
وسط تسارع التقنيات الحديثة وهيمنة التكنولوجيا، التي أتاحت الوصول إلى أي محتوى مرئي أو مسموع بضغطة زر، تحولت دور السينما في مدينة حلب، التي كانت تنافس صالات العرض الأوروبية في عشرينيات القرن الماضي، إلى أماكن مهجورة خاوية، لتغيب بذلك ملامح إرث ثقافي كانت حلب سبّاقة فيه.
تاريخياً، عُرفت حلب بأنها «عاصمة السينما» في سوريا، إذ وصل عدد دور العرض فيها، في ذروة ازدهارها خلال سبعينيات القرن الماضي، إلى نحو 24 صالة سينما رسمية،
إضافة إلى العديد من دور العرض الصيفية والشعبية، إلا أن هذا الرقم تراجع اليوم إلى الصفر، نتيجة الظروف التي مرت بها المدينة ومجتمعها، وعلى رأسها حرب النظام المخلوع على الشعب السوري.
إقفال نهائي أم مؤقت؟
للوهلة الأولى، يبدو أن دور السينما في حلب قد انتهت بالفعل، في ظل إغلاق جميع الصالات وخروجها عن الخدمة، إلا أن مدير الثقافة في مدينة حلب، أحمد العبسي، نفى ذلك،
مؤكداً في حديث لصحيفة «الثورة السورية» حرص المديرية على حضور متنوع في المشهد الثقافي الحلبي، يشمل مختلف المجالات من مسرح وسينما وإنشاد وموسيقا وغناء ورقص وفنون تشكيلية، إضافة إلى الندوات الحوارية والمحاضرات والفعاليات الموجهة للأطفال والأسرة وجلسات التوعية.
وقال: «ما عملنا عليه خلال العام الماضي، منذ بدء عمل مديرية الثقافة في حلب في شهر أيار 2025، حقق إنجازات جيدة، وشهدنا تنفيذ عدد كبير من الفعاليات بمشاركة المجتمع الحلبي،
الذي كان متفاعلاً وداعماً للعمل الثقافي، ونرغب، كعاملين في هذا المجال، في إعادة افتتاح جميع دور السينما في حلب، فهي مدينة عريقة في المجال السينمائي وفي مختلف المجالات الثقافية».
ومن المؤكد أن إعادة افتتاح دور السينما سيكون لها وقع خاص لدى الحلبيين، ولا سيما الجيل الذي عاصر تلك الدور في أوج ازدهارها، حين كان الذهاب إلى السينما «نزهة عائلية بامتياز» ووسيلة أساسية للترفيه، إلا أن هذا الواقع تغير مع تطور التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، يجيب عبد الله عقاد، وهو ستيني من أبناء حلب، عن سؤال حول أهمية السينما بالنسبة إليه، مشيراً إلى أن دور السينما، حتى في حال إعادة افتتاحها، قد لا تستعيد الزخم الذي كانت عليه في الماضي، معتبراً أن الإقبال سيبقى محصوراً ضمن فئات عمرية محددة.
ويعزو عقاد ذلك إلى عدة أسباب، في مقدمتها التطور التكنولوجي، ولا سيما انتشار الهواتف المحمولة وشاشات العرض الذكية التي باتت متوفرة في كل منزل، إضافة إلى أسباب اجتماعية تتمثل في عزوف شريحة واسعة من الجيل الجديد عن ارتياد دور السينما، لكونها لم تعد ضمن اهتماماتهم.
في المقابل، يرى أحمد مدراتي، في حديثه لـ«الثورة السورية»، أن إعادة افتتاح دور السينما تمثل خطوة تعيد كثيرين إلى ذكريات جميلة ارتبطت بهذه الأماكن.
ولفت إلى أن تلك الأماكن جمعت بين أصدقاء وأحبة، إذ انتظر كثيرون بعضهم أمام أبواب دور العرض، كما لو كانت منارة يُستدل بها، مؤكداً أن قيمة الأماكن لا تُقاس دائماً بماديتها، بل بما تختزنه من ذكريات لأشخاص تركوا بصماتهم على جدرانها، وفق تعبيره.
وبالعودة إلى مدير الثقافة في حلب، أحمد العبسي، أوضح في حديثه لـ«الثورة السورية» أن النظام المخلوع أسهم في تشويه صورة السينما، عبر تحويلها من فضاء مجتمعي ترفيهي وثقافي إلى بيئة مشوهة،
من خلال منع عرض معظم الأفلام الهادفة والحديثة، وحصر العروض بأفلام سطحية تستهدف إثارة الغرائز، بهدف جذب فئة الشباب، ما أدى إلى عزوف المجتمع عنها وتراجع عدد دور السينما في المدينة بعد أن كانت تضم عدداً كبيراً منها.
وحول الواقع بعد التحرير، أشار العبسي إلى أنه جرى العمل على تجاوز حالة الإغلاق من خلال إقامة عدد من العروض السينمائية خلال العام الماضي على مسارح المراكز الثقافية في حلب وريفها،
إضافة إلى مسرح دار الكتب الوطنية، كما يجري العمل حالياً، بالتعاون مع مهتمين، على إطلاق نادٍ سينمائي في حلب، ليكون نشاطاً مجتمعياً يعيد للسينما دورها الثقافي في المدينة.
متى بدأت السينما في حلب؟
تُعد مدينة حلب أول مدينة سورية شهدت افتتاح دار للسينما، حيث احتضنت أول عرض سينمائي في سوريا عام 1908 في سينما «الكوزمو» بمنطقة باب الفرج، والتي افتتحها ميشيل مريش، وقد شاهد الجمهور الحلبي آنذاك أولى العروض للصور المتحركة، التي بدت لهم مشهداً غير مألوف أثار دهشتهم، حيث قُدمت بواسطة جهاز متنقل جُلب من تركيا.
وخلال العقود اللاحقة، وحتى سبعينيات القرن الماضي، بلغ عدد دور السينما في حلب نحو 25 داراً، كان من أبرزها: سينما حلب، أوغاريت، فؤاد، الأهرام (راميتا)، السفراء، الكندي، ريو، أوبرا، الشرق، رويال، أوكس، فاروق، والأمير، وغيرها.
ومع دخول تقنيات الفيديو في تسعينيات القرن الماضي، انخفض عدد الصالات إلى نحو 10 فقط، ثم تراجع تدريجياً مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، ليصل إلى الصفر قبل التحرير، إثر إغلاق جميع دور السينما أبوابها.
تحديات ما بعد التحرير
بعد التحرير، برزت عدة معوقات حالت دون إعادة افتتاح دور السينما، بحسب مدير ثقافة حلب أحمد العبسي، إذ إن معظم هذه الدور متضرر بشكل كبير ويحتاج إلى جهود وإمكانات مالية كبيرة لإعادة تأهيله وتشغيله، إضافة إلى أن غالبيتها تتبع لجهات خاصة أو مشاريع استثمارية تواجه تعقيدات إدارية تعرقل إعادة تشغيلها في وقت قصير.
وعبّر العبسي عن أمله في انطلاق أعمال الترميم مستقبلاً، مشيراً في الوقت ذاته إلى غياب أي وعود واضحة حتى الآن، لافتاً إلى أنه لا يوجد في حلب مكتب أو جهة تتبع للمؤسسة العامة للسينما، ما يدفع باتجاه الاعتماد على مبادرات المجتمع المحلي للمساهمة في إعادة إحياء هذا القطاع، على حد تعبيره.
الثورة السورية – لمى الحلو














