عناصر أعادت النشاط إلى سلسلة الإنتاج الزراعي من الحقل حتى مراكز الاستلام والتخزين.
بالأرقام.. حصاد غير مسبوق
أكدت المؤشرات الرسمية أن موسم القمح في محافظة حلب خلال عام 2026 سجل قفزة كبيرة مقارنة بالموسم السابق، سواء من حيث حجم الإنتاج أم كميات القمح المسوقة إلى المؤسسة السورية للحبوب.
وأوضح مدير المكتب الإعلامي في وزارة الاقتصاد والصناعة بحلب بلال الأخرس، في تصريح لـ«الثورة السورية»، أن كميات القمح المستلمة لدى المؤسسة السورية للحبوب – فرع حلب تجاوزت 300 ألف طن، مع استمرار عمليات الاستلام، في حين يقدر إجمالي إنتاج المحافظة بنحو 571 ألفاً و17 طناً، مقارنة بنحو 100 ألف طن فقط خلال الموسم الماضي.
وبلغت المساحة المزروعة بالقمح في محافظة حلب خلال هذا الموسم نحو 230 ألف هكتار، منها 80 ألف هكتار من الأراضي المروية، و150 ألف هكتار من الأراضي البعلية، وهو ما يشير إلى اتساع رقعة الأراضي العائدة إلى الإنتاج هذا العام.
ولمواكبة الزيادة في الكميات المنتجة، اعتمدت المؤسسة السورية للحبوب 15 مركزاً لاستلام القمح والشعير في محافظة حلب، تختلف طاقتها الاستيعابية بحسب التجهيزات، فيما تعتمد آلية التسعير على نسبة الشوائب والثقل النوعي للمحصول، علماً أن وزارة الاقتصاد والصناعة حددت سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى للموسم الحالي بـ46 ألف ليرة سورية.
عوامل وراء القفزة الإنتاجية
لم تكن الزيادة في إنتاج القمح نتيجة اتساع المساحات المزروعة فحسب، وإنما ارتبطت أيضاً بتحسن إنتاجية الأراضي، بعد موسم مطري وفر ظروفاً ملائمة لنمو المحصول في مختلف مناطق ريف حلب، بما في ذلك الأراضي البعلية التي تضررت بشدة خلال السنوات الماضية.
وأوضح رئيس دائرة جبل سمعان في مديرية الزراعة بحلب، المهندس عبد الرزاق الطالب، في تصريح لـ«الثورة السورية»، أن الهطولات المطرية التي شهدها الموسم الحالي وصلت إلى مستويات قياسية، وأسهمت في تحسين نمو محصول القمح، وزيادة إنتاجيته، وخفض جزء من التكاليف، كما انعكس أثرها على الزراعات البعلية في مناطق
الاستقرار الثانية والثالثة والرابعة، التي كانت تعاني سابقاً انخفاضاً في الإنتاج أو خروج مساحات منها من الزراعة.
وأشار إلى أن الموسم السابق (2024-2025) شهد خروج معظم المساحات البعلية من الإنتاج، إلى جانب تراجع إنتاج الزراعات المروية بسبب الجفاف، الأمر الذي ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين، في حين سجل الموسم الحالي تحسناً واضحاً في نمو المحاصيل، مع محدودية الإصابات بالآفات الزراعية، ومنها حشرة السونة.
وبيّن الطالب أن متوسط إنتاج الهكتار بلغ نحو 5.5 أطنان في الأراضي المروية، بينما تراوح بين 3.5 و4 أطنان في الأراضي البعلية، وفق مناطق الاستقرار الزراعي، وهو ما يؤكد التحسن الذي سجلته إنتاجية الأراضي مقارنة بالموسم السابق.
البطاطا تؤكد اتساع التعافي الزراعي
كما القمح، انعكست الظروف المناخية الملائمة خلال الموسم الحالي على إنتاج البطاطا أيضاً، التي سجلت مؤشرات إيجابية من حيث النمو والإنتاجية، مع انخفاض الحاجة إلى الري نتيجة وفرة الهطولات المطرية.
وأوضح الطالب، أن متوسط إنتاج البطاطا بلغ نحو 35 طناً للهكتار، فيما سجلت بعض الحقول إنتاجية أعلى، بفضل تحسن الظروف الزراعية وتوفر الاحتياجات المائية للمحصول.
وأضاف أن المزارعين يواصلون حالياً جني البطاطا الربيعية، حيث تُسوَّق الدرنات الكبيرة للاستهلاك، في حين تُخصص الأحجام المتوسطة والصغيرة للتخزين واستخدامها بذاراً للموسم الشتوي المقبل، بما يسهم في استمرارية الدورة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية لتأمين البذار.
موسم يتجاوز حدود الإنتاج
لا تقاس أهمية موسم القمح الحالي بارتفاع كميات الإنتاج وحدها، ولا سيما أن آثاره تمتد إلى قطاعات اقتصادية وخدمية متعددة ترتبط بالعملية الزراعية، بدءاً من المزارعين ومراكز استلام الحبوب، وصولاً إلى الصوامع وعمليات النقل والتخزين.
ويعزز ارتفاع الإنتاج المحلي قدرة المؤسسة السورية للحبوب على تأمين كميات أكبر من احتياجاتها من السوق المحلية، كما يخفف الضغوط على سلاسل التوريد، ويمنح المزارعين فرصة أفضل لتسويق محاصيلهم ضمن القنوات الرسمية، في وقت تسعى فيه الجهات المعنية إلى تطوير البنية التخزينية ورفع كفاءة منظومة التسويق.
ويمثل الموسم الحالي أيضاً مؤشراً على عودة مساحات زراعية كانت خارج الإنتاج خلال السنوات الماضية، الأمر الذي ينعكس على النشاط الاقتصادي في الريف، من خلال زيادة الطلب على خدمات الحصاد والنقل والتخزين واليد العاملة، وتحريك دورة العمل في القطاعات المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، إلا أن الحفاظ على هذا المستوى من الإنتاج يتطلب دعم المزارعين، وتطوير خدمات الري والإرشاد الزراعي والتسويق، بما يضمن تحويل التحسن المسجل خلال موسم 2026 إلى مسار مستدام، وليس نتيجة مرتبطة بوفرة الأمطار وحدها.
المزارعون: الوفرة لا تكفي
يقول مزارعون في محافظة حلب أن وفرة الإنتاج لم تنهِ التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، إذ ما زالت تكلفة الإنتاج وصعوبات التسويق ومخاطر الحرائق والآفات عوامل تؤثر في العائد الاقتصادي للمحاصيل.
وأوضح عدد من المزارعين، في حديثهم لـ«الثورة السورية»، أن الموسم الحالي أعاد النشاط إلى الحقول بعد سنوات من التراجع، مع تدفق شاحنات القمح إلى مراكز الاستلام، وبدء تسويق البطاطا الصيفية من ريف حلب، في مشهد يظهر تحسناً واضحاً مقارنة بالموسم الماضي.
وقال المزارع سالم محمد الخلف إن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج والمحروقات، إلى جانب صعوبات التسويق، لا يزال يقلص استفادة المزارعين من الموسم، مشيراً إلى أن مخاطر الحرائق والآفات الزراعية تبقى من أبرز الهواجس خلال فترة الحصاد، داعياً إلى مواصلة دعم القطاع الزراعي.
من جانبه، أوضح المزارع عبد السلام الصالح أن الموسم الحالي أعاد الأمل بعد سنوات صعبة، إلا أن ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والمحروقات وأجور النقل يلتهم جزءاً كبيراً من العائد، ما يضع المزارعين أمام تحديات اقتصادية رغم تحسن الإنتاج.
أما المزارع محمد جاسم العلي، فرأى أن التحدي لم يعد بحجم الإنتاج، بقدر ما يرتبط بتسويق المحصول، لافتاً إلى أن تقلب الأسعار وارتفاع أجور النقل وصعوبة تصريف المحاصيل في الوقت المناسب تحد من استفادة المزارعين من الموسم الجيد.
دعم الإنتاج من الحقل إلى التسويق
ورداً على مطالب المزارعين، أكدت مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في حلب أنها كثفت إجراءاتها الميدانية مع انطلاق موسم الحصاد، بهدف تسهيل عمليات التسويق وتقديم الدعم الفني للمزارعين في مختلف المناطق.
وأوضح رئيس دائرة جبل سمعان في مديرية الزراعة بحلب، المهندس عبد الرزاق الطالب، لـ«الثورة السورية»، أن المديرية استنفرت كوادرها لتسهيل إصدار شهادات المنشأ للمزارعين، سواء المرخصين أم المنظمين، عبر المراكز الإرشادية والشعب الزراعية التابعة لها، إلى جانب تقدير متوسط الإنتاج، وتسهيل الحجز على منصة تسويق الحبوب.
وأضاف أن المديرية نفذت في المناطق الشمالية خطوطاً نارية للحد من مخاطر الحرائق، وكثفت الإشراف الميداني والزيارات الفنية، كما أجرت تقييماً لاحتياجات المزارعين بالتعاون مع المنظمات الداعمة، ونظمت ندوات إرشادية ومدارس حقلية تهدف إلى تحسين الإنتاجية ورفع كفاءة الممارسات الزراعية.
وأشار إلى أن الدعم لا يقتصر على المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح، وإنما يشمل أيضاً المحاصيل الصيفية مثل البندورة والبطيخ والخيار والكوسا، من خلال متابعة الحقول، وتقديم الإرشادات الفنية المتعلقة بالري ومكافحة الآفات والأمراض، بما يسهم في الحفاظ على الإنتاج وتحسين جودته.
حماية الوفرة من مخاطر الصيف
ومع اقتراب انتهاء موسم الحصاد، تتجه الجهود إلى حماية المحاصيل التي حققت إنتاجاً مرتفعاً، ولا سيما في ظل ارتفاع درجات الحرارة خلال أشهر الصيف، وما يرافقها من زيادة احتمالات اندلاع الحرائق، إلى جانب استمرار الحاجة إلى مراقبة الآفات والأمراض النباتية.
وفي هذا الإطار، رفعت مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في حلب جاهزية فرقها الميدانية، بالتنسيق مع الدفاع المدني السوري والجهات المحلية، من خلال تعزيز فرق الإطفاء الزراعية، وتجهيز الصهاريج والآليات، وتكثيف حملات التوعية للمزارعين حول إجراءات الوقاية أثناء عمليات الحصاد ونقل المحاصيل.
كما تواصل الدوائر الزراعية تنفيذ برامج الرصد الحقلي لمتابعة الآفات والأمراض النباتية، وتقديم الإرشادات الفنية الخاصة بالمكافحة المتكاملة، بما يسهم في الحد من الخسائر والحفاظ على جودة الإنتاج، ولا سيما في محاصيل الحبوب والخضروات الصيفية.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية مضاعفة خلال الموسم الحالي، في ظل الكميات الكبيرة التي أنتجتها الحقول، إذ إن الحفاظ على المحصول حتى وصوله إلى مراكز الاستلام والتخزين يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة نجاح الموسم الزراعي.
موسم حلب ضمن المشهد الوطني
لا تنفصل النتائج التي سجلتها محافظة حلب عن المشهد الزراعي في سوريا، إذ تشير التقديرات الرسمية إلى أن موسم القمح لعام 2026 شهد تحسناً في معظم المحافظات الرئيسة المنتجة، مدفوعاً بوفرة الهطولات المطرية واتساع المساحات العائدة إلى الزراعة.
وتتوقع وزارة الزراعة أن يتراوح إنتاج سوريا من القمح خلال الموسم الحالي بين 2.3 و2.5 مليون طن، مقارنة بنحو 900 ألف طن في الموسم السابق، وهو أعلى مستوى إنتاج تشهده البلاد منذ سنوات.
وعزت الوزارة هذا التحسن إلى عاملين رئيسيين، هما تحسن الظروف المطرية واتساع رقعة الأراضي الداخلة في العملية الإنتاجية، ولا سيما في المحافظات الشرقية التي تمثل ثقلاً رئيساً في إنتاج الحبوب.
وبحسب تصريحات مدير التخطيط والتعاون الدولي في وزارة الزراعة أحمد جلال الأحمد لوكالة «رويترز»، يتوقع أن تنتج محافظة الحسكة نحو 800 ألف طن، والرقة نحو 300 ألف طن، ودير الزور قرابة 250 ألف طن، وهي كميات أسهمت، إلى جانب إنتاج المحافظات الأخرى، وفي مقدمتها حلب، في مضاعفة الإنتاج الوطني مقارنة بالموسم الماضي.
وفي موازاة ارتفاع الإنتاج، عملت المؤسسة السورية للحبوب على توسيع قدرتها التشغيلية خلال الموسم الحالي، عبر تجهيز 82 مركزاً لاستلام القمح في مختلف المحافظات، وتوسيع السعات التخزينية، واعتماد منصة إلكترونية لتنظيم عمليات التسويق، إلى جانب تنفيذ مشروعات لتطوير عدد من الصوامع ومراكز الاستلام، استعداداً لاستقبال الكميات الإضافية من المحصول.
ورغم التحسن المسجل، تشير التقديرات الرسمية إلى أن سوريا ستبقى بحاجة إلى استيراد جزء من احتياجاتها السنوية من القمح، التي تقدر بنحو أربعة ملايين طن، ولا سيما من القمح الطري المستخدم في صناعة الخبز، ما يجعل زيادة الإنتاج المحلي خطوة مهمة في تعزيز الأمن الغذائي، مع استمرار الحاجة إلى تطوير قطاع الحبوب ورفع كفاءته.
ويؤكد موسم 2026 أن تحسن الظروف المناخية قادر على إعادة الزراعة إلى مساحات واسعة خلال فترة قصيرة، غير أن الحفاظ على هذا التعافي يبقى مرهوناً باستمرار دعم الإنتاج وتطوير منظومة التسويق والتخزين، بما يحول الوفرة الموسمية إلى استقرار مستدام في إنتاج الحبوب والأمن الغذائي.
الثورة السورية – لينا إسماعيل














