اقتصاد

لماذا أخفق العالم في إدارة الأزمة النفطية الراهنة؟

في صباح الثالث من مارس 2026 أي في اليوم التالي لإغلاق إيران مضيق هرمز، وصل فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، إلى مكتبه في باريس حاملاً طلباً عاجلاً لموظفيه: طلب منهم تحليلاً دقيقاً للبيانات للتأكد مما كتبه في وقت متأخر من الليلة السابقة:

«إن حجم الأزمة التي نواجهها سيجعل صدمات النفط السابقة تبدو وكأنها مجرد تمارين تمهيدية». وبالفعل، تأكد الموظفون أن كمية النفط المفقودة ستكون أكبر من تلك التي فقدها العالم في صدمتي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتين.

بيرول، رجل تركي ذو شعر أبيض، عمل في مجال الطاقة لمدة أربعين عاماً، وهو الآن في قلب هذه الأزمة. وقد ساعدتني نقاشاتي معه في باريس، وخلال زيارة إلى إسطنبول.

حيث شاركنا في حلقة نقاشية، على فهم الكيفية التي يدير بها العالم اليوم الأزمات – أو بالأحرى كيف لا يديرها. وعلى أي مدى يتواصل التعاون الدولي في عهد ترامب؟ ومدى ما تعرفه الحكومات حل العالم؟

في أعقاب إغلاق المضيق، التقى بيرول بقادة عدد من الدول وأجرى سلسلة من الاتصالات الهاتفية مع البعض الآخر. يقول: «لقد فوجئتُ بأن دولاً كثيراً لم تدرك جيداً حجم الأزمة طوال ثلاثة أسابيع». وعلى سبيل المثال، لم يستوعب الكثير من صناع القرار أن إمدادات وقود الطائرات ستتعرض لنقص حاد.

وكان على وكالة الطاقة الدولية، وهي وكالة دولية صغيرة بميزانية أساسية قدرها 23 مليون يورو وبدون صلاحيات تشريعية، أن تتولى زمام المبادرة. فهي تمتلك «أفضل بيانات وتحليلات للطاقة في العالم»، وتشرف على احتياطيات نفطية تبلغ 1.2 مليار برميل. وفي 11 مارس، أطلقت الوكالة عملية ضخ غير مسبوقة بلغت 400 مليون برميل.

وفي البداية، كان بيرول حريصاً على عدم التحدث إلى وسائل الإعلام، خشية إثارة المزيد من الذعر في الأسواق، لكن عندما وجد تراخياً كبيراً من العدد من الحكومات، بدأ يتحدث علناً.

ومن الواضح أن لديه موهبة في صياغة البيانات في عبارات موجزة. ولذلك، رسخت عبارته «هذه أكبر أزمة طاقة في التاريخ» في أذهان صناع القرار.

وتعقد وكالة الطاقة الدولية اجتماعات دولية. وتم مؤخراً عقد اجتماع استعداداً لقمة «كوب» للمناخ لهذا العام. وقد تحول إلى اجتماع طارئ، لكنه كان من اللافت للنظر غياب الولايات المتحدة وروسيا. وكان من الطبيعي أن يتساءل أصحاب نظرية المؤامرة: «من يُدير العالم حقاً؟» والجواب: في الوقت الراهن: لا أحد.

ويحاول عدد قليل من القادة الحفاظ على ما تبقى من التعاون العالمي. وهنا يذكر بيرول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء اليابانية الجديدة سانا تاكايتشي، والمثير للدهشة، وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت. والمشكلة أن الدول الفقيرة.

كما يقول بيرول بحزن، نادراً ما يُسمع صوتها. ويشير في هذا السياق إلى العراق كمثال، حيث يعتمد ملايين الموظفين المدنيين والجنود والمتقاعدين على عائدات الصادرات النفطية. ولنا أن نتخيّل ما يمكن أن يحدث هناك. ومع ذلك، حتى من يُفترض أنهم قادة العالم لا يُفكّرون في العراق.

ومن الملاحظ أنه في أوقات الأزمات، قلة من الدول هي التي تمتلك القدرة على التفكير الاستراتيجي. وواشنطن وبكين تمتلكان هذه القدرة، ولدي كل منهما خطط احتياطية طويلة الأجل، فالولايات المتحدة لديها احتياطي نفطي ضخم، فيما تواصل الصين بناء محطات توليد الطاقة بالفحم، لكنها تشغلها بأقل من طاقتها بكثير، وهي تستخدمها كضمانة في حال تعطل النفط والغاز.

والمشكلة هنا أن النظام الأمريكي يمكن القول إنه يعاني من خلل وظيفي، بينما لا تشارك الصين الكثير من المعلومات. وخلال الاجتماعات الدولية، قد يستمع ممثل الصين بصمت بينما تتحدث الدول الصغيرة.

من جانبه، يرى وزير الطاقة البريطاني السابق، كريس هون، إن حتى دولاً بحجم المملكة المتحدة تفتقر إلى القدرة الاستراتيجية المستمرة. ويمكن لوزارة الطاقة الاستعانة بخبراء خارجيين.

لكن معظم وقت الحكومة يُقضى في التعامل مع الأحداث. ولنتخيل مقدار الوقت المتاح حالياً لرئيس الوزراء كير ستارمر، الذي يواجه ضغوطاً كبيرة، لوضع سياسة طاقة طويلة الأجل.

ولا عجب إذن أن محاولات الدول لإجراء تحولات استراتيجية غالباً ما تفشل. ولننظر إلى ألمانيا، فقد بالغت في البداية في الاعتماد على الطاقة الروسية. وفي عام 2011، بعد كارثة فوكوشيما، قررت التخلي عن الطاقة النووية.

تُطمئن الحكومات والأسواق نفسها بفكرة أن هذه الأزمة قابلة للإدارة وستزول. ففي النهاية، لم ترتفع أسعار الطاقة بشكل كبير للغاية. لكن بيرول يقول إن ذلك يعود جزئياً إلى استخدام مخزونات النفط الكبيرة عند بداية الأزمة، وإلى عمليات الطرح الكبيرة منذ ذلك الحين. ولذلك، يحذر قائلاً: «إنها مجرد حلول مؤقتة. ولا أفهم لماذا يستهين البعض بالمشكلات المحتملة».

إن الحكومات تواجه الآن خيارات استراتيجية مصيرية. ويشير بيرول إلى أنه حتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز غداً، فإن حالة عدم اليقين الجيوسياسي ستظل تُخيّم عليه لسنوات. ويقول إن مستوردي ومصدري الطاقة يبحثون بالفعل عن طرق جديدة.

وسيعيد ذلك رسم خريطة الطاقة العالمية، مما سيغير الجغرافيا السياسية والتجارة والقدرة التنافسية النسبية للدول. فهل تقوم الحكومات الآن بالتفكير الاستراتيجي اللازم؟ ويجيب بهدوء: «لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذه المرحلة في الوقت الراهن».

فايننشال تايمز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى