تتزايد شكاوى بعض المواطنين من ارتفاع تكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة، بالتوازي مع تساؤلات يطرحها ذوو مرضى حول بعض الحالات التي انتهت بمضاعفات صحية أو وفيات،
ما يفتح باب النقاش حول آليات الرقابة على الخدمات الطبية، ودور الجهات المعنية في التعامل مع الشكاوى المقدمة وضمان حقوق المرضى.
وكانت آخر الحوادث التي أثارت تفاعلاً واسعاً ومطالبات بالتحقيق، ما شهدته مدينة حلب الشهر الماضي حيث توفيت الشابة جودي سنكري، وهي أم لثلاثة أطفال، عقب خضوعها لعملية تجميل داخل أحد المستشفيات الخاصة، وفق ما جرى تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وعقب الحادثة، أعلنت مديرية الصحة في حلب مباشرتها متابعة الملف، حيث أوضح مدير الصحة محمد وجيه جمعة أن المديرية استجابت مباشرة وشكّلت لجنة خبرة طبية خماسية مشتركة بين الطبابة الشرعية ونقابة أطباء حلب للتحقيق في ملابسات الواقعة،
مضيفاً أن اللجنة باشرت عملها فوراً، على أن تُحال نتائج التحقيق إلى القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، كما تم إيقاف الفريق الطبي المتسبب بالحادثة من قبل الجهات المختصة على ذمة التحقيق.
وفي وقت تؤكد فيه الجهات الصحية استمرار الرقابة على المستشفيات الخاصة ومتابعة الشكاوى الواردة إليها، يرى مواطنون أن الحاجة ما تزال قائمة لمزيد من الشفافية في توضيح الإجراءات الطبية وأسباب بعض المضاعفات التي تواجه المرضى خلال رحلة العلاج.
روايات المرضى وذويهم
تقول لارا الهبيان إن شقيقها، وهو مهندس في الأربعين من عمره ولديه ستة أطفال، دخل أحد المستشفيات الخاصة في محافظة حماة إثر إصابته بالتهاب رئوي، قبل أن تتدهور حالته الصحية تدريجياً بعد وضعه على جهاز التنفس الاصطناعي.
وبحسب ما ذكرت، دخل شقيقها لاحقاً في غيبوبة انتهت بوفاته، بينما بقيت العائلة حتى اليوم غير قادرة على معرفة السبب الدقيق لما جرى، خاصة أنه لم يكن يعاني من أي أمراض مزمنة.
وأضافت أن العائلة سمعت تفسيرات غير رسمية حول أسباب الوفاة، لكنها لم تتمكن من الحصول على دليل طبي حاسم يؤكد تلك الروايات، في حين نفت إدارة المستشفى ما تم تداوله بشكل كامل.
وأوضحت أن العائلة دفعت خلال فترة العلاج مبالغ وصفتها بـ”الباهظة جداً”، رغم النهاية المأساوية للحالة.
وتقول إن التجربة تكررت بصورة مشابهة مع شقيقتها التي دخلت أحد المستشفيات الخاصة لتلقي العلاج، مشيرة إلى تعرضها لمعاملة وصفتها بغير المناسبة، إضافة إلى تكاليف تجاوزت 40 مليون ليرة سورية خلال أيام قليلة، قبل أن تفارق الحياة، بحسب روايتها، دون أن تحصل العائلة على توضيحات كافية حول أسباب الوفاة.
وفي مدينة حلب، تحدث جمال إسماعيل عن فقدان زوجته أثناء الولادة داخل أحد المستشفيات الخاصة.
وقال إن العائلة لاحظت حالة ارتباك داخل غرفة العمليات، قبل أن يتم إبلاغهم في اليوم التالي بوفاتها نتيجة نزيف حاد، مضيفاً: “السؤال الذي بقي يلاحقنا، هل كان بالإمكان إنقاذها لو تم التدخل بشكل أسرع؟”.
ولا يملك إسماعيل، كما يقول، ما يثبت وجود خطأ طبي، لكنه يتساءل عن أسباب غياب التوضيحات الطبية الكافية للعائلة بعد الوفاة.
أما الشكاوى الأكثر شيوعاً فتتمثل في ارتفاع أجور الخدمات الطبية داخل المستشفيات الخاصة، وفي هذا السياق أوضح سامر حلاق، وهو موظف، أنه اضطر لدفع مبلغ مليون ونصف مليون ليرة سورية أجور صورة طبقي محوري فقط ليد طفله،
بعد تعرضه لإصابة طفيفة خلال عطلة عيد الأضحى، مضيفاً: “لم تكن الإصابة خطيرة، لكن الفاتورة كانت صادمة مقارنة بقدرتنا المعيشية”.
وتتكرر شكاوى مشابهة تتعلق بارتفاع تكاليف العناية المشددة والعمليات الجراحية والأدوية، ولا سيما للأمراض المزمنة، إضافة إلى جلسات تنقية الدم والتحاليل الطبية وغيرها من الخدمات العلاجية والإسعافية في المستشفيات الخاصة.
شهادات من داخل القطاع الصحي
وتحدثت طبيبة حديثة التخرج تعمل في أحد المستشفيات الخاصة بدمشق، مشترطة عدم الكشف عن هويتها، عن حوادث قالت إنها وقعت نتيجة أخطاء تمريضية أو ضعف المتابعة داخل أقسام العناية المشددة.
وبحسب الطبيبة، فإن بعض الأخطاء الناتجة عن الإهمال التمريضي في إعطاء جرعات الدواء للمرضى، والتي لم يعلم بها سوى كادر المستشفى، جرى التعامل معها إدارياً داخل المؤسسة الصحية، مكتفين بعقوبة الحسم من الراتب، دون الوصول إلى إجراءات معلنة أوسع، وذلك خشية التأثير على سمعة المؤسسة الطبية.
ورغم تعذر الحصول على وثائق طبية أو قانونية مرتبطة بالحوادث التي تحدثت عنها المصادر، فإن تكرار الشكاوى المتعلقة بجودة الخدمات الطبية وآليات المتابعة داخل بعض المستشفيات الخاصة يطرح تساؤلات حول فاعلية الرقابة الداخلية وآليات التعامل مع الشكاوى الطبية.
توضيحات وردود رسمية
متابعة لهذا الملف توجهت صحيفة “الثورة السورية” إلى نقيب الأطباء مالك العطوي بعدد من الاستفسارات حول الشكاوى المقدمة فيما يخص الأخطاء الطبية في المستشفيات الخاصة، وكيفية التعامل معها، وعدد الشكاوى التي ثبت فيها الخطأ الطبي، ودور نقابة الأطباء فيما يخص ممارسة مهنة الطب في المستشفيات الخاصة عبر مختلف الاختصاصات.
وأكد العطوي أن النقابة تتلقى شكاوى متعددة بشكل شهري تتعلق بأداء الأطباء والخدمات الطبية، موضحاً أن اللجان الطبية المختصة تدرس كل حالة بشكل منفصل.
وأضاف أن الحالات التي يثبت فيها وجود إهمال أو خطأ طبي واضح تبقى محدودة، مشيراً إلى ضرورة التفريق بين الخطأ الطبي وبين الاختلاطات الطبية التي قد تحدث حتى مع الالتزام الكامل بالأصول العلمية للعلاج.
وبحسب العطوي، فإن النقابة تؤدي دوراً رقابياً إلى جانب دورها في حماية حقوق الأطباء وتنظيم المهنة.
رقابة مستمرة وإجراءات بحق المخالفين
وفي تصريح خاص لـ”الثورة السورية”، أوضح مدير مديرية المنشآت الصحية في وزارة الصحة واصل الجرك أن العدد الإجمالي للمستشفيات الخاصة في محافظة دمشق يبلغ 46 مستشفى ضمن الخدمة حالياً، و8 مستشفيات مغلقة إدارياً وخارج الخدمة.
وأضاف أن الجهة المسؤولة عن تحديد أجور الخدمات الطبية في المستشفيات الخاصة هي وزارة الصحة، وذلك بموجب تسعيرات معتمدة تصدر بقرارات رسمية استناداً إلى دراسات ومعايير محددة تراعي طبيعة الخدمات المقدمة.
وحول آلية مراقبة الخدمات والأجور، أوضح أن المستشفيات الخاصة تخضع لجولات رقابية دورية من قبل مديريات الصحة، تشمل مراقبة الالتزام بالتسعيرات الرسمية وجودة الخدمات الطبية المقدمة.
كما أشار إلى أن الوزارة تتعامل مع الشكاوى عبر مسارين، أولهما عن طريق مديريات الصحة من خلال الكشف والرقابة المباشرة على المستشفيات، والثاني بالتنسيق مع نقابة الأطباء والجهات المعنية.
وأضاف أن الوزارة اتخذت خلال الفترات الماضية إجراءات بحق بعض المستشفيات المخالفة، شملت تنظيم عدة ضبوط واتخاذ عقوبات وفق القوانين النافذة.
وفيما يتعلق بالأخطاء الطبية، أكد الجرك أن كل شكوى تُدرس بشكل مستقل، ويتم اتخاذ الإجراءات المناسبة وفق الأصول القانونية، وبالتنسيق مع نقابة الأطباء عند ثبوت وجود مخالفة أو تقصير.
أما بخصوص ارتفاع الأجور والشكاوى الواردة، فأوضح أن وزارة الصحة تتابع بشكل مستمر هذا الملف، وتجري مراجعات دورية للتسعيرات المعتمدة بما يتناسب مع التكاليف التشغيلية ومستوى الخدمات الطبية المقدمة.
كذلك أكد أن جميع الشكاوى الواردة إلى مديرية المنشآت الصحية يتم التعامل معها ومعالجتها وفق الأصول، بما يضمن حماية حقوق المواطنين.
وأضاف أن ارتفاع فواتير بعض الخدمات يرتبط بطبيعة الخدمة الطبية ومستوى الرعاية، كالعناية المشددة أو الإجراءات التخصصية والتجهيزات المستخدمة، إلا أن ذلك يبقى ضمن إطار التسعيرة الرسمية المحددة ويخضع للرقابة والتدقيق المستمر.
وفي ظل استمرار الشكاوى المتعلقة بتكاليف العلاج وبعض الحالات التي يطالب ذووها بمزيد من التوضيح حول ملابساتها، تؤكد الجهات المعنية استمرار الرقابة على المستشفيات الخاصة ودراسة الشكاوى الواردة إليها،
فيما يبقى تعزيز الشفافية وتطوير آليات المتابعة والاستجابة للشكاوى من أبرز القضايا المطروحة في القطاع الصحي، بما يسهم في ترسيخ ثقة المرضى وضمان حصولهم على خدمات طبية آمنة وعادلة.
الثورة السورية – لينا إسماعيل
